روى عن يزيد بن الأصم أن الأنصار - ﵃ - قالوا: "يا رسول الله اقسم بيننا وبين إخواننا من المهاجرين - ﵃ - الأرض نصفين: قال ﷺ: لا، ولكنكم تكفونهم المئونة، وتقاسمونهم الثمرة، والأرض أرضكم، قالوا: رضينا، فأنزل الله ﷿: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) .
وقوله ﵎: (لهم دار السلام عند ربهم) هي الجنة، وفي تسميتها دار السلام وجهان: أحدهما: لأنها دار السلامة الدائمة من كل آفة.
والثاني: السلام هو الله سبحانه، والجنة داره.
وفي قوله تعالى: عند ربهم وجهان: أحدهما: يعني أن دار السلام عند ربهم في الآخرة؛ لأنها أخص به.
والثاني: معناه أن لهم عند ربهم أن ينزلهم دار السلام.
وكذلك جاء في قوله تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام) .
وقوله ﷿: (ولدار الآخرة خير، ولنعم دار المتقين) قيل فيه: إن الآخرة خير من الدنيا؛ لفناء الدنيا وبقاء الآخرة.
(ولنعم دار المتقين) قال الحسن - ﵁ -: نعم دار المتقين الدنيا، لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة، ودخول الجنة.
وقوله ﵎: إخبارًا عن قارون: (فخسفنا به وبداره الأرض) قال ابن عباس - ﵁ -: شكا موسى - ﵇ - إلى الله - ﷿ - قارون، فأمر الله تعالى الأرض أن تطيع موسى، فلما أقبل قارون وشيعته، قال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعقابهم، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى أوساطهم، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، ثم قال خذيهم، فخسف بهم، وبدار قارون وكنوزه.
وروى يزيد الرقاشي - ﵀ - أن قارون لما أخذته الأرض إلى عنقه أخذ موسى - ﵇ - نعليه، فخفق بهما وجهه، فقال قارون: يا موسى ارحمني، فقال الله تعالى: يا موسى ما أشد قلبك! دعاك عبدي واسترحمك فلم ترحمه، وعزتي لو دعاني لأجبته.
وروى سمرة بن جندب أنه يخسف بقارون وقومه في كل يوم قدر قامة، لا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة.
وقال مقاتل: لما أمر موسى ﵇ الأرض فابتلعت قارون، قال بنو إسرائيل: إنما أهلكه ليرث ماله؛ لأنه كان ابن عم موسى أخي أبيه، فخسف الله تعالى بداره وجميع أمواله بعد ثلاثة أيام.
[ ٦٢ ]
وقوله ﷿: (الذي أحلنا دار المقامة من فضله) أي دار الإقامة، وهي الجنة، وفي الفرق بين المقامة بالضم والفتح وجهان: أحدهما: أنها بالضم: دار الإقامة، وبالفتح: موضع الإقامة.
الثاني: أنها بالضم: المجلس الذي يجتمع فيه للطعام، وبالفتح المجلس الذي يجتمع فيه للحديث.
وقوله تعالى: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم) هم الأنصار ﵃ الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها، قيل: إنهم تبوءوا الدار من قبلهم، والإيمان من بعدهم، وقيل: تبوءوا الدار والإيمان من قبل الهجرة إليهم. (يحبون من هاجر إليهم) بمواساتهم بأموالهم ومساكنهم.
(ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) أي حسدًا مما خصوا به من مال الفيء.
(ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) يعني أنهم يفضلونهم ويقدمونهم على أنفسهم ولو كانت بهم فاقة وحاجة، وفي إيثارهم قولان: أحدهما: أنهم آثروهم على أنفسهم بما حصل من فيء وغنيمة حتى قسمت في المهاجرين دونهم، وروى أن النبي ﷺ قسم للمهاجرين ما أفاء الله تعالى من النضير - وقيل من قريظة - من أموالهم، فقالت الأنصار - ﵃ -: بل نقسم لهم من أموالنا، ونوثرهم بالفيء، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.
القول الثاني: أنهم آثروا المهاجرين - ﵃ - بأموالهم، وواسوهم بها، روى بن زيد أن النبي ﷺ قال للأنصار: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد، وخرجوا إليكم، فقالوا: أموالنا بينهم قطائع، فقال ﷺ: أو غير ذلك؟ فقالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم التمر؟ يعمي مما صار لهم من نخل بني النضير، فقالوا: نعم يا رسول الله.
(ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) قيل: الشح بما في أيدي الناس يحب أن يكون له، وقيل: منع الزكاة، وقيل: هوى النفس، وقيل: اكتساب الحرام.
روى الأسود عن ابن مسعود - ﵁ - أن رجلًا أتاه، فقالك إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله - ﷿ - يقول: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) وأنا رجل شحيح، لا أكاد أخرج من يدي شيئًا، فقال ابن مسعود - ﵀ - ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، إنما الشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل.
وعن النبي ﷺ: "يا عجبًا كل العجب من المصدق بدار الخلود وهو يعمل لدار الغرور".
عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم جمعة، فقال: "أيها الناس توبوا قبل أن تموتوا، زبادروا الأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا، أيها الناس: إن أكيسكم أكثركم للموت ذكرًا، وأحزمكم أكثركم له استعدادًا، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور".
أنشد علي بن محمد بن ثابت الكاتب:
الدار دار مرازي ومصائب وفجيعة بأحبة وحبائب
ما ينقضي نهل بفرقة صاحب حتى أعل بفرقة من صاحب
وإذا مضى الآلاف عنك لطية والمؤنسون، فأنت أول ذاهب
[ ٦٣ ]
خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - بالكوفة، فقال - في كلام له -: "سبحانك خالقًا معبودًا، تحسن بلاءك في خلقك، خلقت دارًا، وجعلت مأدبة ومطعمًا ومشربًا وأزواجًا وقصورًا وخدمًا وعيونًا وأنهارًا، ثم أرسلت داعيًا إلينا، فلا الداعي أجبنا، ولا فيما رغبتنا رغبنا، أقبلنا على جيفة نأكل منها، قد زاد بعضنا على بعض حرصًا عليها، وافتضحنا لما اصطلحنا على حبها، عميت أبصار صالحينا وفقهائنا فيها ولها، من في قلبه مرض فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، وقد ملكت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه، وذهلت عليها نفسه، فهو عبدها، وعبد من في يديه منها شيء، حيثما زالت زال معها، وحيثما أقبلت أقبل إليها، ولا يعقل ولا يسمع، ولا يزدجر من الله بزاجر، ولا يتعظ من الله بواعظ، قد رأى المأخوذين على الغرة، حيث لا إقالة ولا رجعة، كيف فاجأتهم تلك الأمور، ونزل بهم ما كانوا يوعدون، وفارقوا الدور، وصاروا إلى القبور، ولقوا دواهي تلك الأمور، فإذا نزلت بقلوبهم حسرات أنفسهم اجتمعت عليهم خصلتان: حسرة الفوت، وسكرة الموت تفطرت لها قلوبهم، وتغيرت ألوانهم، وتردد فواقهم، وحركوا لمخرج أرواحهم أيديهم وأرجلهم، فعرقت لذلك جباههم، ثم ازداد الموت فيهم، فحيل بين أحدهم ومنطقه، وإنه لبين ظهراني قومه، ففكر بعقل بقي له فيم فني عمره؟ وفيم ذهبت أيامه؟ عن الأصمعي - ﵀ - قال: حججت فنزلت ضرية في يوم الجمعة، فإذا أعرابي قد كور عمامته، وتنكب قوسه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه ﷺ، ثم قال: أيها الناس. إن الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فخذوا من دار ممركم لدار مقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، فإنه لن يستقبل أحد يومًا من عمره إلا بفراق آخر من أجله، وإن أمس موعظة، واليوم غنيمة، وغدًا لا يدري من أهله، فاستصلحوا ما تقدمون عليه، وأفنوا ما لا ترجعون إليه، وأخرجوا من الدنيا بقلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها خقتم، وإلى غيرها ندبتم، وإنه لا قوى أقوى من الخالق، ولا ضعيف أضعف من مخلوق، ولا هرب من الله إلا إليه، وكيف يهرب من يتقلب في يدي طالبه؟! (كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فار، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) .
عن عيسى بن مريم صلى الله عليه، أنه قال: (من ذا الذي يبني على موج البحر دارًا؟ تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا) .
وعن وهب بن منبه - ﵀ - قال: قال عيسى بن مريم صلى الله عليه: يا دار تخربين، ويفنى ساكنك، ويا نفس اعملي ترزقي، ويا جسد انصب تسترح.
قال رجل للحسن البصري - ﵁ - يا أبا سعيد: إذا جعت ضعفت، وإذا شبعت وقع على البهر، فقال: يا ابن أخي هذه الدار ليست توافقك، فاطلب دارًا غيرها.
عن صالح المري - ﵀ - قال: لما غضب المنصور على المورياني، وخرب داره، دخلت إليها يومًا أطوف فيها، وأعتبر، فإذا أسود قد خرج علي من بعض الحجر، فقال لي: هذا سخط المخلوق، فكيف بسخط الخالق على المخلوق؟ وعن الحسن البصري - ﵁ - أنه قال: الدنيا دار عمل، فمن صحبها بالبغض لها، والزهادة فيها، والتهضم لها، سعد بها، ونفعته صحبتها، ومن صحبها بالرغبة فيها، والمحبة لها، شقي بها، وأجحفت بحظه من الله تعالى، ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه من عذاب الله وسخطه، فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله ولي ميراثها، وأهلها يتحولون إلى منازل لا تبلى، ولا يغيرها طول الزمن، ولا العمر فيها يفنى فيموتون، ولا إن طال الثواء فيها يخرجون، فاحذروا - ولا قوة إلا بالله - ذلك الموطن، وأكثروا ذكر ذلك المنقلب.
نظر ابن مطيع إلى داره، فأعجبه حسنها، ثم بكى، ثم قال: والله لولا الموت لكنت بك مسرورًا، ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا، ثم بكى حتى ارتفع صوته.
روى الخطيب أبو بكر ﵀ في تاريخه بإسناده، قال: قال يعقوب بن شيبة: رأيت على باب دار خراب:
ربت دار بعد عمرانها أضحت خرابًا ما بها آهل
لم تدخل البهجة دار امرئ إلا وما يهدمها داخل
ما يأمن الدنيا وأيامها بعدي إلا أنوك جاهل
[ ٦٤ ]
أما ترى العيش بها زائلًا؟ تبًا لدنيا عيشها زائل
والشعر لسعيد بن حميد الكاتب.
قال أبو زيد الرقي: قال أبو محمد الفضيل بن عياض - ﵁ يا أبا يزيد اشتريت دارًا؟ قلت: نعم، قال: وأشهدت شهودًا؟ قلت: نعم، قال: فإنه والله يأتيك من لا ينظر في كتابك، ولا يسأل عن بينتك، فيخرجك منها عريانًا مجردًا فانظر ألا تكون اشتريت هذا الدار من غير مالك، ووزنت فيها مالًا من غير حله، فإذا أنت قد خسرت الدنيا والآخرة.
عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: في خطبة أحد العيدين: "الدنيا دار بلاء، ومنزل قلعة وعناء، وقد نزعت عنها نفوس السعداء، وانتزعت بالكره من أيدي الأشقياء، فأسعد الناس بها أرغبهم عنها، وأشقاهم بها أرغبهم فيها، هي الغاشة لمن انتصحها، والمغوية لمن أطاعها، والخاترة لمن انقاد لها، فالفائز من أعرض عنها، والهالك من هو راغب فيها، وطوبى لعبد اتقى فيها ربه، وناصح نفسه، وقدم توبته، وأخر شهوته من قبل أن تلفظه الدنيا إلى الآخرة، فيصبح في بطن موشحة غبراء، مدلهمة ظلماء، لا يستطيع أن يزيد في حسنة، ولا ينقص من سيئة، ثم ينشر فيحشر، إما إلى جنة يدوم نعيمها، وإما إلى نار لا ينفد عذابها".
وعن ابن عمر - ﵁ - أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته: "يا أيها الناس: إن هذه الدار دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح، لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، ألا وإن الله ﷿ خلق الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببًا، وثواب الآخرة من يلوي الدنيا عوضًا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، إنها لسريعة الذهاب، وشيكة الانقلاب، فاحذروا حلاوة رضاعها، لمرارة فطامها، وانحزوا لذيذ عاجلها لكريه آجلها، ولا تسعوا في عمران دار قد قضى الله خرابها، ولا تواصلوها وقد أراد الله منكم اجتنابها، فتكونوا لسخطه متعرضين، ولعقوبته مستوجبين".
وقال الشاعر:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة إذا اخضر منها جانب جف جانب
فكم سخنت بالأمس عين قريرة وقرت عيون دمعها أمس ساكب
هي الدار ما الآمال إلا فجائع عليها وما اللذات إلا مصائب
وقال ابن المعتز:
يا دار يا دار أطرابي وأشجاني أبلى جديد مغانيك الجديدان
لئن تعطلت من لهوي ومن سكني لقد تأهلت من بثي وأشجاني
جادتك رائحة في إثر غادية تروي ثرى منك أمسى غير ريان
حتى أرى النور في مغناك مبتسمًا كأنه حدق في غير أجفان
وقال محمود الوراق:
فما أهل الحياة لنا بأهل ولا دار الحياة لنا بدار
وما أولادنا والأهل فيها ولا أموالنا إلا عواري
وأنفسنا إلى أجل قريب سيأخذها المعير من المعار
عن محمد بن الحسن بن عبيد الله الكوفي - ﵀ - قال: كتب إلي داوود الفارسي - ﵀، وكان عالمًا ناسكًا - بهذه الألفاظ: يا أخي الدنيا دار زلل وزوال، وتغير حال بعد حال، ثم كتب آخر كتابه هذه الأبيات:
أفرطت في العيش وتأميله وللمنايا شيم نكد
وإنما عيش الفتى ساعة لا قبلها منها ولا بعد
ما أوسع الدنيا على أهلها لو لم يكن آخرها اللحد
وقال سابق البربري:
وللموت تغذو الوالدات سخالها كما لخراب الدور تبنى المساكن
عجبت من الدنيا وذمي نعيمها وحبي لها في مضمر القلب باطن
وقولي: أعذني رب من كل فتنة وأكلف منها بالذي هو فاتن
وقال البحتري:
أرسوم دار أم سطور كتاب درست بشاشتها مع الأحقاب؟
يجتاز زائرها بغير لبانة ويرد سائلها بغير جواب
ولربما كان الزمان محببًا فينا بمن فيها من الأحباب
وقال الكميت:
مالي في الدار بعد ساكنها وإن تذكرت أهلها أرب
لا الدار ردت جواب سائلها ولا بكت أهلها إذ اغتربوا
وقال عدي بن الرقاع العاملي:
لمن الدار كأنضاء الكتاب هاجت الشوق وعيت بالجواب
لم تزدك الدار إلا طربًا والصبي غير شبيه بالتصابي
[ ٦٥ ]
وبما قد كان فيها ساكن أهل أنعام وخيل وقباب
وقال أبو داوود الإيادي (واسمه جارية بن الحجاج):
وقد عرفت الدار قفرًا لم تحل بين أجياد خفاف فالرحل
ظعن الحي الألى كانوا بها وعفا رسم وأضحى كالخلل
هيج الشوق الذي كان صحا حبسك اليوم على ذاك الطلل
وقال جرير بن عطية:
أدار الجميع الصالحين بذي السدر أبيني لنا إن التحية عن عفر
لقد طرفت في الدار عيني دمنة تعاورها الأزمان بالريح والقطر
فقلت لأدنى صاحبي وإنني لأكتم وجدًا في الجوانح كالجمر
بعمركما لا تعجلاني موقفًا على الدار فيه القتل أو راحة الدهر
وقال أيضًا:
ألا حي رهبي ثم حي المطالي فقد كان مأنوسًا فأصبح خاليا
فلا عهد إلا أن تذكر أو ترى ثمامًا حوالي نصب الخيم باليا
فيا ليت أن الحي لم يتفرقوا وأمسوا جميعًا جيرة متدانيا
فقد خفت ألا تجمع الدار بيننا ولا الدهر إلا أن نجد الأمانيا
وقال أبو حية النميري:
يا دار غيرها التقادم والبلى بين السليل ومأمي أكباد
لا زلت في خفض عليك تهافتت ديم عليك طويلة الإرعاد
وأنار واديك الربيع، فربما نغني به ونراه أبهج واد
وأرى به الأنس الذين تحبهم عيني، ويألف من تحب فؤادي
وقال حفص الأموي:
يا دار أقوت من بعد حاضرها لم يبق فيها سوى أواصرها
ألقت عليها الرياح أردية تنشرها من كسى أعاصرها
حييت من دمنة بما خلفت عين عطوف على جآذرها
يا ربما راقني بساحتها طيب هواها، ولهو سامرها
أيام لا خوف من شتات نوى تخشى، ولا روع من تطايرها
كنا بها حقبة فأزعجنا خطب نفى الخفض عن مجاورها
شتت بين الخليط فارتحلوا عنها وأبدى خراب عامرها
فالدار لو زرتها رأيت بها آيًا تهيج الأسى لزائرها
تلك المغاني فإن مررت بها يومًا فسلم على دواثرها
وانظر إليها؛ ألم تصر دمنًا تهفو السوافي على دعاثرها؟!
قال ابن المعتز:
وسكان دار لا تواصل بينهم على قرب بعض في التجاور من بعض
كأن خواتيمًا من الطين فوقهم فليس لها حتى القيامة من فض
وقال أبو العتاهية:
ألا يا نفس ما أرجو بدار أرى من حلها قلق القرار؟
بدار إنما الشهوات فيها معلقة بأيام قصار
نرى الأموال أربابًا علينا وما هي بيننا إلا عواري
ونذكر أن ندب لها وننسى دبيب الليل فينا والنهار
وقال آخر: (هذه الأبيات من قصيدة تنسب إلى أكثم بن صيفي):
أيسأل رسم الدار، والدار قلبه وأنى لها ما قد حواه من الوجد؟
ويسخط أفعال السحاب بتربها إذا معهد منها تغير من عهد؟
وما متعة الأحباب إلا تعلة تلم لتشتيت وتقرب عن بعد
روى أن قومًا تشاجروا بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - في أشعر الناس، فقال عمر: سأرسل إلى سيد الناس فأسأله، فقال الناس: قد تشاجرنا في سيد الشعراء فنريد الآن أن ننظر إلى سيد الناس، فأرسل إلى عبد الله بن العباس - رضوان الله عليهما - فجاءه، فقال له: يا أبا العباس أنشدنا ما تستحسن من الشعر، فقال: سأنشدكم لسيد الشعراء، فأنشدهم لزهير بن أبي سلمى:
هل في تذكر أيام الصبى فند أم هل لما فات من أيامه ردد؟
أم هل يلامن باك هاج عبرته بالحجر إذ شفه الوجد الذي يجد؟
أوفى على شرف نشز فأزعجه قلب إلى آل سلمى تائق كمد
متى أرى دار حي عهدنا بهم حيث التقى الغور من نعمان والنجد؟
لهم هوى من هوانا ما يقربنا ماتت على قربه الأحشاء والكبد
إني لما استودعتني يوم ذي عذم راع إذا طال بالمستودع الأمد
إن تمس دارهم منا مباعدة فما الأحبة إلا هم وإن بعدوا
وقال جميل بن معمر:
على الدار التي لبست بلاها قفا يا صاحبي فسائلاها
وما يبكيك من عرصات دار تقادم عهدها وبدا بلاها؟!
[ ٦٦ ]
عن محمد بن يزداد، قال: دخلت على المأمون يومًا فرأيته وبيده رقعة، فقال لي: يا محمد، قرأت ما فيها؟ قلت: هي في يد أمير المؤمنين، فرمى بها إلي، فإذا فيها مكتوب:
إنك في دار لها مدة يقبل فيها عمل العامل
أما ترى الموت محيطًا بنا يقطع فيها أمل الآمل
تعجل الذنب لما تشتهي وتأمل التوبة من قابل
والموت يأتي بعد ذا بغتة ماذا بفعل الحازم العاقل
قلما قرأتها قال لي المأمون: هذا من أحكم شعر قرأته وقال المساور بن هند بن قيس بن زهير العبسي:
ودار حفاظ قد حللتم مهانة بها نبيكم، والضيف غير مهان
إذا سئلوا ما ليس بالحق فيهم أبى كل مجني عليه وجان
وقال ريطة بنت عاصم:
وقفت فأبكنني بدار عشيرتي على رزئهن الباكيات الحواسر
غدوا كسيوف الهند وراد حومة من الموت أعيا وردهن المصادر
فوارس حاموا عن حريمي وحافظوا بدار المنايا، والقنا متشاجر
ولو أن سلمى نالها مثل رزئنا لهدت، ولكن تحمل الرزء عامر
وقال البحتري:
يا دار لازالت رباك مجردة من كل سارية تعل وتنهل
أذكرتنا دول الزمان وصرفه وأريتنا كيف الخطوب النزل
أصبابة برسوم رامة بعدما عرفت معارفها الصبا والشمأل
وسألت من لا يستجيب فكنت في استخ باره كمجيب من لا يسأل
وقال البحتري أيضًا:
هب الدار ردت رجع ما أنا قائله وأبدى الجواب الربع عما تسائله
أفي ذاك برء من جوى ألهب الحشى توقده، واستغزر الدمع جائله
هو الدمع موقوفًا على كل دمنة نعرج فيها أو خليط نزايله
ترادفهم خفض الزمان ولينه وجادهم طل الربيع ووابله
وقال آخر:
يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها إلا الظباء، وإلا الناشط الفرد
أين الذين إذا ما زرتهم جذلوا فطار عن قلبي التشواق والكمد؟
وقال آخر:
لمن الدار أقفرت بمعان بين شط اليرموك فالصمان
فالقريات من بلاس فداريا فسكًا إلى الرسوم الدواني
فقفا جاسم، فأودية الصف ر مغى قبائل وهجان
ذاك مغنى لآل جفنة في الده ر وحقًا تصرف الأزمان
نكلت أمهم وقد ثكلتهم
يوم حلوا بحارث الجولان
وقال آخر:
عجبًا لي ولاغتراري بدار لست أبقى لها ولا تبقى لي
ما تصافي قوم على غير ذات الله إلا تفرقوا عن تقالي
وقال آخر:
يا مشيد الحصن يبغي نفعه قلما تغني من الموت الحصون
تطلب التخليد في دار الفنا خاب من يطلب شيئًا لا يكون
سائل الأيام عن أملاكها أي در قطعت عنها اللبون
كم بها من راكض أيامه وله من ركضها يوم حرون
وقال آخر:
نعمر الدنيا وما الدن يا لنا دار إقامه
إنما الغبطة والحس رة في يوم القيامة
روى أن فاطمة بنت الحسن - رضوان الله عليه - نظرت إلى دار زوجها الحسن بن الحسين - ﵄ - فغطت وجهها وقالت:
وكانوا رجاء ثم صاروا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
ثم ضربت على قربه فسطاطًا أقامت فيه سنة، فلما استكملتها أمرت بالفسطاط فقلع، ودخلت المدينة، فسمعت قائلًا يقول - من جانب البقيع -: هل وجدوا ما فقدوا؟ وقائلًا من الجانب الآخر يقول: بل يئسوا فانقلبوا.
قال وهب بن منبه - ﵀ -: نحن بنو آدم من نسل الجنة، سبانا إبليس إلى الدنيا بخطية أبينا، فليس لنا إلا البكاء حتى نعود إلى الدار التي سبانا منها.
روى أن عبد الله بن عبيد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود - ﵀ - باع درًا بثمانين ألف درهم، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرًا فقال: أنا أجعل هذا المال ذخرًا لي عند الله تعالى، وأجعل الله سبحانه ذخرًا لولدي، ثم تصدق بالمال.
كتب رجل إلى صالح بن عبد القدوس:
الموت باب وكل الناس داخله فليست شعري بعد الباب ما الدار؟
فكتب إليه صالح:
الدار جنة عدن إن عملت بما يرضي الإله وإن فرطت فالنار
[ ٦٧ ]
هما محلان ما للناس غيرهما فانظر لنفسك ماذا أنت مختار
وقال آخر:
درج الليل والنهار على فه م بن عمرو فأصبحوا كالصريم
وخلت دارهم فأضحت يبابًا بعد عز وثروة ونعيم
وكذاك الزمان يذهب بالناس، وتبقى ديارهم كالرسوم
وقال أبو العتاهية:
ما رأيت العيش يصفو لأحد دون كد وعناء ونكد
نحن في دار فناء وبلى تنقل الناس إلى دار الأبد
كن لما قدمته مغتنمًا لا تؤخر عمل اليوم لغد
وقال أبو تمام:
ما إن هذا موقف الجازع أقوى، وسؤر الزمن الفاجع
دار سقاها بعد سكانها صرف النوى من سمه الناقع
فلا تلومن ذا الهوى إنها ليست ببدع حنة النازع
وقال أيضًا:
قرى دارهم مني الدموع السوافك وإن عاد صبحي بعدهم وهو حالك
سقت ربعهم، لا، بل سقت منتواهم من الأرض أخلاف السحاب الحواشك
وألبسهم عصب الربيع ووشيه ويمنته نبت الندى المتلاحك
وقال أبو نواس:
يا دار ما فعلت بك الأيام لم تبق فيك بشاشة تستام
عرم الزمان على الذين عهدتهم بك قاطنين وللزمان عرام
أيام لا أغشى لأهلك منزلًا إلا مراقبة، على ظلام
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم وأسمت سرح اللهو حيث أساموا
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه فإذا غضارة كل ذاك أثام
وقال الشيخ أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
هل تسمع القول دار غير ناطقة وفقدها السمع مقرون إلى الخرس؟!
لأنسينك إن طال الزمان بنا كم من حبيب تمادى عهده فنسى؟!
وقال النابغة الجعدي، وهو قيس بن عبد الله:
وهاجت لك الأحزان دار كأنها بذي بقر أو بالعنابة مذهب
أواري خيل قد عفت ومنازل أراح بها حي كرام وأعزبوا
تحمل منها أهلها فتفرقوا فريقين منهم مصعد ومصوب
وقال الربيع بن أبي الحقيق:
دور عفت بقرى الخابور غيرها بعد الأنيس سوا في الريح والمطر
إن تمس دارك ممن كان يسكنها وحشًا فذلك صرف الدهر والقدر
وقد تحل بها بيض ترائبها كأنها بين كثبان النقا البقر
وقال ابن المولى، وهو محمد بن عبد الله بن مسلم بن المولى، مولى الأنصار - ﵃ - من بني عمرو بن عوف:
سلا دار ليلى هل تبين فتنطق وكيف ترد القول بيداء سملق؟
وأنى يرد القول دار كأنها لطول بلاها والتقادم مهرق
فلا تجزعن للبين، كل جماعة وجدك مكتوب عليها التفرق
وخذ بالتعزي؛ كل ما أنت لابس جديدًا على الأيام يبلى ويخلق
فصبر الفتى عما تولى ففاته من الأمر أولى بالسداد وأوفق
وإنك بالإشفاق لا تدفع الردى ولا الخير مجلوب فما لك تشفق
كأن لم يرعك الدهر، أو أنت آمن لأحداثه فيما يغادي ويطرق
وقال خليلي والبكالي غالب
:
أقاض على هذا الأسى والتشوق؟
وقد طال توقا في أكفكف عبرة على دمنة كادت بها النفس تزهق
وإنسان عيني في دوائر لجة من الماء يبدو تارة ثم يغرق
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
الزم ذراك إذا لقيت خصاصة فالليث يستر حاله الإخدار
هذي الجسوم من التراب كوائن والمرء لولا أن يحس جدار
ويقول: داري من يقول، وأعبدي مه، فالعبيد لربنا والدار
أتروم من زمن وفاء مرضيًا؟ إن الزمان كأهله غدار
يقفون والفلك المسخر دائر ويقدرون فيضحك المقدار
[ ٦٨ ]
مر رجل من مراد بأويس القرني - ﵀ - فقال: كيف أصبحت يا أويس؟ قال: أصحبت أحمد الله - قال: كيف الزمان عليك؟ قال: يا أخا مراد. إن الموت وذكره لم يدع في الأرض لمومن فرحًا، وإن علمه بكتاب الله لن يدع في ماله فضة ولا ذهبًا، وإن قيامه بالحق لم يدع له صديقًا، قال: حدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ قال: يا أخا مراد ما شهدت رسول ﷺ فأحدثك عنه، ولكن افعلوا كما قال لكم رسول الله ﷺ، حاسبوا نفوسكم قبل أن تحاسبوا، فهو أيسر لحسابكم غدًا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن، فهو أثقل لوزنكم، ولا تخربوا دوركم من الآخرة بعمران دوركم في الدنيا؛ فإن الله ﵎ جعل الدنيا قنطرة للآخرة فاعبروها".
وقال مهيار:
يا دار ليس اليوم عهدك أمس لي ظهرت مفارقة وبان خلاف
وتغيرت فيك الصباعن خلقها وليانها، فنسيمها إعصاف
وقال آخر:
لن يقنع النفس إذ كانت مصرفة إلا التنقل من حال إلى حال
لأظعنن إلى دار خلقت لها وخير زادي فيها خير أعمالي
وقال آخر:
انصرف الناس إلى دورهم وغودر الميت في رمسه
مرتهن النفس بأعماله لا يرتجى الإطلاق من حبسه
لنفسه صالح أعماله وما سواه فعلى نفسه
وقال أبو نواس:
طوى الموت ما بيني وبين محمد وليس لما تطوى المنية ناشر
وكنت عليه أحذر الموت وحده فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
لئن عمرت دور بمن لا أحبه لقد عمرت ممن أحب المقابر
وقال المرتضى - ﵁ -:
قالوا نراك بلا سقم، فقلت لهم: السقم في القلب ليس السقم في البدن
يا عاذلي خل عن قلب تملكه من قبل عذلك طول الهم والحزن
لا يعرف الدار إلا قام يندبها ولا يسائلها إلا عن السكن
عن الأصمعي قال: دخلت على الرشيد وهو يقرأ كتابًا ودموعه تتحدر، فلما أبصرني قال: أرأيت ما كان مني؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: أما إنه لو كان لأمر الدنيا ما رأيت هذا، ورمى بالقرطاس، فإذا فيه شعر لأبي العتاهية:
هل أنت معتبر بمن خربت منه غداة مضى دساكره
وبمن أذل الدهر مصرعه وتبرأت منه عساكره
وبمن خلت منه أسرته وبمن خلت منه منابره
أين الملوك؟ وأين عزهم؟ صاروا مصيرًا أنت صائره
يا مؤثر الدنيا للذته والمستعد لمن يفاخره
نل ما بدا لك أن تنال من الد نيا فإن الموت آخره
فقال الرشيد: والله لكأني أخاطب بهذا دون سائر الناس، فلم يلبث بعد ذلك إلا قليلًا حتى مات.
وقال الشاعر:
إلى متى أنا في حل وترحال وهم عيش بإدبار وإقبال
ونازح الدار لا أنفك مغتربًا ناء عن الأهل لا يدرون ما حالي
بمشرق الأرض طورًا ثم مغربها لا يخطر الموت من همي على بال
ولو قعدت أتاني الرزق في دعة إن القنوع الغنى لا كثرة المال
عن الأصمعي - ﵀ - قال: جاءني رسول الرشيد - ﵁ - ليلة، وقد ذهب من الليل شطر، فقال: أجب أمير المؤمنين، ففزعت من ذلك، وقلت: حدث أمر يكره، فمضيت معه، فإذا هو قاعد في أقصى مجلسه، وبين يديه دواة وقرطاس، وهو يبكي، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال: وعليك السلام يا ابن قريب، اجلس، فجلست، فقال: أبكاني هذا البيت وأسهر ليلتي، فقلت: لا أبكى الله عينك يا أمير المؤمنين، وأي بيت هو؟ قال: بيت ابن ذي سلم عند موته:
لم تحتقب غير أثواب يمزقها ريب الزمان وطول العهد والقدم
[ ٦٩ ]
فقلت: والله يا أمير المؤمنين لقد صدق، وهذه سبيل الناس جميعًا، فطوبى للمتقين، فقال: ويحك يا أصمعي ذهب. جلساء الخير، ومجالس الفضل، أين من كان إذا جالسهم المسرفون على أنفسهم وعظتهم صورته، وذكرتهم هيئته، وبلغت بهم كل المبالغ مقالته؟! فقلت: يا أمير المؤمنين. لقد أسعد الله دولتك بجماعة من أهل الفضل، ثم قلت: إن أمرت أن أحدثك بحديث وعشر قرئ على بعض القبور، فقال: هاته، فقلت: حدثني من أثق به قال: غزونا في البحر، فمالت بنا السفينة إلى جزيرة، فإذا نحن بقصر شاهق، وإلى جانبه قبر، وعلى القصر بابان، وبين القصر والقبر فسيل نخل لم أر شيئًا أحسن منه، فإذا على القصر مكتوب:
يؤمل دنيا لتبقى له فمات المؤمل قبل الأمل
وبات يروي أصول الفس يل فعاش الفسيل ومات الرجل
وعلى وجه القصر مكتوب:
وفتى كأن جبينه بدر الدجى قامت عليه نوائح وروامس
غرس الفسيل مؤملًا لبقائه فحيا الفسيل ومات عنه الفارس
وعلى أحد بابي القصر مكتوب:
تلك المدائن في الآفاق خاوية أمست خلاء وذاق الموت بانيها
وعلى الباب الآخر مكتوب:
أين القرون التي عن حظها غفلت حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
قال الرجل: فبقيت متعجبًا أنظر إلى الشعر والقصر، والفسيل والقبر، ثم تمثلت:
ناد رب الدار والحصن الذي جمع الدنيا بحرص ما فعل؟!
كان في دار سواها داره عللته بالمنى، ثم انتقل
قال: فلم يزل الرشيد يبكي ويصرخ حتى أصبح، فلما أصبح أمر أن يخرج مال جليل فيتصدق به على الفقراء والمساكين، وأن يدفع إلي منه عشرة آلاف درهم.
وقال أبو العتاهية:
هي الدار، دار الأذى والقذى ودار الفناء، ودار الغير
فلو نلتها بحذافيرها لمت ولم تقض منها الوطر
وقال الراضي يزيد بن محمد بن عباد، من ملوك الأندلس:
هي الدار غادرة بالرجال وقاطعة لحبال الوصال
نفجع فيها بغير اللذي ذ ونشرق منها بغير الزلال
ونزداد مع ذاك عشقًا لها ألا إنما سعينا في ضلال
لمعشوقة ودها لا يدو م، وعاشقها أبدًا غير سال
وقال الأحوص:
هل هيجتك مغاني الحي والدور فاشتقت إن البعيد الدار معذور
وقد يحل بها إذ عيشنا أنق بيض أوانس أمثال الدمى حور
وقال مهيار:
سائل الدار إن سألت خبيرا واستجر بالدموع تدع مجيرا
أفهمتني على نحول رباها فكأني قرأت منها سطورا
يقال: شحطت الدار، إذا بعدت، ونزحت، وشسعت.
ودار شطون، وبين شطون، وإلية شطون: فيه عوج.
ودار غربة قذف، أي بعيدة.
ويقال: أسقبت الدار، إذا قربت وأسعفت.
والولي - بتخفيف اللام -: القرب.
قال ساعدة بن جوية:
هجرت جنوب وحب من يتجنب وعدت عواد دون وليك تشعب
والكثب: القرب، يقال: رماه من كثب، أي من قرب.
قال يحيى بن معاذ - ﵁ -: الدنيا دار خراب، وأخرب منها قلب من يشتهي عمارتها، والآخرة دار عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها.
وقال مهيار:
ما أنت بعد البين من أوطاني دار الهوى، والدار بالجيران
كنت المنى من قبل طارقة النوى والشمل شملي والزمان زماني
ولئن خلوت فليس أول حادث خلت الكناس له من الغزلان
طرب الحمام بطبعهن وإنما اس تملين فيك النوح من أحزاني