أبى الموت إلا أن كل بني أب سيمسون شتى غير مجتمعي الشمل
سأبكي أخلائي الذي تبرضوا دموعي، حتى أسرع الحزن في عقلي
كأنك لم نعش يومًا، ونحن بغبطة جميعًا، وينزل عند رحلهم رحلي
كان متمم بن نويرة لا ينفك يبكي أخاه مالكًا، فخاف قومه عليه أن يذهب بصره من البكاء، فزوجوه أم خالد، لعله يسلو، ويكف عن البكاء، فبينا هو وضاع رأسه على فخذها، إذ بكى، فقالت: لا إله إلا الله، ألا تنسى أخاك في حال؟! فقال:
أقول لها لما نهتني عن البكا
: أفي مالك تلحينني أم خالد؟!
فإن كان إخواني أصيبوا وأخطأت بني أمك أسباب الحتوف الرواصد
فكل بني أم سيمسون ليلة ولم يبق من أعيانهم غير واحد
ذريني، فإن لا أبك لم أنس ذكره وإن أمرتني بالعزاء عوائدي
ذريني، فكم من صالح قد رزئته أخ لي كصدر الهندواني ماجد
بودي لو أني تمليت عمره بمالي من مال طريف وتالد
وبالكف من يمنى يدي حياته ففارقني منها بناني وساعدي
فعشنا لنا أيد ثلاث وإنما تصافي الحياة بذلها بالتحامد
وقال متمم أيضًا:
لعمري، وما دهري بتأبين هالك ولا جزعًا، والدهر يعثر بالفتى
لئن مالك خلي على مكانه لفي أسوة إن كان ينفعني الأسى
كهول ومرد من بني عم مالك وأيسار صدق لو تمليتهم رضى
سقوا بالعقار الصرف حتى تتابعوا كدأب ثمود إذ رغا بكرهم ضحى
وهون وجي بعد ما كدت أنتحى على السيف حتى يبلغ الجوف والشحى
رجال أراهم من ملوك وسوقة خبوا بعد ما نالوا السلامة والغنى
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي لك الويل حر الوجه، وليبك من بكى
على يسر منهم يسير، وفارس إذا ارتدف الشيء الحوارك والذرى
إذا القوم قالوا من فتى؟ يوم نجدة فما كلهم يعنى، ولكنه الفتى
تقول أمامة لما رأت نشوزي عن المضجع الأنفس
وقلة نومي على مضجعي لدى هجعة الأعين النعس:
أبي ما عراك؟ فقلت: الهمو م عرون أباك، فلا تبأسي
لفقد الأحبة إذ نالها سهام من الحدث المؤيس
رمتها المنون بلا نصل ولا طائشات ولا نكس
بأسهمها المتلفات النفو متى ما تصب مهجة تخلس
فصرعنهم بنواحي البلا ملقى بأرض ولم يرمس
فذاك الذي غالني فأعلمي ولا تسأللي بامرئ مؤتس
أولئك قومي أناخت بهم نوائب من زمن متعس
قال: فرأيت دموع عبد الله بن حسن بن حسن - ﵃ - تتحدر على خده.
ويروى أن هذا الشعر لأبي سعيد مولى فايد مولى عمر بن عثمان بن عفان - رضوان الله عليه - يرثي قتلى بني أمية الذين قتلهم عبد الله وداود ابنا علي بن عبد الله بن العباس - ﵃ - وكان الرشيد لما حج أحضرأبا سعيد، وقال له: أنشدني قصيدتك:
"تقول أمامة لما رأت
فأنشده، وقال: يا أمير المؤمنين، كان القوم موالي، وأنعموا على، فرثيتهم ولم أهج أحدًا، فتركه.
وقال الأشهب بن رميلة:
إن الألى حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد
هم ساعد الدهر الذي يتقى به وما خير كف لا تنوء بساعد
أنشد النجيرمي لمنظور بن مرثد الراجز، يرثي مقاتلًا، وحبيشًا ابني جزء:
أما تريني اليوم يا أم صالح طويلًا قيامي للأسى وقعودي
فإن مصيبات أصبن مقاتلًا وأصحابه استجهلن كل جلدي
وكانوا جمالي في الحياة وعدتي وحرزي إذا ما قلت أي أسودي
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
كانت خزاعة ملء الأرض ما اتسعت فقص مر الليالي من حواشيها
هذا أبو القاسم الثاوي ببلقعة تسفي الرياح عليه من سوافيها
هبت، وقد علمت أن لا هبوب به وقد تكون حسيرًا إذ يباريها
أضحى قرى للمنايا إذ نزلن به وكان في سالف الأيام يقريها
من للخصوم إذا جد الخصام بهم بعد ابن سعد، ومن للضمر القود
وموقف قد كفيت الناطقين به في مجمع من نواصي الناس مشهود
[ ١٠٣ ]
فرجته بلسان غير ملتبس عند الحفاظ وقلب غير مزؤود
فقال الرشيد: أعد، فأعاد، فقال له: ويحك، كأن قائل هذا الشعر يصف يحيى بن خالد، وجعفر بن يحيى، وبكى حتى جرت دموعه، ووصل الزبير بصلة سنية.
وقال أبو خراش الهذلي، يرثي إخوته:
فقدت بني لبنى فلما فقدتهم صبرت، ولم أقطع عليهم أناملي
رماح من الخطي، زرق نصالها حداد أعاليها، شداد الأسافل
فلهفي على ميت بنعمان للفتى ولهفي على ميت بقوس المعاقل
حسان الوجوه طيب حجزاتهم كريم نثاهم غير لف معازل
وقال آخر:
أجدك ما تعفوا كلوم مصيبة على صاحب إلا فجعت بصاحب؟!
تقطع أحشائي إذا ما ذكرتهم وتنهل عيني بالدموع السواكب
وكن امرأ جلدًا على ما ينوبني ومعترفًا بالصبر عند النوائب
فهد أبو سفيان ركني، ولم أكن جزوعًا ولا مستنكرًا للنوائب
غنينا معًا بضعًا وخمسين حجة خليلي صفاء، ودنا غير كاذب
فأصبحت لما حالت الأرض دونه على قربه مني كمن لم أصاحب
وقال أعشى بني أسد، وهو خيثمة بن معروف، أخو الكميت بن معروف:
نام الخلي، وبت الليل مرتفقًا كما تزاور يخشى دفه النكب
إذا رجعت إلى نفسي أحدثها عمن تضمن من أصحابي القلب
ازددت وجدًا على وجد أكابده حتى تكاد بنات الصدر تلتهب
فقد علمت وإن مليت بعدهم أني سأنهل بالشرب الذي شربوا
وقال أبو العباس الأعمى، وهو السائب بن فروخ:
آمت نساء بني أمية بعدهم وبناتهم بمضيعة أيتام
نامت جدودهم وأسقط نجمهم والنجم يسقط والجدود تنام
خلت المنابر والأسرة منهم فعليهم حتى الممات سلام
وقال أيضًا:
ليت شعري من أين رائحة المس ك وما إن إخال بالخيف إنسي؟!
حين غابت بنو أمية عنها والبهاليل من بني عبد شمس
خطباء على المنابر فرسا ن، عليها، وقالة غير خرس
لا يعابون صامتين، وإن قا لوا أصابوا، ولم يقولوا بلبس
بحلوم، إذا الحلوم استخفت ووجوه مثل الدنانير ملس
عن خداش بن فراس النميري، قال: أغارت علينا بنو جشم بن بكر بظهر البشر، فأصابوا منا أخوين فارسين سيدين، يقال لأحدهما: مسعود، وللآخر حاتم، ابنا شيظم، وكانت لهما أخت سيدة برزة، يقال لها: رائطة بنت شيظم، فبكتهما، ورثتهما طويلًا، وكانت أحر ما تكون أسى وأسفًا، وأطول ما تكون حزنًا ولهفًا، إذا صاح صائحنا، وذعر سارحنا، وركب فارسنا، ولقد رأيتها على مثل تلك الحال في بعض الأيام، وساس ثائرون والأصوات متواترة، والخيل متبادرة، والصارخ هاتف، وهي تندبهما، وتقول:
لهفي على الأخوين كالأ سدين مسعود وحاتم
السيدين المانعين الذ ائدين عن المحارم
الفاتقين الراتقين السابقين إلى المكارم
الضاربين جماجم ال أبطال بالبيض الصوارم
والطاعنين بكل ما رنة وقاصمة وقاصم
حدق الفوارس بالأس نة والقلوب لدى الغلاصم
كانا يدي فشلتا بالساعدين وبالمعاصم
فبقيت كالطير المقص ض ريشه واهي القوادم
لا أستطيع، ولا أطي ق أرد عني كف ظالم
مع كل رنة مأتم لي مأتم، وعلى ماتم
فاليوم أخضع للذلي ل وللمجارب والمسالم
وقال فاطمة بنت الأجحم بن دندنة الخزاعية، ترثي أباها.
(والجحم: حمرة العين) .
قد كنت ذات حمية ما عشت لي أمشي البراح، وكنت أنت جناحي
قد كنت لي جبلًا ألوذ بظله فتركتني أمشي بأجرد ضاح
فالآن أخشع للذليل وأتقى منه، وأدفع ظالمي بالراح
وإذا دعت قمرية شجنًا لها يومًا على فننٍ دعوت صباحي
وقع الطاعون بالكوفة، فأفنى بني غاضرة، ومات فيه بنو زر بن حبيش صاحب أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه، فقال ابن ميادة يرثيهم:
أبعد بني زر وبعد ابن جندل وعمرو، أرجى لذة العيش في خفض
مضوا وبقينا نأمل العيش بعدهم ألا إن من يبقى على إثر من يمضي
وقال الخنساء بنت عمرو بن الشريد:
[ ١٠٤ ]
تعرقني الدهر نهسًا وحزًا وأوجعني الدهر قرعًا وغمزًا
وأفنى رجالي، فبادروا معًا فأصبح قلبي لهم مستفزا
وكانوا سراة بني مالك وزين المقامة فخرًا وعزا
كأن لم يكونوا حمى يتقى إذ الناس في ذاك من عز بزا
وقال البحتري يرثي المتوكل والفتح بن خاقان من قصيدة:
مضى جعفر والفتح بين مزمل وبين صبيغ بالدماء مضرج
أأطلب أنصارًا على الدهر بعدما ثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي؟!
أولئك ساداتي الذين بفضلهم حلبت أفاويق الربيع المثجج
وقال توبة بن مضرس:
وسائلة عن توبة بن مصرس وهان عليها ما أصاب به الدهر
وسائلة أخرى حفي سؤالها إذا ذكرته فاض من دمعها غزر
رأت إخوتي بعد ائتلاف تفرقوا فلم يبق إلا واحدًا منهم شفر
فلا وأبيك الخير، ما كان إخوتي معازيل أبرامًا إذا جارد القطر
أرب بهم ريب المنون كأنما على الدهر فيهم أن يفرقهم نذر
وقال أيضًا:
وقائلة لما رأت شيب لمتى لها ويلها! ما بال شعر أبي الجعد؟!
برأسي خطوب لو علمت
كثيرة
أصبت بها ظلمًا، وأطلبها وحدي
تعرى المصيبات الفتى وهو عاجز ويلعب ريب الدهر بالجازم الجلد
وإني امرؤ لا ينقض العجز مرتي إذا ما انطوى مني الفؤاد على الحقد
ولست بمختار الحياة بسبة تثنى بها حيًا على بنو سعد
وقال دريد بن الصمة، يرثي إخوته:
تقول: ألا تبكي أخاك وقد أرى مكان البكا لكن بنيت على الصبر
فقلت: أعبد الله أبكي، أم الذي على الشرف الأعلى، قتيل أبي بكر؟
وعبد يغوث أم نديمي مالكًا وعز المصاب حثو قبر على قبر
أبى القتل إلا آل صمة إنهم أبوا غيره، والقدر يجري على القدر
قال أبو الفرج الأصبهاني: ذكر عند النبي ﷺ قس بن ساعدة الإيادي، فقال رجل: يا رسول الله، لقد رأيت من قس عجبًا، فقال: وما رأيت؟ قال: بينا أنا بجبل يقال له: سمعنا، في يوم شديد الحر، إذا بقس بن ساعدة تحت ظل شجرة عند عين ماء، وعنده سباع، كلما زأر منها سبع على صاحبه ضربه بيده، وقال: كف حتى يشرب الذي ورد قبلك، قال: فرقت، فقال: لا تخف، وإذا بقبرين بينهما مسجد، فقلت: ما هذان القبران اللذان أراهما؟ قال: هما قبرا أخوين كانا لي، فماتا، فاتخذت بينهما مسجدًا أعبد الله فيه حتى ألحق بهما، ثم ذكر أيامهما، فبكى، وأنشأ يقول:
خليلي هبا، طال ما قد رقدتما أجدكما ما تقضيان كراكما؟
ألم تعلما أني بسمعان مفرد ومالي فيه من حبيب سواكما؟
أقيم على قبريكما لست بارحًا طوال الليالي أو يجيب صداكما
كأنكما، والموت أقرب غاية بجسمي في قبريكما قد أتاكما
فقال رسول الله ﷺ: "يرحم الله قسًا".
وروى أن هذا الشعر لعيسى بن قدامة الأسدي وكان له نديما، فماتا براوند فكان يجيء فيجلس بين القبرين بموضع يقال له حزاق، فيشرب، ويصب على القبرين، حتى يقضي وطره، وينصرف، وينشد وهو منصرف:
خليلي هبا طال ما قد رقدتما أجدكما ما تقضيان كراكما؟
أم تعلما مالي براوند من أخ ولا بجزاق من نديم سواكما
مقيمًا على قبريكما، لست بارحًا طوال الليالي أو يجيب صداكما
جرى النوم مجرى اللحم والدم منكما كأن الذي يسقي العقار سقاكما
تحمل من يهوى القفول، وغادروا أخًا لكما أشجاه ما قد شجاكما
فأي أخ يجفو أخًا بعد موته فلست الذي من بعد موت جفاكما
أصبت على قبريكما من مدامة فإلا تذوقاها ترو ثراكما
أناديكما كيما تجيبا وتنطقا وليس مجابًا صوته من دعاكما
أمن طول نوم لم تجيبا وتنطقا؟ خليلي ما هذا الذي قد دهاكما؟
قضيت بأني لا محالة هالك وأني سيعروني الذي قد عراكما
سأبكيكما طول الحياة وما الذي يرد على ذي لوعة إن بكاكما؟!
[ ١٠٥ ]
وذكر العتبي أن الشعر للحارث بن الحارث، أحد بني عامر بن صعصعة، وكان له نديمان: أحدهما من بني أسد، والآخر من بني حنيفة، فمات أحدهما، فكانا يشربان ويصبان على قبره، ويقول أحدهما:
لا تصرد هامة عن شربها واسقه الراح وإن كان قبر
كان حرًا فهوى فيمن هوى كل عود ذي شعوب ينكسر
ثم مات الآخر، فكان الثالث يشرب عند قبريهما، وينشد:
خليلي هبا طال ما قد رقدتما أجدكما ما تقضيان كراكما؟
الأبيات وقال أعرابي:
ألا يا دهر أفرش عن شريدي فقد أدركت مني ما تريد
[أفرش] أي كف:
ذهبت بسالم، وأبي سنان فما للرزء بعدهما مزيد
تصيب أقاربي، وتحيد عني ومن حولي التخوف والوعيد
ومن تكن المنية غيبته فسوف على تفيئته تعود
[تفيئته]: هكذا رأيتها بخط الوزير أبي القاسم بن المغربي، وكنت أظنها "بقيته".
كان محمد بن صالح بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب - رضوان الله عليهم - لما من عليه المتوكل، وأخرجه من الحبس سلمه إلى الفتح بن خاقان، وضمنه إياه ألا يفارق "سر من رأى" فكان مقيمًا بها يلتمس الرجوع إلى الحجاز، فلا يقدر، وكان مألفًا لسراة الناس، ووجوه أهل البلد، وكان كثير الأنس بسعيد بن حميد، لا يكاد يفارقه، وفي سعيد يقول محمد بن صالح:
أصاحب من صاحبت ثمت أنثني إليك
أبا عثمان
عطشان صاديا
أبى القلب لم ينقع بهم وهو حائم إليك، وإن كانوا الفروع العواليا
وإنا إذا جئناك لم نبغ مشرًا سواك، وروينا العظام البواليا
فتوفى محمد بن صالح ﵀
بسر من رأى، فجزع عليه سيعد، وقال يرثيه:
بأي يد أسطو على الدهر بعدما أبان يدي عضب الذبابين قاضب
وهاض جناحي حادث جل خطبه فسدت على الصبر الجميل المذاهب
ومن عادة الأيام أن صروفها إذا سر منها جانب ساء جانب
لعمري لقد غال التجلد أننا فقدناك فقد الغيث، والعام جادب
وما أعرف الأيام إلا ذميمة ولا الدهر إلا وهو بالثأر طالب
لعمري لئن كان الردى بك فاتني فكل امرئ يومًا إلى الله ذاهب
لقد أخذت مني النوائب حقها فما تركت حقًا على النوائب
ولا تركتني أرهب الدهر بعد لقد كل عني بابه والمخالف
سقى جدثًا أمسى الكريم ابن صالح يحل به دان من المزن ساكب
لما ظهر عبد الله بن يحيى الكندي الإباضي، الملقب بطالب الحق، واستولى على صنعاء، وكثير من بلاد اليمن، جهز أبا حمزة في جيش من الإباضية فيهم أبرهة بن الصباح، وبلج بن عقبة، فاستولى على المدينة ومكة، فجهز إليه مروان بن محمد عبد الله بن عطية، فلقيه أبو حمزة بوادي العفرة، فقتل أبا حمزة من معه، واستولى عبد الله بن عطية على عسكرهم، وحاز غنائمهم، وبلغ ذلك عبد الله بن يحيى الملقب بطالب الحق، وهو بصنعاء، فسار يريد عبد الله بن عطية وبلغ مسيره ابن عطية، فسار إليه، فالتقى العسكران فظفر به عبد الله بن عطية وقتل عبد الله بن يحيى الكندي، ومعظم جمعه، وتفرق من سلم منهم من القتل في البلاد، وبعث برأسه إلى مروان بن محمد، فقال عمرو بن الحصين العنبري يرثي عبد الله بن يحيى، وأبا حمزة، وأبرهة، وبلجا، وغيرهم ممن قتل من الإباضية:
هبت قبيل تبلج الفجر هند تقول
ودمعها يجري
إذ أبصرت عيني وأدمعها ينهل واكفها على نحري:
أنى عراك، وكنت عهدي لا سرب الدموع، وكنت ذا صبر
أقذى بعينك ما يفارقها أم عائر، أم مالها تذري؟!
أم ذكر إخوان فجعت بهم سلكوا سبيلهم على خبر
فأجبتها: من ذكر مصرعهم لا غيره، عبراتها تجري
في فتية صبروا نفوسهم للمشرفية والقنا السمر
تالله ألقى الدهر مثلهم حتى أكون رهينة القبر
أوفى بذمتهم إذا عقدوا وأعف عند العسر واليسر
متأهلون لكل صالحة ناهون من لاموا عن النكر
صمت إذا احتضروا مجالسهم أذن لقول جليسهم، وقر
[ ١٠٦ ]
متأوهون كأن جمر غضى للخوف بين ضلوعهم يسري
لم تلقهم إلا كأنهم صدروا لخوفهم عن الحشر
كم من أخ لك قد فجعت به قوام ليلته إلى الفجر
صوام وقدة كل هاجرة تراك لذته على قدر
تراك ما تهوى النفوس إذا رغب النفوس دعت إلى النزر
خواض غمرة كل متلفة في الله تحت العثير الكدر
في فتية صبر رزئتهم كانوا يدي، وهم أولو نصري
(القصيدة طويلة: اقتصرت منها على ما أثبته) .
روى أن رجلين قدما الموسم أيام الحج، فسألا رجلًا يعرف بابن أبي دباكل أن يقفهما على قبر ابن سريج، فلما وقفا حسر أحدهما عمامته فإذ هو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، فنزل فعقر ناقته، وأنشد عند قبر ابن سريج:
وقفنا على قبر بدسم فهاجنا وذكرنا بالعيش إذ هو مصحب
فجالت بأرجاء الجفون سوافح من الدمع تستتلي الذي يتعقب
إذا أبطأت عن ساحة الخد ساقها دم بعد دمع إثره يتصبب
فإن تسعدا نندب عهدًا بعبرة وقل له منا البكا والتنحب
ثم نزل صاحبه، فعقر ناقته، فقال له القرشي: خذ في صوت أبي يحيى، فاندفع يغني:
أسعداني بعبرة أسراب من دموع كثيرة التسكاب
إن أهل الحصاب قد تركوني موزعًا مولعًا بأهل الحصاب
أهل بيت تتابعوا للمنايا ما على الدهر بعدهم من عتاب
فارقوني، وقد علمت يقينًا ما لمن ذاق ميتة من إياب
كم بذاك الحجون من حي صدق وكهول أعفة، وشباب
فلي الويل بعدهم، وعليهم صرت فردًا وملني أصحابي
قال: ثم وهبا لي عشرين دينارًا، وسارا، فعدت إلى الناقتين فبعتهما ورحليهما بثلاثين دينارًا.
وقال الفرزدق يرثي بنيه:
إذا ذكرت عيني الذين هم لها قذى هيج منها للبكاء انسكابها
بنى الأرض قد كانوا بنى فعزني عليهم لآجال المنايا كتابها
ولولا الذي للأرض ما ذهبت بهم ولما يفلل بالسيوف جذابها
إذا ذكرت أسماؤهم، أودعوا بها تكاد حيازيمي تفرى صلابها
وقال شتيم بن خويلد، يرثي بني خالدة:
لا يبعد الله رب العباد وال ملح ما ولدت خالدة
هم المطعمون سديف العشا ر واللحم في الليلة الباردة
وهم يكسرون صدور الرما ح في الخيل تطرد أو طارده
يذكرني حسن آلائهم تأوه معولة فاقدة
فإن يكن الموت أفناهم فللموت ما تلد الوالدة
وإن التي بقيت بعدهم على إثر موردهم وارده
بنو خالدة الذين رثاهم شتيم بن خويلد خمسة، منهم: كردم، وهو الذي طعن دريد بن الصمة يوم قتل أخوه عبد الله، الذي يقول فيه دريد:
تنادوا، فقالا: أردت الخيل فارسًا فقلت: أعبد الله ذلكم الردى؟
فوقع دريد بين القتلى، فأقبل رجل من بني عبس، فرآه، فقال: إني لأظنه حيًا، فأهوى له ليطعنه، فقال كردم بالسيف دونه، وقال: لا يدن من قتيلي أحد، ثم إن دريدًا تحامل في الليل، ومضى إلى قومه، وبرأ، وحج كردم بعد زمان في أصحاب له، فلم يشعروا حتى هجموا على بيت دريد بن الصمة، فأقبل دريد، حتى انتهى إليهم، فسلم عليهم، ورحب بهم، وقال من القوم؟ وهو لا يعرفهم فغالطوه عن نسبهم، وكان دريد عالمًا بالنسب، فلم يزل حتى عرفهم، فلما رأى ذلك كردم كشف عن وجهه، فعرفه دريد، فسلم عليه، وحياه، وقال: مرحبًا بكم وبمن معكم، وأمر بقبة، فضربت على كردم، وبعث إليه بحلة وجزور، فقال كردم: أما الجزور فقد قبلتها، وأما الحلة فتكون عندك حتى أرجع إليك، فأقام ما أقام، ثم ارتحل، فكان آخر العهد به.
ورأيت هذه الأبيات بخط الوزير الكامل أبي القاسم الحسين بن علي بن الحسين المغربي، منسوبة إلى الحارث بن عمرو الفزاري، يرثي بني خالدة، كردم واخوته، وهم بنو سعد بن حرام، والبيت السادس من الأبيات ما أورده الوزير.
وقال آخر:
أميم، هيهات الصبي، ذهب الصبي وأطار عني الحلم جهل غرابي
أبكي الألى بالأمس كانوا جيرة أمسوا دفين جنادل وتراب
ماتوا، ولو أني قدرت بحيلة لأحدت صرف الموت عن أحبابي
[ ١٠٧ ]
ما حيلتي إلا البكاء عليهم إن البكاء سلاح كل مصاب
وقال النابغة الجعدي، يرثي أهله، من قصيدة أولها: ألم تسأل الدار الغداة متى هيا
عهدت بها حيًا كرامًا، كأنهم عظام الملوك عزة وتباهيا
لهم مجلس غلب الرقاب مرازب بدار الحفاظ أو يعدن الأعاديا
وفتيان صدق غير وخش أشابة مكاسب للمال الطريف معاطيا
الوخش: الرديء، والأشابة: الأخلاط.
غدا فتيا دهر، وراحا عليهم نهار وليل يلحقان التواليا
فلم يبق من تلك الديار وأهلها سرى الليل والأيام إلا مغانيا
مغاني من غالت شعوب فأصبحت حلولهم تبكي، وتبكي البواكيا
إذا أتيا حيًا كرامًا بغبطة أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا
وقال النابغة أيضًا:
لمن الدار كأنضاء الخلل عهدها من حقب الدهر الأول
دار قومي قبل أن يدركهم عنت الدهر، وعيش ذو خبل
إذ هم من خير حي سوقة وطيء الأرض بسهل أو جبل
لغريب قام فيهم سائلًا ولجار جنب جاء فحل
يستخفون إلى الداعي بهم وإلى الضيف إذا الضيف نزل
هزة النائل فيهم والندى وثقال عند أطراف الأسل
ولهم سيما إذا ما رئيت بينت ريبة من كان سأل
حسن أجسام وسرو ظاهر ورماح وجباب وحلل
وسوام لجب سامره طلح ذادته يوم النهل
جعلوه دون أحسابهم فوقاهم كل ذم وبخل
سألتني جارتي عن أمتي وإذا ما عي ذو اللب سأل
سألتني عن أناس هلكوا شرب الدهر عليهم وأكل
طلبوا المجد فلما أدركوا لكتاب وانتهى ذاك الأجل
وضع الدهر عليهم بركه فأراه لم يغادر غير فل
وأراني طربًا في إثرهم طرب الواله أو كالمختبل
أنشد الناس، ولا أنشدهم إنما ينشد من كان أضل
وقال النابغة [الجعدي] أيضًا:
وقالت سليمى: أرى رأسه كناصية الفرس الأشهب
وذلك من وقعات الزما ن، ففيئي إليك ولا تعجبي
أتين على إخوتي سبعة وعدن على ربعي الأقرب
الربع: الدار، أراد أهلها، وقال أبو عمرو: ربعه: فخذه من عشيرته.
وسادة رهطي حتى بقي ت فردًا كصيصية الأعضب
أصابهم القتل ثم الوفا ة، هذ الأشاءة بالمخلب
[الأشاءة]: الفسيلة -[المخلب]: المنجل.
مضوا سلفًا ثم لم يرجعوا إلينا، فيالك من موكب!
غيوثًا تنوء على المقتري ن إن يكذب الغيث لم تكذب
كرامًا لدى الضيف عند الشتا ء، والجدب في الزمن الأجدب
إذا أعزب الناس أحلامهم أراحوا الحلوم فلم تعزب
وقال أيضًا يرثي قومه:
دار حي كانت لهم زمن التو بة لا عزل، ولا أكفال
يريد [بالتوبة] الإسلام.
لا أرى مثلهم ولو قذف الأع داء فيهم هواجر الأقوال
من كهول غلب ملاويث قط ساعين قد الأسير ذي الأغلال
وهم مهرب الذليل كما يه رب من خاف في رؤوس الجبال
هاجروا يطلبون ما وعد الله فبانوا، وجارهم غير قال
فسلام الإله يغدو عليهم وفيوء الفردوس ذات الظلال
وقال أبو بلال، مرداس الخارجي، يرثي قتلى من الخوارج:
أبعد ابن وهب ذي النباهة والتقى ومن خاض في تلك الحروب المهالكا
أحب بقاء، أو أرجى سلامة وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا؟!
فيا رب سلم نيتي وبصيرتي وهب لي ألتقي حتى ألاقي أولئكا
وقال أبو الشغب العبسي:
أبعد بني الزهر الغطارفة الألى أرجى رجاء أو نوالًا من الدهر؟!
غطارفة زهر مضوا لسبيلهم ألهفي على تلك الغطارفة الزهر
لهم ذكر يعتدن قلبي، كأنما يلدغنه بين الجوانح بالجمر
يذكرنيهم كل خير رأيته وشر فما أنفك منهم على ذكر
سقى الله أجسادًا ورائي تركتها بحافة قنسرين من سبل القطر
(أظنها حاضر قنسرين):
ثووا لا يريدون الرواح وغالهم من الموت أسباب جرين على قدر
[ ١٠٨ ]
ولو يستطيعون الرواح تروحوا معي ومضوا في المصبحين على ظهر
لعمري لقد وارت قبور ضمنهم أكفًا شداد القبض للأسل السمر
وآخر عهد منك يا شغب شمة بشرج وداعًا والمطي بنا تسري
فكان وداعًا، لا تلاقي بعده وبينا إلى يوم القيامة والحشر
وقال أيمن بن خريم الأسدي:
رمى المحدثان نسوة آل حرب بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضًا ورد وجوههن البيض سودا
فإنك لو رأيت بكاء هند ورملة إذ تصكان الخدودا
بكيت بكاء معولة فقيد أصاب الدهر واحدها الفقيدا
وقال أعرابي:
ألا أيها الموت الذي ليس جانيًا أرحني، فقد أفنيت كل خليل
أراك بصيرًا بالذين أحبهم كأنك تهدي نحوهم بدليل
وقال- أم الصريح الكندية:
هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوا بحسمان من أسباب مجد تهدما
أبوا أن يفروا، والقنا في نحورهم ولم يرتقوا من خشية الموت سلما
ولو أنهم فروا لكانوا أعزة ولكن رأوا صبرًا على الموت أكرما
عن شبل بن بشير أنه خرج في سفر وخلف الطاعون في أهله، فلم يدع منهم أحدًا إلا أمة سوداء، تحولت إلى بعض الجيران، فقدم شبل فجعل يدق الباب، فسمعته الأمة، فقالت: من هذا؟ فقال: أنا رب الدار، فقالت ما بقى في الدار أحد، فجاء الناس يعزونه على ما افترط من أهله، فقال:
أتى دون حلو العيش حتى أمره نكوب على آثارهن نكوب
تتابعن في الأحباب حتى أبدنهم فلم يبق منهم في الديار عريب
إذا ذر قرن الشمس عللت بالمنى ويأوي إلي الحزن حين تغيب
ونام خلي البال عني ولم أنم كما لم ينم عاري الفناء عزيب
أضرت به الأيام حتى تركنه بطول الذي عفين وهو رقوب
وكيف بقاء المرء من بعد أهله وليس له في الغابرين حبيب؟!
وما ترك الطاعون من ذي هوادة إلينا إذا حان الإياب يئوب
وكنت أرجى أن أؤوب إليهم فغالهم من دون ذاك شعوب
مقادير لا يغفلن من حان يومه لهن على كل النفوس رقيب
سقين بكأس الموت من قد أمتنه وفي الحي من أنفاسهن ذنوب
أريد لأنسى ذكرهم فيهيجني فؤاد إلى أهل القبور طروب
فلسنا بأحيا منهم، غير أننا إلى أجل ندعى له فنجيب
وقال الرقيع بن عبيد الأسدي:
لحى الله دهرًا شره دون خيره وجدًا بصيفي نأى بعد معبد
بقية خلاني أتى الدهر دونهم فما جزعي أم كيف عنهم تجلدي؟!
فلو أنها إحدى يدي رزئتها! ولكن يدي بانت على إثرها يدي
كأني وصيفيًا أخا الصدق لم نقل لموقد نار آخر الليل
: أوقد
فلست بباك بعده إثر هالك قدي الآن من وجدي على هالك قدي
وقال الشريف الرضي - ﵁ -:
ما للهموم كأنها نار على كبدي تشب
أفراق إخوان الشبا ب غدت مطاياهم تخب؟
فارقتهم، فالعين عي ن بعدهم، والقلب قلب
ما كنت أحسب أنني جلد على الأرزاء صعب
أو أنني أبقى وظه ري بعد إخواني أجب
ما أخطأتك الحادثا ت إذا أصابت من تحب
وقال أبو رفاعة:
أصبحت من حلول قومي وحشًا رحب الجدر جلسها فالبطاح
ولقد ألفيت وفيها كهول وشباب بيض الوجوه صباح
ومهادير في الندى ولا ينف ك فيه منهم ندى وسماح
وقال البريق بن عياض الهذلي:
ألم تسل عن ليلى وقد ذهب العمر وقد أوحشت منها الموارج والحضر
[الموارج، والحضر]: مواضع
وقد هاجني منها بوعساء فروع فأجراع ذي اللهباء منزلة قفر
يظل بها داعي الهديل، كأنه على الساق نشوان تميل به الخمر
فإن تبك في رسم الديار، فإنها ديار بني زيد وهل عنهم صبر؟
وقال آخر:
ألا ليت شعري! هل يعودن ما مضى ليالي عيش الأصفياء رطيب؟
وهل عائد قبل الممات، فراجع إلى عهده دهر إلي حبيب؟!
[ ١٠٩ ]
وهل يجمعن شملي من الدهر جامع بلى، ذاك إن شاء الإله قريب
ولي كبد حرى بما قد تضمنت=عليكم وعين بالدموع سكوب روى أن عبد الله بن عمرو العبلي قال له عبد الله بن حسن بن حسن - ﵃ -: أنشدني شيئًا مما رثيت به قومك، فأنشده:
أصعد أنفاسي حنينًا إليكم كما حن مقصور اليدين نجيب
وقال حيان بن قيس:
تطاول ليلى بالغطاط إلى الغمر وبات فراشي مشعرًا جاحم الجمر
تذكرت من أضحت بحوران داره وكيف مع الأحداث أصبو إلى الذكر؟!
فإن أرهم لا أصدف الدهر عنهم سوى سفر حتى أغيب في القبر
لعمري لقد أمست إلي بغيضة نوى فرقت بيني وبين بني عمرو
إذا هبطوا الأدوات، والبحر دوننا فقل في تناء بيننا آخر الدهر
وقال كشاجم:
تخرم الدهر أشكالي فأفردني منهم، وكنت أراهم خير جلاس
وصرت آلف قومًا لا خلاق لهم والوحش يأنس عند المحل بالناس
وقالت ليلى، أخت الوليد بن طريف الشاري، تبكيه:
ذكرت الوليد، وأيامه إذ الأرض من شخصه بلقع
فأقبلت أطلبه في السماء كما يبتغي أنفه الأجدع
أضاعك قومك، فليطلبوا إفادة مثل الذي ضيعوا
لو أن السيوف الذي حدها يصيبك تعلم ما تصنع
نبت عنك، أو جعلت هيبة
وخوفًا لصولك
لا تقطع
وقالت فارعة المرية، أخت مسعود بن شداد، تبكيه:
يا من رأى بارقًا قد بت أرمقه جودًا، على الحرة السوداء والوادي
أسقي به قبر من أعني، وحب به قبرًا إلي، وغن لم يفده فاد
شهاد أندية، رفاع ألوية شداد أوهية، فتاح أسداد
نحار راغية، قتال طاغية حلال رابية، فكاك أقياد
قوال محكمة، نقاض مبرمة فراج مبهمة، حباس أوراد
حلال ممرعة، حمال مضلعة فراج مفظعة، طلاع أنجاد
أبا زرارة لا تبعد، وكل فتى يومًا رهين صفيحات وأعواد
وقال الشريف المرتضى، ﵀:
أوردتني ومضيت مبتدرًا حز المدى، ولواذع الجمر
وتركتني والدهر ذو دول
أعشى اللحاظ مقلم الظفر
أمري، فلا أصمي، وإن رميت جهتي رميت معرض النحر
وأصد عن لقيا العدو، وهل ألقى العدو، ولست من ظهري؟
وإذا مضى من كان يعضدني ويشد يوم كريهة أزري
ويرد عني كل طارقة ويخوض كل ردى إلى نصري
فالحظ لي ألا أهيج وغى حتى أكون مسالمًا دهري
لا متعة لي في الحياة فما
أحياه بعدك ليس من عمري
وقال آخر:
يا دهر قد أكثرت فجعتنا بسراتنا، ووقرت في العظم
وسلبتنا ما لست مخلفه يا دهر ما أنصفت في الحكم
لو كان لي قرن أناضله ما طاش عند حفيظة سهمي
أو كان يعطي النصف قلت له: أحرزت سهمك فاله عن سهمي
وقال أميمة بنت عبد شمس، ترثي قومها:
أبى ليلك أن يذهب ونيط الطرف بالكوكب
وهذا الصبح لا يأتي ولا يدنو ولا يقرب
لفقد عشيرة منا كرام الخيم والمنصب
أمال عليهم دهر حديد الناب والمخلب
فحل بهم وقد أمنوا فلم يقصر ولم يشطب
وما عنه إذا ما حل ل، لا منجى، ولا مهرب
ألا يا عين فابكيهم بدمع منك مستغرب
فإن أبك، فهم عزى وهم ركني، وهم منكب
وقال هلال بن الأسعر، يرثي رجلًا من قومه يقال له: المغيرة بن قنبر، كان يعوله ويفضل عليه:
ألا ليت المغيرة كان حيًا وأفنى قبله الناس الفناء
ليبك على المغيرة كل خيل إذا أفنى عرائكها اللقاء
ويبك على المغيرة كل كل فقير كان ينعشه العطاء
ويبك على المغرة كل جيش تمور لدى معاركه الدماء
فتى الفتيان، فارس كل حرب إذا شالت وقد رفع اللواء
لقد وارى جديد الأرض منه خصالًا عقد عصمتها الوفاء
وصبرًا للنوائب إن ألمت إذا ما ضاق بالحدث الفضاء
[ ١١٠ ]
هزير تنجلي الغمرات عنه نقي العرض، همته العلاء
إذا شهد الكريهة خاض فيها بحورًا، لا تكدرها الدلاء
جسورًا لا يورع منه روع ولا يثني عزيمته اتقاء
حليم في عشيرته إذا ما حبا الحلماء أطلقها المراء
حميد في عشيرته فقيد يطيب عليه في الملأ الثناء
وقال امرؤ القيس بن حجر الكندي:
تذكرت أهلي الصالحين وقد أتى على حمل منا الركاب فأعفرا
ولما بدت حوران والآل دونها نظرت، فلم تنظر بعينيك منظرا
تقطع أسباب اللبانة والهوى عشية جاوزنا حماة وشيزرا
عشية جاوزنا حماة وسيرنا أخو الجهد لا نلوي على من تعذرا
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لا حقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنما نحاول ملكًا، أو نموت فنعذرا
[هذا لفظ ما وجد في آخر الأصل] تم وكمل هذا التأليف المبارك، المسمى بالمنازل والديار، الذي هو بخط كاتبه العالم العلامة مجد الدولة الأمير أسامة، أناله الله الفوز والكرامة في دار المقامة، في جمادى الأولى لسنة ثمان وستين وخمسمائة من الهجرة المصطفوية، على مهاجرها أفضل الصلاة وأكمل التحية، وقد علقها مؤلفها لنفسه في مدينة حصن كيفا في التاريخ الأنور، حسبما بينه العلامة النحرير، المندرج إلى رحمة ربه القدير الإمام محمد أبو المعالي بن أحمد بن محمود الطالوي، الدمشقي تغمده الله برحمته، في بحبوحة جنته في أول هذا السفر الشريف عند ذكر ترجمة المؤلف رحمه الله تعالى، وأجزل عليه نعمه ووالى، ناقلًا تاريخ كتابته عن مؤلفه من آخر هذا المجلد الشريف، لكن لتقادم الأزمان ومرور الأيام والأعوام انخرم آخره، فقد نقلنا ما ذكره المرحوم الطاولي في ابتدائه إجمالًا في آخره؛ ليعلم أن هذه النسخة المباركة عمرت ليوم رقم هذه الحروف خمسمائة وإحدى وعشرين سنة، وليتحقق أن الخط يبقى زمانًا بعد كاتبه، وأنه بعد الآن أيضًا يبقى ما شاء الله تعالى.
حرره العبد الفقير محمد أنور بن الموقع، غفر الله زله، وأحسن عمله، في سنة تسع وثمانين بعد الألف من الهجرة النبوية.
[ ١١١ ]