قال إبراهيم بن أدهم - ﵁: "ما قاسيت فيما تركت من الدنيا أشد علي من مفارقة الأوطان".
قال الرياشي: أنشدني أعرابي:
سلم على قطن إن كنت تألفه سلام من كان يهوى مرة قطنا
(قطن): جبل:
أحبه والذي أرسى قواعده حبًا إذا ظهرت آياته بطنا
يا ليته لا نريم الدهر ساحته وليته
حيث سرنا غربة
معنا
ما من غريب وإن أبدى تجلده إلا سيذكر بعد الغربة الوطنا
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر:
أهيم بذكر الشرق والغرب دائمًا وما لي لا شرق البلاد ولا الغرب
ولكن أوطانًا نأت وأحبة فقدت، متى أذكر عهودهم أصب
وما أنس من ودعت بالشط سحرة وقد غرد الحادون واستعجل الركب
أليفان: هذا سائر نحو غربة=وهذا مقيم سار عن جسمه القلب وقال آخر:
لا تنهرن غريبًا طال غربته فالدهر يضربه بالذل والمحن
حسب الغريب من الدنيا ندامته=عض الأنامل من شوق إلى الوطن وقال التهامي:
[ ٥٠ ]
استودع الله في أرض الحجاز رشا في روضة القلب مأواه ومرتعه
بالله يا شوق رفقًا بالفؤاد فما أطيق أكثر مما أنت تصنعه
وأنت يا وصل عج في ربع فرقتنا=عساك تجمع شملًا عز مجمعه وسقه من حيا التقريب سارية=فإنه دائر قد مح موضعه عسى الليالي بأوطاني التي سلفت=ترجعن فيه رجوعًا لا نودعه عن ابن الكلبي قال: كان رجل من طيء يقال له: زامل بن عفير، نازلًا في أخواله من كلب في الدهر الأول، وذلك قبل حرب الفجار، فأغار عليهم منسر من بني القين، فاستخفوا إبله، فاستنصر أخواله، فأبطئوا عليه، فعمد إلى جمل سائب، فاكتفله وتوجه نحو الشام، فقيل له: أتركب الحرام؟ قال: "يركب الحرام من لا حلال له" فلما قرب من الشام مر بروضة غناء وغدران، فقيد بعيره، وأكل من نبات تلك الروضة، واضطجع، فبينا هو كذلك، إذ أقبل فارس إلى الروضة، فنزل عن فرسه، وحط سرجه، وقيد فرسه، وقعد قريبًا من مضطجع الطائي فاستيقظ الطائي بحرسه، فاستوى قاعدًا، فقال له الفارس: من الرجل؟ فانتسب له، وسأله عن شأنه، فقص عليه قصته، فقال له الفارس: يا هذا. هل عندك طعام فإني طاو منذ أمس؟ فقال له: أتطلب الطعام وهذا اللحم معرض؟ ثم وثب إلى سيفه، فعقر بعيره، ثم اجتب سنامه، وبقر عن كبده، وذلك بعين الفارس، ثم أوقد نارًا عظيمة، ثم اشتوى، وأقبل يلقى إلى الفارس، حتى انتهى، فما لبث أن ثار العجاج، فإذا الخيل مقبلة، تتوقص بفرسانها، حتى انتهوا إلى الفارس فحيوه بتحية الملك، فركب، وقال: دونكم الرجل، فأردفه بعضهم حتى أتى دار ملكه، فإذا هو الحارث الأكبر الغساني، فأمر بعض غلمانه بإنزال الطائي، وخاف زامل أن يكون قد نسيه الملك، فقال للغلام: هل لك أن توليني عارفة، وتبلغ الملك ما أقول؟ قال: أفعل، فأنشده:
أبلغ الحارث المردد في المج د وفي المكرمات جدًا فجد
وابن أرباب واطئ السب ب الأرحب والمالكين غورًا ونجدا
إنني ناظر إليك ودوني عائقات غادرن قربي بعدا
إن أكن نازلًا بمثوى كريم ناعم البال في مراح ومغدى
غير أن الأوطان يجتذب المر ء إليها الهوى وإن عاش كدا
وتأنى بالشآم مفيدي حسرات يقددن قلبي قدا
ليس يستعذب الغريب مقامًا في سوى أرضه وإن نال جدا
فتسبب الغلام إلى أن أنشد الملك الأبيات، فقال الملك: وا سوأتاه، كرم ولؤمنا، إيذن له يا غلام، فلما دخل قال: والله لا يرحض عارها عني إلا عطاؤها حتى ترضى، ثم أمر له بجائزة سنية، وقال له: يا زامل. إن الأوطان جواذب، كما ذكرت، فهل لك في المقام في جملتنا يفيء عليك ظلنا، وتسيل عليك صلتنا؟ فقال: أيها الملك. ما كنت لأوثر وطني عليك، ثم أقام بالشام في جواره.
وقال ابن الرومي:
ولي وطن آليت ألا أبيعه وألا أرى غيري له الدهر مالكا
فقد ألفته النفس حتى كأنه لها جسد إن بان غودرت هالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الرجال هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبى فيها فحنوا لذلكا
وقال الشريف الرضي - ﵁ -:
لا يذكر الرمل إلا حن مغترب له بذي الرمل أوطار وأوطان
يهفو إلى البان من قلبي نوازعه وما بي البان، بل من دارهالبان
أسد سمعي إذا غنى الحمام بها كيلا يبين سر الوجد إعلان
ورب دار أوليها مجانبة ولي إلى الدار أطراب وأشجان
إذا تلفت في أطلالها ابتدرت للقلب والعين أمواه ونيران
قيل لبعض الحكماء: ما اللذة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان، ومحادثة الإخوان، وقيل: فما الذلة؟ قال: النزوح عن الأوطان، والتنقل في البلدان.
وقال أبو العرب مصعب بن محمد بن الفرات:
أهم ولى عزمان: عزم مشرق وآخر يغري همتي بالمغارب
ولا بد لي أن أسأل العيس حاجة تشق على أخفافها والغوارب
علي لآمالي اضطراب مؤمل ولكن على الأقدار نجح المطالب
فيا نفس لا تستصحبي الهون إنه وإن خدعت أسبابه
شر صاحب
ويا وطني إن بنت عني فإنني سأوطن أكوار العتاق النجائب
إذا كان أصلي من تراب فكلها بلادي، وكل العالمين أقاربي
[ ٥١ ]
وقال آخر:
يا بعيد الدار من وطنه مفردًا يبكي على سكنه
كلما جد النجاء به جدت الأسقام في بدنه
ولقد زاد الفؤاد شجي صوت قمري على فننه
شفه ما شفني فبكى كل من يبكي على شجنه
وقال آخر:
لابد للمشتاق من ذكر الوطن واليأس والسلوة من بعد الحزن
وقال عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن:
أما آن للطيف أن يأتيا وأن يطرق الوطن الدانيا؟
وإني لأحسب ريب الزما ن يتركني جسدًا باليا
سأنشر ذكرك لا ناسيا جميل الصفاء ولا قاليا
وقد كنت أنشره ضاحكًا فقد صرت أنشره باكيا
وقال الشريف المرتضى - ﵁ -:
هل لليالي بالمنقى رجوع مثلما كن لي ونحن جميع
زمن راعني تذكره الثا وي وإن كان ماضيًا لا يريع
وطن طاب جوه وثراه فكأن المصيف فيه ربيع
حيث لا تهتدي الخطوب لا يخ فق من خشية الحوادث روع
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
وماء بلادي كان أنجع مشربًا ولو أن ماء الكرخ صهباء جريال
فيا وطني إن فاتني بك سابق من الدهر، فلينعم لساكنك البال
وإن استطع في الحشر آتك زائرًا وهيهات، لي يوم القيامة أشغال
وقال المتنبي:
بما التعلل؟ لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كأس ولا سكن
أريد من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغه في نفسه الزمن
لا تلق دهرك إلا غير مكترث ما دام يصحب فيه روحك البدن
فما يدوم سرور ما سررت به ولا يرد عليك الفائت الحزن
عن رجل من أهل خراسان قال: رأيت علي بن الجهم بعد أن أطلق من محبسه جالسًا في المقابر، فقلت: ما يجلسك هنا؟ فقال:
يشتاق كل غريب عند غربته ويذكر الأهل والجيران والسكنا
وليس لي وطن أمسيت أذكره إلا المقابر إذ كانت لهم وطنا
قلت: لي أبيات تنظر إلى هذا المعنى، وهي:
أشتاق أهلي وأوطاني وقد ملكت دوني وأفنى الردى أهلي وأحبابي
فأستريح إلى رؤيا القبور، ففي أمثالها حل إخواني وأترابي
ولست أحيا حياة استلذ بها من بعدهم ولحاق القوم أولى بي
وقال أبو بكر، المعروف بابن اللبانة، في نكبة آل عباد أرباب الأندلس - وكان تغلب عليهم يوسف بن تاشفين، وملك بلادهم، وكانوا محسنين إلى أجل العلم وإلى هذا الشاعر، وله فيهم أشعار كثيرة يبكيهم ويتأسف على أيامهم:
بكى آل عباد ولا كمحمد بأبياته صوب السحاب إذا همى
حبيب إلى قلبي حبيب لقوله: "عسى وطن يدنو بهم، ولعلما"
يقول في هذا الشعر:
قصور خلت من ساكنيها فما بها سوى الأدم تمشى حول واقفة الدمى
يجيب بها البوم الصدى، ولطالما أجاب القيان الطائر المترنما
كأن لم يكن فيها أنيس ولا التقى=بها الوفد جمعا والخميس عرمرما مصاب هوى بالنيرات من العلى=ولم يبق في أرض المكارم معلما
حكيت وقد فارقت ملكك مالكًا ومن ولهى أحكى عليك متمما
بكيتك حتى لم يخل لي الأسى دموعًا بها أبكى عليك ولا دما
وإني على رسمي مقيم، فإن أمت سأترك للباكين رسمي موسما
وقال رجل من تميم:
حنت قلوصي في عدان إلى نجد ولم ينسها أوطانها قدم العهد
إذا شئت لاقيت القلوص ولا أرى لقومي أشباهًا فيألفهم ودى
وقال آخر:
حن إلى أوطانهم معشر لهم غرام ولي اثنان
إذا تشكوا شجنًا واحدًا تكاثرت ععدة أشجاني
وقال آخر (البستي):
لئن سلمني الله وبالحفظ تولاني
وأعطاني أعطاني وأوطاني أوطاني
وأخلى ذرعي الآ ن، وخلاني خلاني
فلا عدت إلى الغر بة ماكر الجديدان
فإن عدت لها يومًا فسجاني سجاني
[ ٥٢ ]
قال الجهم بن المغيرة: كنا عند حيوس بن ثمال القرمطي بضرية، فمرت بنا جارية صفراء مولدة، فقال لي حيوس: استفتح كلامها فإنها ظريفة، فقلت: يا جارية أين نشأت؟ فقالت: بقرقري، قلت: فأين شعبعب؟ فضحكت، ثم قالت: بين الحوض والعطن، قلت: فمن الذي يقول:
يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما عوجا على صدور الأبغل السنن
ثم ارفعا الصوت ننظر صبح خامسة بقرقري، ما عناء النفس بالوطن
هل أجعلن يدي للخد مرفقة على شعبعب بين الحوض والعطن؟!
فالتفتت إلى حيوس، فقالت: خبره بقائلها، فقال: ما أعرفه، فقالت: بلى هذا يقوله شاعرنا وظريف بلادنا وغزلها، قال: ويحك: ومن ذاك؟ فقالت: أشهد إن كنت لا تعرفه وأنت من أهل الوادي إنها لسوأة، ذاك يحيى بن طالب الحنفي، وأقسم بالله ما منعك من معرفته إلا غلظ الطبع، وجفاء الخلق، فجعل حيوس يضحك من قولها.
ويحيى بن طالب الحنفي من أهل اليمامة، وكان أديبًا كريمًا، فابتاع من عامل السلطان غلة ضيعة مما تحت يده يريد بها الربح، فأصاب الناس باليمامة قحط ومسغبة، ففرق يحيى تلك الغلة وأطعمهم إياها، وآن محل الوفاء، ولم يكن له شيء، فهرب إلى الري، وبها توفي.
وقد روى عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: غنيت بين يدي الرشيد:
ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة إلى قرقري قبل الممات سبيل؟!
فأشرب من ماء الحجيلاء شربة يداوى بها قبل الممات عليل
فيا أثلات القاع من بطن توضح حنيني إلى إظلالكن طويل
ويا أثلات القاع قلبي موكل بكن وجدوى نيلكن قليل
ويا أثلات القاع قدمل صحبتي مقامي، فهل في ظلكن مقيل
أحدث عنك النفس أن لست راجعًا إليك فهمي في الفؤاد دخيل
أريد رجوعًا نحوكم فيصدني إذا رمته
دين على ثقيل
فطرب الرشيد، وسأل عن قائل هذا الشعر: من هو؟ فقلت: هو يحيى بن طالب الحنفي، شاعر من أهل اليمامة، وإنه لحي، وهرب إلى الري من دين غلبه، وقد ذكر ذلك في شعره هذا، فقال:
أريد رجوعًا نحوكم فيصدني إذا رمته
دين على ثقيل
فأمر الرشيد أن يكتب إلى عامل الري بقضاء دينه، وإعطائه نفقة، وإنفاذه على البريد، فوصل الكتاب إلى الري يوم مات يحيى بن طالبن وقيل: مات قبل وصوله بشهر.
وقلت:
أين السلو من المروع بالنوى أبدًا، فلا وطن ولا خلان
عيد البرية موسم لعويله وسرورهم فيه له أحزان
وإذا رأى الشمل الجميع تزاحمت في قلبه الأمواه والنيران
قال أبو الفرج الوأ واء:
ها قد تبدلت أوطانًا بأوطان عمدًا، وفارقت إخوانًا لإخوان
فليبلغ الشوق بي أقصى مراتبه إلى بدور على قضبان كثبان
وكتب إلي القاضي المهذب أبو محمد حسن بن علي بن الزبير قصيدة أنفذها من أسوان، وانا بمصر، منها:
أأحبابنا مالي إذا ما ذكرتكم وما أنا ناس
غال صبري غول؟
وإن شام برق الشام طرفي وشمرت على البعد عنه للظلام ذيول
تدارك قلبي أن يطير صبابة بنان كأنبوب اليراع نحيل
وخيل لي أن السيوف بجوه سللن، وأني بينهن قتيل
لئن أقفرت منا الديار ومنكم وأمست مغانيهن وهي طلول
فإن لنا في آل منقذ أسوة يهون لديها الخطب وهو جليل
نبت بهم أوطانهم فترحلوا وللمجد في ذاك الرحيل رحيل
بلاد بها من عزهم وعطائهم وعور لمن ينتباها وسهول
وللدهر من أيمانهم ووجدوههم بها غرر ما تنقضي وحجول
خلت، فالربيع الغض محل لفقدهم بها والصباح المستنير أصيل
وساروا على رغم العدا، ودليلهم ثناء لهم في الخافقين جميل
وما كنت أدرى قبل أن يترحلوا بأن الجبال الراسيات تزول
أذلوا خطوب الدهر قهرًا فبينهم قديمًا وبين الحادثات ذحول
وقال أبو بكر بن اللبانة:
قد طال بي أقطع البيداء منفردًا وليس يسفر عن وجه المنى سفر
كأنما الأرض عني غير راضية فليس لي وطن فيها ولا وطر
قلت: لي أبيات تشابه هذا المعنى، وهي:
[ ٥٣ ]
وقد أفردتني الحادثات فليس لي أنيس، ولا في طارق الخطب أعوان
كأني من غير التراب نبت بي الب لاد، فما لي في البسيطة أوطان
أجول، كما جالت قذاة بمقلة وأسرى، وسارى النجم في الأفق حيران
إذا قلت: هذا حين ألقى عصا السرى دعاني إلى الترحال ظلم وعدوان
وقال أبو الفتيان بن حيوس:
وللحمية لا عن زلة حكمت بالبعد فارقت إخوانًا وأوطانا
تخيفني بلدة حتى أميل إلى=أخرى، كأني عمران بن حطانا قلت: ربما وقف على هذين البيتين من يتطلع إلى معنى قول أبي الفتيان: "كأني عمران بن حطان" فرأيت أن اذكر شيئًا من أخباره، وإن لم يقتض التأليف ذلك.
عن الهيثم بن عدي قال: طلب الحجاج عمران بن حطان السدوسي، وكان من الخوارج، وكتب فيه إلى عماله، وإلى عبد الملك بن مروان، فهرب، فلم يزل يتنقل في أحياء العرب، وقال في ذلك:
حللنا في بني كعب بن عمرو وفي عك وعامر عوثبان
وفي جرم، وفي عمرو بن مر وفي زيد، وحي بن العدان
ثم لحق بالشام، فنزل بروح بن زنباع الجذامي، فقال له روح: من أنت؟ فقال: من الأزد أزد السراة، وكان روح يسمر عند عبد الملك بن مروان، فقال لعبد الملك: إن في أضيافنا رجلًا ما سمعت منك حديثًا إلا حدثني به، وزادني ما لم يكن عندي، فقال: ممن هو؟ قال: من الأزد، قال: إني لأسمعك تصف عمران بن حطان، أسمعك تصف وتذكر لغة نزارية، قال روح: وما أنا وعمران بن حطان، ثم أنشد عبد الملك:
يا ضربة من تقى ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
قاتل علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فراح روح فأخبر عبد الملك، فقال: من أخبرك؟ قال: ضيفي، قال: أظنه والله عمران بن حطان، فأعلمه أني قد أمرتك أن تأتيني به، فقال: أفعل، فراح روح إلى أضيافه، فأقبل على عمران، فقال له: إني ذكرتك لعبد الملك، فأمرني أن آتيه بك، فقال: قد كنت أحب ذاك، وما منعني من ذكره إلى الحياء، وأنا متبعك، فدخل روح على عبد الملك، فقال له: أين صاحبنك؟ قال: قال لي: أنا متبعك فانطلق، فقال عبد الملك: أظنك والله سترجع فلا تجده، فلما رجع روح إلى منزله، فإذا عمران قد مضى، وإذا هو قد خلف رقعة في كوة عند رأسه، وإذا فيها:
يا روح كم من أخي مثوى نزلت به قد ظن ظنك من لخم وغسان
حتى إذا خفته زايلت منزله من بعد ما قيل: عمران بن حطان
قد كنت ضيفك حولًا لا يروعني فيه طوارق من إنس ومن جان
حتى أردت بي العظمى فأوحشني ما أوحش الناس من خوف ابن مروان
فاعذر أخاك ابن زنباع فإن له في الحادثات هنات ذات ألوان
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن وإن لقيت معديًا فعدناني
لو كنت مستغفرًا يومًا لطاغية كنت المقدم في سري وإعلاني
لكن أبت لي آيات مطهرة عند التلاوة من طه وعمران
قال: ثم أتى عمران بن حطان الجزيرة، فنزل بزفر بن الحارث الكلابي بقرقيسيا فجعل شباب بني عامر يتعجبون من طول صلاته، وانتسب لزفر أوزاعيًا، فقدم على زفر رجل من أهل الشام، وكان قد رأى عمران بن حطان عند روح بن زنباع، فصافحه وسلم عليه، فقال: زفر للرجل الشامي: أتعرفه؟ قال: نعم، هذا الشيخ من الأزد، فقال زفر: أزدي مرة، وأوزاعي مرة؟ إن كنت خائفًا أمناك، وإن كنت عائلًا أغنيناك، فقال: إن الله هو المغني، وخرج من عنده وهو يقول:
إن التي أصبحت يعيا بها زفر أعيا عياها على روح بن زنباع
أمسى يسائلني حولًا لأخبره والناس من بين مخدوع وخداع
حتى إذا انجذمت مني حبائله كف السؤال، ولم يولع بإهلاعي
فاكفف كما كف روح إنني رجل إما صويح وإما فقعة القاع
أما الصلاة فإني غير تاركها كل امرئ بالذي يعنى له ساع
فاكفف شبابك عن هزلي ومسألتي ماذا تريد إلى شيخ لأوزاع؟!
أكرم بروح بن زنباع وأسرته قوم دعا أوليهم للعلى داع
جاورتهم زمنا فيما دعوت به عرضي صحيح ونومي غير تهجاع
فاعمل فإنك منعي بحادثة حسب اللبيب بهذا الشيب من ناع
[ ٥٤ ]
ثم خرج فنزل بعمان بقوم يكثرون ذكر أبي بلال، ويبكون عليه، ويذكرون مقتله فأظهر أمره عندهم، فبلغ الحجاج مكانه، فطلبه، فهرب، فنزل فيروذستان "طسوجًا من طساسيج السواد، إلى جانب الكوفة" فلم يزل به حتى مات، وفي ذلك يقول:
نزلت بحمد الله في خير أسرة أسر بما فيهم من الخير والخفر
نزلت بقوم يجمع الله شملهم وليس لهم عود سوى المجد يعتصر
من الأزد، إن الأزد أكرم أسرة يمانية تربو إذا انتسب البشر
فأصبحت فيهم آمنًا، لا كمعشر أتوني فقالوا: من ربيعة أو مضر؟!
أو الحي قحطان، فتلكم سفاهة كما قال لي روح وصاحبه زفر
وما فيهم إلا يسر بنسبة تقربني منه، وإن كان ذا نفر
فنحن بنو الإسلام والله واحد وأولي عباد الله بالله من شكر
هذا الذي أشار إليه أبو الفتيان بن حيوس.
قلت - وقد نزلت بصور في دار ابن أبي عقيل، وكتبتها على بعض الرخام -:
دار سكنت بها كرهًا وما سكنت نفسي إلى سكن فيها ولا شجن
والقبر أرفق لي منها وأجمل بي إن صدني الدهر عن عود إلى وطني