[ ٨٤ ]
لما ولدت هاجر إسماعيل - ﵇ - أمر الله سبحانه إبراهيم - ﵇ - أن يسكنهما مكة، فحملهما إليها، فلما أراد الرجوع قالت له هاجر: يا إبراهيم، من أمرك أن تضعني بأرض لا زرع فيها ولا ضرع، ولا أنيس ولا ماء ولا زاد؟ قال: ربي أمرني، قالت: فإنه لن يضيعنا، فلما مضى إبراهيم قال: "ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن" يعني من الحزن، فلما ظمئ إسماعيل جعل يدحض الأرض بعقبيه، فذهبت هاجر حتى علت الصفا، والوادي يومئذ عميق، فأشرفت، فلما تر شيئًا، فانحدرت في الوادي، فسعت فيه حتى خرجت منه، فأتت المروة، فصعدت واستشرفت، فلم تر شيئًا، ففعلت ذلك سبع مرات، ثم جاءت من المروة إلى إسماعيل، وهو يدحض الأرض بعقبه، وقد نبعت العين - وهي زمزم - فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء، فكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها، وأفرغته في سقائها، فقال النبي ﷺ: "رحمها الله، لو تركتها لكانت عينًا سائحة تجري إلى يوم القيامة" وكانت "جرهم" يومئذ بواد قريب من مكة، ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء، فلما رأت "جرهم" الطير قد لزمت الوادي قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء، فجاءوا إلى "هاجر"، فقالوا: لو شئت لكنا معك وآنسناك، والماء ماؤك، قالت: نعم، فكانوا معها، حتى شب إسماعيل - ﵇ - وماتت "هاجر"، فتزوج امرأة من "جرهم"، فاستأذن إبراهيم - ﵇ - سارة أن يأتي "هاجر" فأذنت له، وشرطت عليه ألا ينزل، فقدم إبراهيم (﵇) وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: ذهب يتصيد، فقال: هل عندك ضيافة؟ فقالت: ما عندي طعام ولا شراب. فقال إبراهيم - ﵇ -: إذا رجع زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: فليغير عتبة باب داره، وذهب إبراهيم وجاء إسماعيل، فوجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ فقالت: جاءني شيخ [صفته] كذا وكذا، كالمستخفة بشأنه. قال: فما قال لك؟ قالت: قال لي: أقرئي زوجك السلام، وقولي له: فليغير عتبة بابه، فطلقها، وتزوج أخرى، فلبث إبراهيم - ﵇ - ما شاء الله، ثم استأذن سارة في أن يأتي إسماعيل، فأذنت له، واشترطت عليه ألا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل [﵉]، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: ذهب يتصيد، وهو يجئ الآن إن شاء الله، فانزل - رحمك الله - فقال: هل عندك ضيافة؟ فقالت: نعم، فقال: هل عندك خبز، أو بر، أو شعير، أو تمر؟ فجاءت باللبن واللحم، فدعا لهما بالبركة، فلو جاءت يومئذ بخبز، أو بر، أو شعير، أو تمر، فكانت مكة أكثر أرض الله برًا وشعيرًا وتمرًا، ثم قالت له - وقد رأته أشعث الرأس -: انزل - يرحمك الله - حتى أغسل رأسك، فلم ينزل، واعتذر، فجاءته بالمقام، فوضعته تحت شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فبقي أثر قدمه عليه، ثم غسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شق رأسه الأيسر فغسلته، كما فعلت بالجانب الأيمن، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه - ﵉ - فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم، شيخ أحسن الناس وجهًا، وأطيبهم ريحًا، قال لي: كذا، وقلت له: كذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدمه، وقال لي: قولي لزوجك إذا جاء: قد استقامت عتبة بابك، فقال: ذاك أبي إبراهيم خليل الرحمن ﷿.
إنما أوردت هذا الخبر مختصرًا؛ لئلا يقف على ذكر غسل إبراهيم - ﵇ - رأسه من لا يكون عرف كيف كان ذلك، فيتطلع إلى معرفته.
وقال ﵎: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي ) فيه خمسة أوجه: أحدهما: من الأصنام، والثاني: من الكفار، والثالث: من الأنجاس، والرابع: من الآفات والريب، والخامس: أنه لمن حجه وطاف به.
فإن قيل: فلم يكن على عهد إبراهيم - ﵇، قبل بناء البيت - بيت مطهر؟ فعن هذا جوابان: أحدهما: أن ابنيا بيتي مطهرًا.
والثاني: أن طهرا مكان بيتي للطائفين.
وقال ﵎: (ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله ) الآية. فيه وجهان: أحدهما: أنه من خرج للهجرة من مكة، فمات في طريقه قبل وصوله المدينة، فقد استحق ثواب عمله، وجزاء هجرته.
والثاني: فيمن خرج غازيًا، فمات قبل الوقعة، فله ثواب جهاده.
[ ٨٥ ]
واختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقيل: إنها نزلت في أبي أمية ضمرة بن جندب الخزاعي خرج من مكة مهاجرًا، فمات بالشعب.
وقيل: نزلت في خالد بن حزام أخي حكيم بن حزام، خرج مهاجرًا، فمات في الطريق.
وقال ابن عباس - رضوان الله عليه - في رواية عطاء: كان عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - يخبر أهل مكة بما ينزل من القرآن، فكتب إليهم بقوله - ﷿ -: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فم كنتم، قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة، فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم، وساءت مصيرًا) قال حبيب بن ضمرة الليثي - لما قرأها، وكان شيخًا كبيرًا -: احملوني، فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي إلى الطريق، فحملوه على سرير، متوجهًا إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت، فصفق بيمينه على شماله، وقال: اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعت رسول الله ﷺ ومات، فبلغ خبره أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: لو كان وافى المدينة لكان أتم أجرًا، فأنزل الله - ﷿ -: (ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله ) الآية.
وقال الله ﵎: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرًا) قال عطاء بن أبي رباح - ﵀ -: حدثني من سمع أم سلمة - ﵂ - تذكر أن النبي ﷺ كان في بيتها، فأتته فاطمة - ﵍ - ببرمة فيها خزيرة، فدخلت عليه بها، فقال ﷺ: ادعي لي زوجك وابنيك، قالت: فجاء علي، والحسن، والحسين - رضوان الله عليهم - فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل الله - ﷿ -: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرًا) فأخذ النبي ﷺ فضل الكساء، فغشاهم به، ثم أخذ بيديه فألو بهما إلى السماء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي، فأذهب عنهم الرجس أهل البيت، وطهرهم تطهيرًا، قالت: فأدخلت رأسي البيت، وقلت: وأنا معكم يا رسول الله، فقال: إنك إلى خير، إنك إلى خير) .
وقال الله ﵎: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا طعمتم فانتشروا ) الآية.
قال أكثر المفسرين: لما بنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، ﵂، أولم عليها بتمر وسويق، وذبح شاة، قال أنس بن مالك - ﵀ - وبعثت إليه أمي أم سليم بحيس في تور من حجارة، فأمرني النبي ﷺ أن أدعو أصحابه - ﵃ - إلى الطعام، فجعل القوم يجيئون، فيأكلون، ويخرجون، فقلت: يا رسول الله قد دعوت حتى لا أجد أحدًا أدعوه، قال: ارفعوا طعامكن، فرفعوا، وخرج القوم، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت، فأطالوا المكث، وتأذى بهم رسول الله ﷺ وكان شديد الحياء، فأنزل الله - ﷿ - هذه الآية.
وقوله - ﷿، حكاية عن إبراهيم ﷺ -: (رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم) .
(ذريته: إسماعيل، وأمه هاجر.
(بواد غير ذي زرع) يعني مكة، أسكنها بأبطحها، ولم يكن بها ساكن، ثقة بالله تعالى، وتوكلًا عليه.
(عند بيتك المحرم): أضاف البيت إليه سبحانه، لأنه لا يملكه غيره، والمحرم؛ لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره من جماع واستبذال.
وقوله - ﷿ -: (والبيت المعمور) فيه أربعة أوجه: أحدها: ما رواه قتادة عن أنس بن مالك - ﵀ - قال: قال رسول الله ﷺ: "أتي بي إلى السماء السابعة، فرفع لنا البيت المعمور، فإذا هو حيال الكعبة، لو خر خر عليهما، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، فإذا خرجوا منه لم يعودوا فيه".
والثاني: أن البيت المعمور هو بيت في ست سموات ودون السابعة يدعى الضراح، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك من قبيلة إبليس، لا يعودون إليه أبدًا، وهو بحذاء البيت العتيق.
[ ٨٦ ]
والثالث: ما قاله الربيع بن أنس أنه كان في الأرض البيت المعمور، في موضع الكعبة، في زمان آدم - ﵇ - حتى كان زمان نوح - ﵇ - فأمرهم نوح أن يحجوه، فأبوا عليه؛ وعصوه، فلما طغى الماء رفع، فجعل بحذائه من سماء الدنيا، فيعبره كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يرجعون إليه، حتى ينفخ في الصور، قال: فبوأ الله تعالى لإبراهيم - ﵇ - الكعبة البيت الحرام، حيث يقول سبحانه: (وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت ) الآية.
والرابع: ما قاله الحسن - ﵁ - أن البيت المعمور هو البيت الحرام، والمعمور: قيل: إنه معمور بالقصد إليه، وقيل: بالمقام عليه.
وقال ﵎: (في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه) قيل: هي المساجد، وقيل: إنها سائر البيوت.
(أذن الله أن ترفع) أي تبنى، كقوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) أي يبني، وقيل: ترفع فيها الحوائج إلى الله ﷿.
وقال ﵎: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا، وتسلموا على أهلها ) الآية.
روى عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار، فقالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد، فيأتي الأب، فيدخل علي، وإنه لا يزال يدخل رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال أبو بكر الصديق - رضوان الله عليه -: يا رسول الله أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام، ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتًا غير مسكونة ) الآية.
وفي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا، وتسلموا على أهلها) ثلاثة أوجه: قيل: حتى تستأذنوا.
وقيل: حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح، فيعلموا بالدخول عليهم.
وقيل: (حتى تستأنسوا) أي تعلموا هل فيها أحد تستأذنوه، فتسلموا عليه، ومنه قوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشدًا)، أي علمتم.
والإذن: يكون بالقول، والإشارة، عن أبي هريرة - ﵀ - قال: قال رسول الله ﷺ: "رسول الرجل إذنه".
فإن استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له ولى ولم يراجع، روى عن الحسن البصري عن الأشعري: أنه استأذن على عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - ثلاثًا، فلم يؤذن له، فرجع، فأرسل إليه عمر، فقال: ما ردك؟ فقال: قال رسول الله ﷺ: "من استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، فليرجع" فقال عمر - رضوان الله عليه -: "لتجيئنني ببينة، وإلا جعلتك نكالًا" فأتى طلحة - ﵀ - فشهد له. قال الحسن - ﵀: الأولى: إذن، والثانية: مؤامرة، والثالثة: عزمة إن شاءوا إذنوا، وإن شاؤوا ردوا، ولا يستأذن وهو مستقبل الباب إن كان الباب مفتوحًا، وإذا أذن لأول القوم، فقد أذن لآخرهم، ولا يقعد على الباب بعد الرد، فإن للناس حاجات.
ثم قال تعالى: (وتسلموا على أهلها) والسلام ندب، والاستئذان حتم، وفي السلام قولان: [الأول]: أنه مسنون بعد الإذن على ما تضمنته الآية من تقديم الإذن عليه، ولأن السلام من تحيات اللقاء، واللقاء يكون بعد الإذن.
والثاني: أنه مسنون قبل الإذن، وأنه وإن تأخر في التلاوة فهو مقدم في الحكم، وتقدير الكلام: حتى تسلموا، وتستأذنوا؛ لما روى محمد بن سيرين - ﵀ - أن رجلًا استأذن على رسول الله ﷺ: أأدخل؟ فقال النبي ﷺ لرجل عنده: "قم فعلمه كيف يستأذن، فإنه لم يحسن" فسمعها الرجل، فسلم واستأذن.
وقد قيل: إن وقعت العين على العين قبل الاستئذان، فالأولى تقديم السلام على الاستئذان، وإن لم تقع العين على العين قبل الإذن، فالأولى تقديم الاستئذان على السلام.
فأما الاستئذان على منازل الأهل: فإن كانوا غير ذوي محرم لزم الاستئذان عليهم، كالأجانب.
وإن كانوا ذوي محارم، وكان المنزل مشتركًا، هو فيه، وهم ساكنون، لزمه قبل دخوله إنذارهم، إما بوطء أو بنحنحة مفهمة، إلا الزوجة، فلا يلزم ذلك في حقها؛ لارتفاع العورة بينهما. وإن لم يكن المنزل مشتركًا، ففي الاستئذان عليهم وجهان: أحدهما: النحنحة والحركة.
والثاني: بالقول، كالأجانب.
[ ٨٧ ]
وقد روى عطاء بن يسار - ﵀ - أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أستأذن على أمي؟ قال: نعم، قال: فإني أخدمها، قال: استأذن عليها، فعاوده ثلاثًا، فقال ﷺ: أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستأذن عليها.
(فإن لم تجدوا فيها أحدًا) يعني يأذن لكم (فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) . ولا يجوز أن يتطلع إلى المنزل، ليرى من فيه فيستأذنه إذا كان الباب مغلقًا؛ لقول النبي ﷺ: "إنما جعل الاستئذان لأهل البصر" إلا أن يكون الباب مفتوحًا؛ فيجوز أن ينظر إذا كان خارجًا منه؛ لأن صاحبه بالفتح قد أباح النظر.
(فإن قيل لكم: ارجعوا، فارجعوا، هو أزكى لكم) وهذا إن كان بعد الدخول عن إذن، لزم الانصراف وحرم اللبث، فإن كان قبل الدخول، فهو رد للإذن، ومنع من الدخول، ولا يلزمه إلا الانصراف عن موقفه.
وقال ﵎: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتًا غير مسكونة) قيل: الخانات المشتركة ذوات البيوت المسكونة، وقيل: حوانيت التجار، وقيل: منازل الأسفار، ومناخات الرحال التي يرتفقون بها مارة الطريق في أسفارهم، وقيل: الخرابات المعطلة، وقيل هي بيوت مكة (فيها متاع لكم) فلا يلزم الاستئذان في هذه المنازل.
وقال ﵎: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) .
قيل: كما أخرجك ربك من مكة إلى المدينة بالحق مع كراهة فريق من المؤمنين، كذلك ينجز وعدك بنصرك على أعدائك.
وقيل: في قوله تعالى: (بالحق) قولان: أحدهما: أنك خرجت ومعك الحق، والثاني: أنه أخرجك بالحق الذي وجب عليك.
وقال ﵎: حكاية عن المشركين: ([وقالوا] لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا [أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا. أو تسقط السماء - كما زعمت - علينا كسفًا، أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا] أو يكون لك بيت من زخرف) .
قيل: الزخرف: المنقوش، وقيل: الذهب.
قال مجاهد: لم أكن أدري ما الزخرف، حتى سمعنا في قراءة ابن مسعود - ﵁ - "بيت من زخرف" وأصله من الزخرفة، وهو تحسين الصورة، ومنه قول الله - ﷿ -: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) .
والذين قالوا لرسول الله ﷺ هذا القول نفر من قريش، قال ابن عباس - ﵁ -: وهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، وأمية بن خلف، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج.
وقال ﵎: (: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) فيه قولان: (الأول): لو تخلفتم لبرز الذين كتب عليهم القتل، ولم ينجهم قعودهم.
والثاني: لو تخلفتم لخرج منكم المؤمنون، ولم يتخلفوا بتخلفكم، ويكون معنى قول الله ﷿: (الذين كتب عليهم القتل) أي فرض عليهم القتال، فعبر عنه بالقتل، لأنه يئول إليه، إما بالظفر، أو بالشهادة.
وقال الله ﵎: (ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون: إن بيوتنا عورة) .
قال السدي: الذي استأذنه ﷺ منهم رجلان من الأنصار: أبو عرابة بن أوس، وأوس بن قيظي، ورجع ثمانون رجلًا بغير إذن.
(يقولون إن بيوتنا عورة) أي قاصية من المدينة، نخاف على عورة النساء والصبيان من السبي.
وقيل: أي خالية، ليس فيها إلا العورة من النساء.
وقيل: مكشوفة الحيطان يخاف عليها السرق والطلب، والعرب تقول: أعور منزلك، إذا ذهب ستره، أو سطق جداره، وكل ما كره انكشافه عندهم فهو عورة.
(ولو دخلت عليهم من أقطارها) أي لو دخل على المنافقين من أقطار المدينة ونواحيها، (ثم سئلوا الفتنة لآتوها) قيل: سئلوا القتال في العصبية، لأسرعوا إليه.
وقيل: لو سئلوا الشرك لأجابوا إليه مسرعين، (وما تلبثوا [بها]) عن الإجابة إلى الفتنة (إلا يسيرا) وقيل: ما لبثوا في المدينة إلا قليلًا حتى يعذبوا.
وقال الله ﵎: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) .
قيل: بأيديهم، لنقض الموادعة، وأيدي المسلمين بالمقاتلة.
وقيل: بأيديهم في تركها، وبأيدي المؤمنين بإجلائهم عنها.
[ ٨٨ ]
وقيل: بأيديهم في خراب دواخلها وما فيها، لئلا يأخذه المسلمون، وأيدي المؤمنين في خراب ظواهرها، ليصلوا بذلك إليهم.
وقيل: كانت منازلهم مزخرفة، فحسدوا المسلمين أن يسكنوها، فخربوها من داخل، وخربها المسلمون من خارج.
وقيل: إنهم كانوا كلما هدم عليهم المسلمون من حصونهم شيئًا نقضوا من بيوتهم ما يعمرون به ما خرب من حصونهم.
وقيل: تخريبهم لبيوتهم أنهم لما صولحوا على حمل ما أقلته إبلهم، جعلوا ينقضون ما أعجبهم من بيوتهم، حتى الأوتاد، ليحملوها على إبلهم.
وقال الله ﵎: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا) قال مجاهد: موضعًا تسكنون فيه (وجعل [لكم] من جلود الأنعام بيوتًا) وهي الخيام (تستخفونها يوم ظعنكم، ويوم إقامتكم) فذكر الله لهم النعمة عليهم فيما جعله لهم من بيوت الأوطان الثابتة، وبيوت الأسفار المنقلة، لتعمهم النعمة في إقامتهم وأسفارهم.
وقال الله ﵎: حكاية عن نوح ﵇ - (رب اغفر لي، ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا) قيل: أراد أباه لمكًا، وأمه منخيل، وكانا مؤمنين، وقيل: أراد أباه وجده. (ولمن دخل بيتي مؤمنًا) قيل: صديقي الداخل إلى منزلي، وقيل: من دخل مسجدي وقيل: من دخل في ديني.
وقال الله ﵎: (ليس [على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج، ولا على أنفسكم] أن تأكلوا من بيوتكم، أو بيوت آبائكم، أو بيوت أمهاتكم، أو بيوت إخوانكم، أو بيوت أخواتكم، أو بيوت أعمامكم، أو بيوت عماتكم، أو بيوت أخوالكم، أو بيوت خالاتكم) .
أباح سبحانه الأكل في بيوت هؤلاء لمكان النسب من غير استئذانهم في الأكل إذا كان الطعام مبذولًا، فإن كان محرزًا دونهم لم يكن لهم هتك حرزه، ولا يجوز أن يتجاوز الأكل إلى الادخار، [أو] إلى ما ليس بمأكول، وإن كان غير محرز عنهم إلا بإذن منهم.
وقال الله ﵎: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتًا) أي مساكن يسكنونها، وقيل: [في] قوله "مصر" إنها الإسكندرية، وقيل: بل هي مصر، وقيل: اتخذوا قصورًا، وقيل: مساجد (واجعلوا بيوتكم قبلة)، قيل: مقابل بعضها بعضًا، وقيل: اجعلوا مساجدكم قبل الكعبة.
وقال الله ﵎: (وأوحى ربك إلى النخل أن اتخذي من الجبال بيوتًا، ومن الشجر ومما يعرشون) .
في (أوحى) ثلاثة أقوال: أحدها: ألهمها. والآخر: سخرها. والثالث: أنه سبحانه جعل ذلك في غرائزها مما يخفى مثله على غيرها.
(أن اتخذي من الجبال بيوتًا) ذكر الله تعالى بيوتها لما ألهمها وأودعه غرائزها من صحة القسمة، وحسن الصنعة.
وقال الله ﵎: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء، كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) .
يعني سبحانه آلهة من أصنام وأوثان عبدوها، (كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا) يعني أنهم عبدوا ما لا يغني عنهم شيئًا، كبيت العنكبوت لا يستر الأبصار، ولا يدفع الأيدي. وعن عطاء عن ابن عباس - ﵁ - ذكر آلهة المشركين فقال سبحانه: (وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه) وذكر كيد الآلهة، فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: - حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فما أنزل على محمد ﷺ: أي شيء يصنع بهذا؟ فأنزل الله - ﷿ -: (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها ) الآية.
قال القاضي الماوردي - ﵀ -: البعوضة من صغار البق، سميت بذلك لأنها كبعض البقة في صغرها.
وقيل: نسجت العنكبوت مرتين: مرة على داوود ﵇، ومرة على النبي ﷺ، وجمع عنكبوت عناكب، وتصغيره عنيكب.
[ ٨٩ ]
وقد ذكر علي - رضوان الله عليه - العنكبوت في كلام له، روى أن رجلًا أتى عليًا - رضوان الله عليه - فقال: يا أمير المؤمنين إنه قضيت علي قضية ذهب فيها مالي وأهلين فخرج إلى الرحبة، فاجتمع عليه الناس، فقال - رضوان الله عليه -: ذمتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم، إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحم الشبهات، وإن أشقى الناس رجل قمش علمًا في أوباش الناس بغير علم ولا دليل، فاستكثر مما قل منه خير، فأكثر، حتى إذا ارتوى من آجن آسن غير طائل جلس للناس مفتيًا؛ ليخلص ما التبس على غيره، فهو في قطع من الشبهات، في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، خباط عشوات، ركاب جهالات، لم يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم، ولم يسكت فيسلم، تصرخ منه الدماء، وتبكي منه المواريث، وتستحل بقضائه الفرج الحرام، أولئك الذين حلت عليهم النياحة في أيام حياتهم. -أوجب إيراد هذا الحديث ما فيه من ذكر العنكبوت) .
عن أنس بن مالك - ﵀ - قال: قال النبي ﷺ: ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه في كل يوم خمس مرات، فإذا وجد إنسانًا قد نفذ أجله، وانقطع عمله، ألقى عليه غم الموت، فغشيته كرباته، وغمرته غمراته، وجهرت الباكية بشجوها، والصارخة بويلها، فيقول ملك الموت - ﵇ -: ويلكم، وفيم الفزع؟ وفيم الجزع؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقًا، ولا قربت له أجلًا، ولا أتيته حتى أمرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت، وغن لي فيكم عودة، ثم عودة، ثم عودة، حتى لا أبقى منكم أحدًا. قال النبي ﷺ: فوالذي نفسي بيده، لو يرون مكانه، أو يسمعون كلامه، لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم، حتى إذا حمل الميت على نعشه، رفرفت الروح فوق النعش، فهو ينادي: يا أهلي، ويا ولدي. لا تلعبن بكم الدنيا، كما لعبت بي، جمعت المال من حله ومن غير حله، ثم خلفته لغيري، فالهناءة له، والتبعة علي، فاحذروا ما حل بي.
عن أبي موسى الأشعري - ﵀ - قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل بيت يذكر الله تعلى فيه، وبيت لا يذكر الله فيه، مثل الحي والميت".
وقال ﷺ: "نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن يفر منها الشيطان".
وقال ﷺ: "نزول الضيف في البيت بركة".
وقال ﷺ: "لا تدخل الخيانة بيتًا إلا خرب".
وقال ﷺ: "لا تدخل السرقة بيتًا إلا أورثتهم الذل".
وقال ﷺ: "ما من أحد يخرج من بيته يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضى بما يصنع".
وقال ﷺ: "ما من أحد يخرج من بيته مجاهدًا في سبيل الله تعالى إلا لم تزل الملائكة تستغفر له حتى يرجع".
وقال الوزير الكامل أبو القاسم بن المغربي، وقد حج:
أستار بيتك أمن الخوف منك وقد علقتها مستجيرًا منك يا باري
وما أظنك لما أن علقت بها خوفًا من النار تدنيني من النار
وها أنا جار بيت أنت قلت لنا: حجوا إليه، وقد أوصيت بالجار
قرئ على حائط قصر بأعلى الحجاز، قد خرب، وباد أهله:
بالله ربك كم بيت مررت به قد كان يعمر باللذات والطرب
طارت عقاب المنايا في سقائفه فصار من بعدهم للويل والحرب
(هذان البيتان لإبراهيم بن المهدي) .
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
كل بيت للهدم، ما تبتنى الور قاء، والسيد الرفيع العماد
واللبيب اللبيب من ليس يغت ر بكون مصيره لفساد
وقال أبو العتاهية:
عش ما بدا لك قصرك الموت لا معقل منه ولا فوت
بينا غنى بيت وساكنه زال الغنى، وتقوض البيت
وقال آخر أظنه أبا العتاهية:
قد آن أن يسمعك الصوت أنائم قلبك أم ميت؟!
يا باني البيت على غرة أمامك المنزل والبيت
وإنما الدنيا على طولها ثنية مطلعها الموت
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان من قصيدة يرثي بها والده:
هنيئًا لك البيت الجديد موسدا يمينك فيه بالسعادة واليمن
مجاور سكن من ديار بعيدة من الحي سقيًا للديار وللسكن
[ ٩٠ ]
أمر بربع كنت فيه كأنما أمر من الإجلال بالحجر والركن
وإجلال مغناك اجتهاد مقصر إذا النصل أودى فالعفاء على الجفن
وقال آخر:
أسعداني بعبرة أسراب من دموع كثيرة التسكاب
إن أهل الحصاب قد تركوني موزعًا مولعًا بأهل الحصاب
أهل بيت تتابعوا للمنايا ما على الدهر بعدهم من عتاب
فارقوني، وقد علمت يقينًا ما لمن ذاق ميتة من إياب
كم بذاك الحجون من [حي صدق] وكهولٍ أعفة وشباب
فلى الويل بعدهم وعليهم صرت فردًا، وملني أصحابي
عن حماد الراوية قال: حدثنا ابن أخت لنا من مراد قال: وليت صدقات قوم من العرب، فبينا أنا أقسمها في أهلها، إذ قال لي رجل منهم: ألا أريك عجبًا؟ قلت: بلى، فأدخلني في شعب من جبل، فإذا أنا بسهم من سهام عاد بن قنا قد نشب في ذروة من الجبل مكتوب عليه:
ألا هل إلى أبيات شمخ إلى اللوى لوى الرمل يومًا للنفوس معاد؟!
بلاد بها كنا، وكنا من أهلها إذ الناس ناس، والبلاد بلاد
ثم أخرجني إلى ساحل البحر، فإذا أنا بحجر يعلوه الماء طورًا، يظهر طورًا، عليه مكتوب: يا ابن آدم، يا عبد ربه، اتق الله، ولا تعجل في أمرك؛ فإنك لن تسبق رزقك، ولا ترزق ما ليس لك. ومن البصرة إلى دبيل ستمائة فرسخن فمن لم يصدق، فليمش على الطريق على الساحل حتى يتحققه، فمن لم يقدر على ذلك فلينطح برأسه هذا الحجر" وقال أبو بكر محمد بن عيسى الداني - من شعراء الأندلس - يندب المعتمد على الله أبا القاسم محمد بن المعتضد بالله أبي عمرو عباد بن محمد بن عباد، حين تغلب على بلاده يوسف بن تاشفين المثلم، وانتزعه من ملكه، وكان أدبيًا جوادًا محسنًا إلى أهل الأدب:
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد
ويا مؤمل واديهم ليسكنه خف القطين، وجف الزرع بالوادي
ضللت سبل الندى يا ابن السبيل فسر بغير قصد، فما يهديك من هاد
إن يخلعوا فبنو العباس قد خلعوا وقد خلت قبل حمص أرض بغداد
سارت سفائنهم والنوح يتبعها كأنها إبل يحدو بها حاد
وأول هذا الشعر:
تبكي السماء بدمع رائح غاد على البهاليل من أبناء عباد
عريسة دخلتها الحادثات على أساود منهم فيها وآساد
وكعبة كانت الآمال تعمرها فاليوم لا عاكف فيها ولا باد
كم من درارى سعود قد هوت وزهت منهم، ومن درر للمجد أفراد
(وبعده الشعر المقدم) .
وقال الشمردل بن شريك المنقري يرثي أخاه وائلًا:
لعمرك إن الموت منا لمولع بمن كان يرجى نفعه وفواضله
وما البعد إلا أننا بعد صحة كأن لم نبايت وائلًا ونقايله
فأصبح بيت الهجر قد حال دونه وغال أمرأً ما كان تخشى غوائله
سقى الصفرات الغيث ما دام ثاويًا بهن، وجادت أهل شول مخايله
وما بي حب الأرض إلا جوارها صداه، وقول ظن أني قائله
عن عمير الرماح قال: رأيت مهنأة بنت الذيال اليشكرية، وقد أفسدت الدموع خديها، لكثرة بكائها، فقلت لها: إلى كم هذه العبرة، وشرق الحسرة؟ قالت: إلى أن يضمني ما ضم مسعود، تعني القبر، ومسعود بن عبد الله بن عوف زوجها، قتله بنو جعفر من كلاب يوم الحاصة، فقالت لناعيه: هل قال شيئًا، وهو يجود بنفسه؟ قال: نعم قال:
أترى التي خلفتها في بيتها وضممت ساعدها إلى نحري
ثبتت على العهد الذي عاهدتها أم أخلفته وأغفلت أمري
فصاحت وقالت: يا مسعود إن أغفلته فأغفلني الله من رحمته.
وقال آخر:
لله أبيات إذا أوطنتها غنى الفقير بها، وعز الجاني
قوم إذا نزل الغريب بدارهم منحوه سلوته عن الأوطان
عن ابن جريح قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى ليحب البيت الخصيب" يعني الكثير الخير.
[ ٩١ ]
حضرت جليلة بنت مرة بن ذهل بن شيبان أخت جساس بن مرة - قاتل كليب، وهي امرأة كليب بن ربيعة - مأتم زوجها كليب، فأخرجتها أخته، وقالت لها: اخرجي يا هذه عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا، وشقيقته، فلما خرجت لقيها أبوها مرة، فقال: ما وراءك يا جليلة؟ قالت: ثكل الأبد، وقلة العدد، وفقد حليل، وقتل أخ عن قليل، وبين ذين غرس الأحقاد، وتفتت الأكباد. فقال لها: أويكف ذلك كرم الصفح، وإغلاء الديات؟ فقالت: أمنية مخدوع ورب الكعبة، أبالبدن تدع لك تغلب دم ربها؟! ثم قالت جليلة في ذلك:
يا ابنة الأقوام إن شئت فلا تعجلي باللوم حتى تسألي
فإذا أنت تبينت الذي يوجب اللوم فلومي واعذلي
إن تكن أخت امرئ ليمت على شفق منها عليه فافعلي
جل عندي فعل جساس فيا حسرتا عما انجلت أو تنجلي
يا قتيلًا قوض الدهر به سقف بيتي جميعًا من عل
هدم البيت الذي استحدثته وانثنى في هدم بيتي الأول
خصني يوم كليب بلظى من ورائي، ولظى مستقبلي
ليس من يبكي ليوميه كمن إنما يبكي ليوم قد خلى
يشتفي المدرك بالثأر وفي دركي ثأري ثكل مثكلي
إنني قاتلة مقتولة فلعل الله أن يرتاح لي
عن إسماعيل بن محمد بن أبي محمد، قال: قلت لأبي العتاهية: يا أبا إسحاق. كل شعرك حسن عجيب، وقد مرت بي منذ أيام لك أبيات استحسنتها جدًا، وقال: إنها معادة من أنصاف أوائلها على أواخرها، كأنها رسالة، لو كتبها إنسان إلى صديق له كان حسنًا. فدع ما يكون من شعر، فقال: وما هي؟ فأنشدته:
المرء في مآخير مدته كالثوب يخلق بعد جدته
وحياته نفس يعد له ووفاته استكمال عدته
ومصيره من بعد أنسته بالناس، ظلمة بيت وحدته
من مات مال ذوو مودته عنه، وحالوا عن مودته
عجبًا لمحتجب يضيع ما يحتاج فيه ليوم رقدته
أزف الرحيل ونحن في لعب لا نستعد له بعدته
ولقلما تبقي الخطوب على أشر الشباب وحر وقدته
عن هشام بن عروة قال: قال ابن عمر بن الخطاب لعمر ﵄: اخطب على ابنة نعيم النحام - ﵀ - فقال: ليس بفاعل؛ إن له ابن أخ يتيم في حجره، وإنه لن يعدوه بها، فقال ابن عمر لأبيه: إيذن لي في ذلك، فأنا أكلمه، قال: فخرج حتى كلمه، فقال: يا ابن أخي والله لأبوك خير من أبيها، وأنت خير منها، ولكن لي ابن أخ يتيم في حجري قد زوجته إياها، وأصدقتها عنه من مالي عشرة آلاف درهم، ولست بالذي أنفض لحوم الناس وأترك لحمي تربًا، ثم تمثل بشعر قاله خالد بن واثلة الليثي:
ولست ببان لامرئ سمك بيته وأترك بيتي خاليًا بخمالي
جعلت بناتي في موالي قصرة وما راعني ذو سورة وجمال
رأيت الألى يأتون للنصر دعوتي موالي والأقصين غير موال