قلت: هذا الفصل كان موضعه صدر الكتاب؛ إذ كانت المنازل والديار إنما تبكي لسكانها من الأهل والإخوان والأحباب، لكني أخرته؛ لأختم به الكتاب.
روى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - أنه كان كثيرًا ما يتمثل بهذا الشعر:
ألا قد أرى والله أن لست منكم ولا أنتم مني، وإن كنتم أهلي
وإني ثوى قد أحم انطلاقه يحييه من حياه وهو على رجل
ومنطلق منكم بغير صحابة وتابع إخواني الذين مضوا قبلي
ألم أك قد صاحبت عمرًا ومالكًا وأدهم يغدو في فوارس أو رجل؟!
وصاحبت شيبانًا وصاحبت ضابئًا وصاحبني الشم الطوال بنو شبل
أولئك إخواني مضوا لسبيلهم يكاد ينسيني تذكرهم عقلي
يقول أناس أخلياء: تناسهم وليس بناس مثلهم أبدًا مثلي
أولاك أخلائي إذا ما ذكرتهم بكيت بعين ماء عبرتها كحلي
وكانوا إذا ما القر هبت رياحه وضم سواد الليل رحلًا إلى رحل
يدرون بالسيف الوريدين والنسا إذا لم يقم راعي أناس إلى رسل
إذا ما لقوا أقرانهم قتلوهم وإن قتلوا لم يقشعروا من القتل
فكم من أسير قد فككتم قيوده وسجل دم أهرقتموه على سجل
وقال يزيد بن ضبة بن مقسم:
لم ينس سلمى فؤادك السدك وكيف تصبو وأنت محتنك؟
لو كان ما واحدًا هواك لقد أقصرت، لكن هواك مشترك
تقول سلمى واستنكرت
: عجبًا
ما بال أشياء منك تنتهك
فقلت: من ترحة، ومن أسف أبناء عوف ومالك هلكوا
خلوا فجاجًا علي فانخرقت لم يستطع سدهن من تركوا
وقال وعيل العبسي:
ألم ترني بعد الذين تتابعوا وكانوا الألى أعطي بهم وأمانع
كذي وقرات كدن يكسرن عظمه ولن تلبث العظم الصحيح القوارع
فإني وتأميلي الحياة، وقد مضوا كمحتبس عن مطلع، وهو طالع
وقال مقاس بن شريك بن عمرو، حليف لبني شيبان:
بكيت شريكًا في الغوار، وأسودا وذو العلق حتى ما بعيني من بلل
رجالًا له ربعية المجد لم يخف مجاورهم ريب الحوادث والزلل
وكنا بهم نرعى الجميع، ونأكل الر بيع، ونكفي حامل الغرم ما حمل
وقال ابن المعتز:
لله أقوام فقدتهم سكنوا بطون الأرض والحفرا
وقال نهار بن توسعة، يرثي أخاه عتبان:
عتبان قد كنت امرأ لي جانب حتى رزئتك، والجدود تضعضع
قد كنت أشوس في المقادة سادرًا فنظرت قصدي واستقام الأخدع
وفقدت إخواني الذين بعيشهم قد كنت أعطي ما أشاء وأمنع
فلمن أقول، إذا تلم ملمة أرني برأيك، أو إلى من أفزع؟!
وقال البراء بن ربعي:
أبعد بني أمي الذين تتابعوا أرجى حياة، أو من الموت أجزع؟!
ثمانية كانوا ذؤابة قومهم بهم كنت أعطي ما أشاء وأمنع
وكانوا كنبل المرتمى في كنانة فأضحت وما فهيا من النبل أهزع
وقال أبو كبير الهذلي:
ولرب من طأطأته في حفرة من كل مقتبل الشباب محبر
ثم انثنيت، فلا أبثك خيبتي رعش القيام أميس ميس الأصور
وقال آخر:
أصبحت بعد مضرس ومغلس غرضًا بصردحة لمن راماني
فلأرمينهم برغم أنوفهم
أبدًا على عدم من الفتيان
أنشد أبو زيد عن المفضل:
أخ لا أخا لي غيره، غير أنني كراعي الخيال يستطيف بلا فكر
فإن حرامًا أن أرى الدهر باكيًا على إلفه إلا بكيت على عمرو
وقال هذيلة بن سماعة بن أشول:
وعاذلة باتت بليل تلومني فبت كأن الهم قرن أجاذبه
ذكرت بني سهل وبيني وبينهم شراج الحمى أركانه ومناكبه
أجدى لن ألقى زيادًا، ولا أرى قنانًا يقود الخيل شعثًا ذوائبه
ولا مثل فتيان تولوا بمنعجٍ عجالي إذا ما الخوف أوضع راكبه
رجالًا لو أن الصم من جانبي قنا هوت مثلهم منه لزلت جوانبه
[ ٩٧ ]
وقال الفرزدق، همام بن غالب، يرثي همام بن ناشرة، أحد بني عامر:
وقفت فأبكتني بدار عشيرتي على رزئهن الباكيات الحواسر
غدوا كسيوف الهند وراد حومة من الموت أعيا وردهن المصادر
محامين حاموا عن حريم، وحافظا بدار المنايا، والقنا متشاجر
كأنهم تحت الخوافق إذ غدوا إلى الموت أسد الغابتين الهواصر
ولو أن سلمى نالها مثل رزئنا لهدت، ولكن تحمل الرزء عامر
عن الشعبي قال: كنت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - رضوان الله عليهما - فأنشدته قول حارثة بن بدر الغداني:
وكان لنا نبع تقينا فروعه فقد بلغت إلا قليلًا عروقها
وشيب رأسي واستخف حلومنا رعود المنايا حولنا وبروقها
وإنا لتستحلي المنايا نفوسنا وتترك أخرى مرة ما تذوقها
رأيت المنايا باديات وعودًا إلى دارنا، سهلًا إلينا طريقها
وقد قسمت نفسي فريقين: منهما فريق مع الموتى، وعندي فريقها
فقال لي ابن جعفر - ﵄: نحن كنا أحق بهذا الشعر، وجاءه غلام بدراهم في منديل، فقال: هذه غلة أرضك بمكان كذا وكذا، فقال: ألقها في حجر الشعبي، فرمى بها إلي وقال أبو دواد الإيادي:
لا أعد الإقتار عدمًا ولكن فقد من قد رزئته الإعدام
من رجال من الأقارب فادوا من خذام، هم الرؤوس العظام
[فادوا] يريد ماتوا [خذام]: قبيلة.
من رجال أبوهم وأبو عمرو وكع ب بيض الوجوه وسام
وشباب كأنهم أسد غيل حالفت فرط حدها الأحلام
(حالفت إلخ) يريد خالط حدتهم حلم.
وكهول بني لهم أولوهم مأثرات يهابها الأقوام
فيهم للملاينين أناة وعرام إذا يراد العرام
وسماح لدى السنين إذا ما قحط القر، واستقل الغمام
(استقل): ارتفع
سلط الموت والمنون عليهم فلهم في صدى المقابر هام
وكذاكم يصير كل أناس سوف
حقًا
تبليهم الأيام
فعلى إثرهم تساقط نفسي حسرات، وذكرهم لي سقام
وقال الشريف الرضي - ﵁ -:
بني أبي، قد رمى فيكم بشكته ونال ما شاء هذا الأزلم الجذع
كنتم نجومًا لدى الدهناء زاهرة تضيء منها الدياجي السود والدرع
إن تخب أنواركم من بعد ما صدعت ثوب الدجى، فلضوء الصبح منقطع
أرسى النسيم بناديكم، ولا برحت حوامل المزن في أجداثكم تضع
وقال زبان بن منظور بن سيار:
لئن فجعت بالقرناء يومًا لقد متعت بالأمل البعيد
وما تجد المنية فوق نفسي ولا نفس الأحبة من مزيد
ألسنا أنفسًا، وبني نفوس ولسنا بالسلام ولا الحديد
قال الأصمعي: أنشدني المذحجي لأم معدان الأنصارية:
لا يبعد الله فتيانًا رزئتهم بانوا لوقت مناياهم فقد بعدوا
أضحت قبورهم شتى، وتجمعهم زو المنون، ولم يجمعهم بلد
الزو: الهلاك واختلاف المنية
ميت بمصر، وميت بالعراق ومي ت بالحجاز، منايا بينهم بدد
رعوا من المجد أكنافًا إلى أجل حتى إذا بلغت أظماؤهم وردوا
كانت لهم همم فرقن بينهم إذا القعاديد عن أمثالها قعدوا
فعل الجميل، وتفريج الجليل وإعطاء الجزيل إذا لم يعطه أحد
قلت: لي أبيات تشبه معنى هذه الأبيات، وهي شرح حال صحيحة، لا على مذاهب الشعراء وذلك أنني مر بي قول رسول الله ﷺ: "من زار قبر أبويه، أو أحدهما في كل جمعة غفر له، وكتب برًا" فآسفني ما حرمته من زيارتهما، وشتات شملنا أحياء وأمواتًا، فقلت:
نافستني صروف دهري في الفو ز ببر الآباء في الرجم
لو كنت أسطيع أن أزورهما مشيًا على الرأس لا على القدم
لكن بمصر قبر، وفي شي زر قبر وداري بمنتأى العجم
والظلم في الأرض ما نعي كل ل ما أبغيه حتى زيارة الرمم
وما ظننت الذي لقيت من الد نيا تراه عيناي في الحلم
وقال آخر:
[ ٩٨ ]
وكانوا بني كن
كثرًا فأصبحوا
بني الأرض، قد وارتهم غير واحد
وقد خط للباقي المخلف أنه لما وردوا من حومة الموت وارد
وقال أبو ذؤيب الهذلي، واسمه خويلد بن خالد، وهلك له بنون خمسة في عام واحد أصابهم الطاعون، وكانوا توجهوا إلى مصر:
أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع؟!
قالت أميمة: ما لجسمك شاحبًا منذ ابتدلت ومثل مالك ينفع
أم مالجنبك لا يلائم مضجعًا إلا أقض عليك ذاك المضجع
فأجبتها أن مالجسمي أنه أودى بني من البلاد فودعوا
أودى بني وأعقبوني حسرة بعد الرقاد، وعبرة ما تقلع
سبقوا هوى، وأعنقوا لهواهم ففقدتهم، ولكل جنب مصرع
ولبثت بعدهم بعيش ناصب وإخال أني لاحق مستتبع
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم وإذا المنية أقبلت لا تدفع
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
فالعين بعدهم كأن حداقها كحلت بشوك فهي عور تدمع
حتى كأني للحوادث مروة بصفا المشقر كل يوم تقرع
وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع
وقال أبو ذؤيب أيضًا:
فإنك حقًا
أي نظرة ناظر
نظرت، و"وقف" دونها و"قبر"
ديار التي قالت غداة لقيتها
:
صبوت أبا ذيب وأنت كبير
تغيرت بعدي أو أصابك حادث من الدهر، أم مرت عليك مرور
فقلت لها: فقد الأحبة، إنني حديث بأرزاء الكرام جدير
فراق كنغض السن، فالصبر، إنه لكل أناس عثرة وجبور
"نغض السن: تحريكها، قال الله تعالى (فسينغضون إليك رؤوسهم) أي يحركونها، ويروي "كقيض السن" وقيضها: انشقاقها.
فأصبحت أمشي في ديار كأنها خلاف ديار الكاهلية
عور
"يقال: خلف أعور، إذا كان فاسدًا، يقول: هذا الدار خلف أعور من هاتيك"
أنادي إذا أوفى من الدهر مربئًا لأي سميع، لو أجاب بصير
وقال إبراهيم بن هرمة:
تفانوا، ولم يبقوا، وكل قبيلة سريع إلى ورد الفناء كرامها
وكيف وقد صاروا عظامًا وأقبرًا يصيح صداها بالعشي وهامها؟!
وقال أبو العيص بن حزام:
وكم من صاحب قد ناء عني رميت بفقده وهو الحبيب
فلم أبد الذي تخفى ضلوعي عليه وإنني لأنا الكئيب
مخافة أن يراني مستكينًا عدو، أو يساء به قريب
فيشمت كاشح، ويظن أني جزوع عند نائبة تنوب
فبعدك مدت الأعداء طرفًا إلى ورابني دهر مريب
وأنكرت الزمان، وكل أهلي وهرتني لغيبتك الكليب
وكنت تقطع الأبصار دوني وإن وغرت من الغيظ القلوب
ويمنعني من الأعداء أني وإن رغموا
لمخشى مهيب
فلم أر مثل يومك كان يومًا بدت فيه النجوم، فما تغيب
وليل ما أنام به، طويل كأني للنجوم به رقيب
وما يك جائيًا لا بد منه إليك فسوف تجلبه الجلوب
وقال كتير بن عبد الله، وهو ابن الغريرة، وهي أمه:
ألا من لشوق آخر الليل شائق وقلب كمكسور الجناحين خافق
وصب حزين كلما جن ليله تذكر ذكرى من حبيب مفارق
فلا تعذليني يا ابنة الخير إنما تخرمت الأيام مني أصادقي
فأصبحت رهنًا بعدهم في ديارهم كمستوثق منه، وليس بآبق
وقال الحارث بن عوف الجشمي:
فإن تكن الحوادث غيرتني فلم أر هالكًا كابني زياد
هما رمحان خطيان كانا من السمر المثقفة الجلاد
تهال الأرض أن يطآ عليها بمثلهما تسالم أو تعادي
وقال تميم بن أبي بن مقبل العجلاني:
تذكرت إخواني الذين عهدتهم كأن لم يكن شكلي لهم مرة شكلا
هجرتهم من غير بغض ولا قلى ولكن مر الدهر كان لهم شغلا
وقال محمد بن خالد بن الوليد بن عقبة:
هل في الخلود إلى القيامة مطمع أم للمنون عن ابن آدم مدفع؟!
هيهات ما للنفس من متأخر عن وقتها، لو أن علمك ينفع
[ ٩٩ ]
أين الملوك، وعيشهم فيما مضى وزمانهم فيهم وما قد جمعوا؟!
ذهبوا، ونحن على طريقة من مضى منهم، فمفجوع به، ومفجع
عثر الزمان بنا، فأوهى عظمنا إن الزمان بما كرهت لمولع
وقال إبراهيم بن كنف:
تعز فإن الصبر بالحر أجمل وليس على ريب الزمان معول
فلو كان يغني أن يرى المرء جازعًا لحادثة أو كان يغني التذلل
لكان التعزي عند كل مصيبة ونائبة بالحر أولى وأجمل
فكيف، وكل ليس يعدو حمامه وما لامرئ عما قضى الله مزحل
فإن تكن الأيام فينا تبدلت ببؤسي ونعمي
والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة ولا ذللتنا للتي ليس تجمل
ولكن رحلناها نفوسًا أبية تحمل ما لا تستطيع فتحمل
وقال أبو الحسن علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵃ -:
هبني بقيت على الأيام والأبد ونلت ما شئت من مال ومن ولد
من لي برؤية من قد كنت آلفهم وبالزمان الذي ولى فلم يعد؟!
لا فارق الحزن قلبي بعدهم أبدًا حتى يفرق بين الروح والجسد
وقال آخر:
صبرت ابتغاء الأجر بعد خويلد وبعد رزام والنفوس توالف
وبعد الفتى فجر وليث تتابعًا فلم يبقى بعد الإلف إلا المعارف
فقد جعلت نفسي تلذ إتّباعهم كما لذ برد الماء حران صائف
غاب شبيب بن البرصاء عن أهله غيبة، ثم عاد بعد مدة، وقد مات جماعة من أهله، وبنى عمه، فقال:
تخرم الدهر إخواني وغادرني كما يغادر ثور الطارد الفرد
إني لباق قليلًا ثم لاحقهم ووارد منهل الحوض الذي وردوا
وقال العتبي:
ينام المسعدون ومن يلوم وتوقظني وأوقظها الهموم
صحيح بالنهار لمن يراني وليلى لا ينام ولا ينيم
كأن الليل محبوس دجاه وأوله وآخره مقيم
لمهلك فتية تركوا أباهم وأصغر ما به منهم عظيم
يذكرنيهم ما كنت فيه فسيان المساءة والنعيم
وبالخدين من دمعي ندوب وبالأحشاء من وجدي كلوم
فإن يهلك بني فليس شيء من الدنيا على أحد مقيم
وقال أبو زبيد الطائي:
من رأى العير لابن أروى على ظه ر المروري حداتهن عجال
مصعدات، والبيت بيت أبي وه ب خلاء تهب فيه الشمال
يعرف الجاهل المضلل أن الد هر فيه النكراء والزلزال
ليت شعري! كذاكم العهد أم كا نوا أناسًا كمن يزول فزالوا
بعد ما تعلمين يا أم زيد كان فيهم عز لنا وجمال
من وجوه بودنا مشرقات ونوال إذا أريد النوال
وقال البريق بن عياض الهذلي:
ما إن أبو زيد برث سلاحه جبان وما إن وجهه بدميم
وكنت إذا الأيام أحدثن نكبة أقول: شوى، ما لم يصبن صميمي
يقال: رمى فأصمي، إذا أصاب مقتلًا، ورمى فأشوى، إذا لم يصب مقتلا.
أصبن أبا زيد، ولا حي مثله وكان أبو زيد أخي وحميمي
فأصبحن لا أدعو من الناس واحدًا سوى ولدة في الدار غير حكيم
(يقول: لم يبق الموت إلا الأطفال) .
كأن عجوزي لم تلد غير واحد وماتت بذات الشرى غير عقيم
(الشرى: الحنظل، [وذات الشرى]: موضع) .
يقول: كانت كثيرة الولد، فماتوا، ويقيت أنا وحدي؛ فكأنها لم تلد غيري.
وقال وضاح اليمن، واسمه عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال:
كأني إذ أكفكف دمع عيني وأنهاها، أقول لها: هريقي
سأصبر للقضاء، فكل حي سيلقى سكرة الموت المذوق
فما الدنيا بقائمة وفيها من الأحياء من عين رموق
فأغناهم كأعدمهم إذا ما تقضت مدة العيش الرقيق
كذلك يبعثون وهم فرادى ليوم فيه توفية الحقوق
وقال أبو سعيد، مولى قايد:
أثر الدهر في رجالي فقلوا بعد جمع، فراح عظمي مهيضا
ما تذكرتهم فتملك عيني فيض دمعي، وحق لي أن تفيضا
وقال أيضًا:
[ ١٠٠ ]
أولئك قومي بعد عز وثروة تفانوا، فإلاتذرف العين أكمد
أرى أسرتي في كل يوم وليلة يروح بهم ريب المنون ويغتدي
كأنهم لا ناس للموت غيرهم وإن كان فيهم منصف غير معتقد
وقال نصيب، يرثي عبد العزيز بن مروان:
عرفت، وجربت الأمور فما أرى كماض تلاه الغابر المتأخر
ولكن أهل الفضل، من أهل نعمتي يمرون أرسالًا أمامي وأغبر
فإن أبكهم أعذر، وإن أغلب الأسى بصبر فمثلي عندما اشتد يصبر
دخل نصيب على عبد الملك بن مروان، فاستنشده ما قال في أخيه عبد العزيز، فلما أنشده هذه الأبيات، قال: أنا كنت أولى منك بهذا القول.
وقال عصيمة التيمي -[من] تيم الله بن ثعلبة -:
ولو أن قومي مثل قوم عباعب وإخوتهم ما استيق ظلمًا ركائبي
ولكن أصابتهم خطوب، وأخطأت رجالًا أروني بالنهار كواكبي
وقال أبو عبد الله القزاز، وهو محمد بن جعفر النحوي من أبيات:
واحسرتا، مات إخواني وأقراني وشتت الدهر خلاني وأعواني
وغيرت غير الأيام خالصتي والمصطفى الحر من أهلي وجيراني
وصار من كنت في السراء أذكره بل لست أنساه في الضراء
ينساني
وقال الفقيه أبو طاهر إبراهيم بن خفاجة المغربي:
أإخواني، ولا إخوان صدق أصافي بعدكم إلا الصفاح
لحسن الصبر دونكم حران وللعبرات بعدكم جماح
فديتكم بنفسي من كرام يهز بهم معاطفه السماح
أرى بهم النجوم ولا ظلام وأوضاح النهار ولا صباح
لهم همم كما شمخت جبال وأخلاق كما دمثت بطاح
قيل إن الرشيد أحضر بعض جواري البرامكة - بعد نكبتهم - وقال لها: غنى، فغنت:
أبكى فراقهم عيني وأرقها إن التفرق للأحباب بكاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم حتى تفانوا، وريب الدهر عداء
فظلت أبكيهم طورًا وأندبهم حتى أنثنيت، وما في مقلتي ماء
وقال آخر:
مضوا بددًا عني وحلق بعدهم بما سرني في العيش قادمتا نسر
فما أغمض الأجفان إلا على قذى ولا أقلب الجنبين إلا على جمر
وأصبحت أعفو عن ذنوب كثيرة وأحمل زلات الصديق على الدهر
واعذر قومًا لو أحاكم بعضهم إلى نفسه أغضى حياء من العذر
وقال آخر:
نقبوا في البلاد من حذر المو ت، وجالوا في الأرض كل مجال
ثم صاروا إلى التي خلقوا من ها، وكل مصيره لزوال
وقال آخر:
ثوى بين الحريش وتل محرى فوارس من نمارة غير ميل
فلا فرحين إن نعماء واتت ولا جزعين للخطب الجليل
وقال ابن الرومي:
قد كنت أبكى على من مات من سلفي وأهل ودي جميع غير أشتات
فالقيوم إذ فرقت بيني وبينهم
نوى
بكيت على أهل المودات
وما حياة امرئ أضحت مدامعه مقسومة بين أحياء وأموات؟!
وقال عنان جارية النطاف:
نفسي على حسراتها موقوفة فوددت لو خلصت من الحسرات
لو في يدي حساب أيامي إذن خطرفتهن تعجلًا لوفاتي
لا خير بعدك في الحياة وإنما أبكي مخافة أن تطول حياتي
وقال الحسين بن الضحاك:
تخون الدهر منا إذ تخونهم ما لا يعود علينا آخر الأبد
يا ليت شعري إذا ما برمك درجت وأصبح الفرح المسرور ذا كمد
هل يستقل كيحيى بعده بشر أم هل يجود كجود الفضل من أحد؟
وقال شقران:
ذكرت أبا أروى فبت كأنني برد الأمور الماضيات وكيل
[ويروى: أبا] أوفى.
وإن افتقادي واحدًا بعد واحد دليل على أن لا يدوم خليل
لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الفراق قليل
وقال أبو العتاهية:
كم من أخ لي لا يرى متصرفًا فيمن تراه
أمسى قريب الدار في ال أجداث قد شحطت نواه
قد كان مغترًا بيو م وفاته حتى أتاه
الناس في غفلاتهم والموت دائرة رحاه
فالحمد لله الذي يبقى ويهلك من سواه
وقال آخر:
[ ١٠١ ]
أخلاي من أهل القبور: عليكم الس لام، أما من دعوة تسمعونها؟
ولا من كلام ترجعون جوابه إلينا، ولا من حاجة تلطبونها
سكنتم ظهور الأرض في الدهر برهة فلم تلبثوا حتى سكنتم بطونها
وقد كان في الدنيا قرون كثيرة ولكن ريب الدهر أفنى قرونها
وقال أصرم بن حميد - وقيل: هي لمفضل العمى:
عادات قومي من بني أسدٍ ريُّ القنا، وخضاب كل حسام
لهفي على قتلى النباج فإنهم كانوا الذرى ورواسي الأعلام
كانوا على الأعداء جمرًا محرقًا ولقومهم حرمًا من الأحرام
لا تهلكي أسفًا، فإني واثق برماحنا وعواقب الأيام
وصف أعرابي قومه فقال: كانوا والله ليوث حرب، وغيوث جدب، إن قاتلوا أبلوا، وإن أعطوا أغنوا، ثم عجل لهم الدهر ما أخر لغيرهم.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - لعمرو بن معد يكرب الزبيدي: صف لي قومك، فقال: نعم القوم عند السيف المسلول، والخير المسؤول، والطعام المأكول.
وقال آخر:
أبعد بني بكر أؤمل مقبلًا من الدهر أو آسى على فقد مدبر؟!
وليس وراء الفوت شيء يرده عليك إذا ولى سوى الصبر، فاصبر
وقال ابن المعتز:
أشكو إلى الله أحداثًا من الزمن برينني مثل بري القدح بالسفن
لم يبق في العيش لي إلا مرارته إذا تذوقته، والحلو منه فني
يا نفس صبرًا، وإلا فاهلكي جزعًا إن الزمان على ما تكرهين بني
وقال الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي:
أثبت بالحظ لو ناديت مستعمًا والحظ عني بالجهال في شغل
تقدمتني رجال كان شوطهم وراء ظهري لو أمشى على مهل
هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا من قبله فتمنى فسحة الأجل
فإن علاني من دوني فلا عجب لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
وقال بيهس ويلقب نعامة
وقد قتل إخوته:
أرقادًا أردت أم تهويما أم عرتك الهموم، فانف الهموما
لا، بل الحادث الجليل من الخط ب أتاني، فبت أرعى النجوما
عين فابكي الحماة للمجد، وابكي من يجير الجاني ويحمي الحريما
وقال ابن المعتز:
أسد الوغى وبدور أن دية، وفرسان المنابر
خاضوا غدير الموت من جردًا من الأقذاء حاسر
فمضوا وأبقوا آجنًا مرًا تقسمه الحناجر
وقال أيضًا:
لا يهنأ الدهر الخئ ون، ولا أساغ، فكم أكل
فتك الزمان بمثله بطل أتيح له بطل
من للمحامد، لا أقو ل عسى يكون، ولا لعل!
أنشد ابن دريد عن أبي حاتم:
ألا في سبيل الله ماذا تضمنت بطون الثرى، واستودع البلد القفر
بدور، إذا الدنيا دجت أشرقت بهم وإن أجدبت يومًا فأيديهم القطر
فيا شامتًا بالموت، لا تشمتن بهم حياتهم فخر، وموتهم ذكر
حياتهم كانت لأعدائهم عمى وموتهم للفاخرين بهم فخر
وقال منقذ بن عبد الرحمن الهلالي:
الدهر لاءم بين ألفتنا زمنًا، وفرق بيننا الدهر
وكذاك يفعل في تصرفه والدهر ليس يناله وتر
كنت الضنين بمن فجعت به وسلوت حين تفاقم الأمر
ولخير حظك في الرزية أن يلقاك عند نزولها الصبر
وقال السيد بن برك الأسدي:
أبعد أبي حصن حصين، ومالك وعبدة، أبكى الهالكين وأجزع
أولئك إخوان الصفاء رزئتهم وما الكف إلا إصبع ثم إصبع
كان الشمردل بن شريك المنقري خرج هو وإخوته: حكم، ووائل، وقدامة في جيش مع وكيع بن أبي سود، فبعث كل واحد منهم في جيش، فأتاه الشمردل، فقال: أيها الأمير، إن رأيت أن تبعثنا معًا في وجه واحد؛ فإنا إذا اجتمعنا تعاونا، وتواسينا، وتناصرنا، فأبى عليه، وبعث كل واحد منهم في جيش، فقتل إخوته، وأتاه نعيهم، فرثاهم، قال:
أعاذل كم من روعة قد شهدتها وغصة حزن من فراق أخ جزل
إذا وقعت بين الحيازيم أسدفت على الضحى حتى يوسيني أهلي
أقول إذا آسيت نفسي بإخوة
مضوا لا ضعاف في الحياة ولا عزل
[ ١٠٢ ]