قال جرير بن عطية بن الخطفي:
حي الغداة برامة الأطلالا رسمًا تحمل أهله فأحالا
إن السواري والغوادي غادرت للريح منخرقًا به ومجالا
لم نلق مثلك بعد عهدك منزلًا فسقيت من سبل السماك سجالا
أصبحت بعد جميع أهلك دمنة قفرًا، وكنت محلة محلالا
ولقد عجبت من الديار وأهلها والدهر كيف يبدل الأبدالا
وقال أبو حية النميري:
قفا حييا الأطلال من مسقط اللوى وهل في تحيات الرسوم جداء
وماذا نحيي من عراص تبدلت شعوب النوى عنا فهن قواء
كأن لم يكن فيها الجميع، ولم تصح بهم نية تعري الديار خلاء
تذكرت عصرًا قد مضى وصحابة ولم يك عما قد ذكرت عزاء
وقال أبو تمام:
إن شئت ألا ترى صبرًا لمصطبر فانظر على أي حال أصبح الطلل
كأنما جاد مغناه فغيره
دموعنا يوم بانوا، وهي تنهمل
وقال أيضًا:
أسقى طلولهم أجش هزيم وغدت عليهم نضرة ونعيم
جادت معاهدهم عهاد سحابة ما عهدها عند الديار ذميم
سفه الفراق عليك يوم رحيلهم وبما أراه عنك وهو حليم
وقال بشر بن الهذيل:
يقول زميلي يوم سابقة النقى وعيناي من فرط الأسى تكفان:
أمن أجل دار بين لوذان فالنقى غداة النوى عيناك تبتدران؟
فقلت له: لا، بل قذيت، وإنما قذى العين مما هيج الطللان
وقال آخر:
ثوى ماثلًا بين الطلول المواثل فهل بل من داء الجوى والبلابل
معنى قضى دين الغرام مدامعًا يقسمها في دراسات المنازل
تسائل عن أحبابه كل دمنة سوائل من عينيه غير سوائل
وقال محمد بن بشير الخارجي:
[ ٢٨ ]
سقى الله أطلالًا بأكثبة الحمى وإن كن قد أبدين للناس ما بيا
منازل لو مرت بهن جنازتي لقال الصدى يا حاملي أربعا بيا
وقال جميل بن معمر:
أشاقتك المعارف والطلول عفون وخف منهن الحمول
نعم وذكرت دنيا قد تولت وأي نعيم دنيا لا يزول؟!
وقال حفص الأموي:
ومن جزعي والشيب إحكام ذي النهى
بكاء على الأطلال يوم الرواكس
أسائل أطلالًا عفت بعد أهلها وغيرها سهك الرياح الروامس
فما أبقت الأيام من عرصاتها لمن جاءها غير الرسوم الدوارس
وقال عدي بن الرقاع العاملي:
هل تعرف اليوم أم لا تعرف
الطللا
بلى، فهيج لي الأحزان والوجلا
وقد أراني بها في عيشة عجب والدهر بينا له حال إذ انفتلا
وقال طفيل بن عوف الغنوي:
لمن طلل بذي خيم قديم يلوح كأن باقيه وشوم
محا معروفه قدم الليالي ووكاف عزاليه سجوم
وآونة عجاج الصيف حتى تنكرت المعالم والرسوم
وقفت به أسائله ودمعي يفيض كأنه شن هزيم
(الشن: القربة الخلقة، والإداوة الخلق، هزيم: منكسر) .
وقال حاتم بن عبد الله الطائي:
أتعرف أطلالًا ونويًا تهدما كخطك في رق كتابًا منمنما
أذاعت به الأرواح بعد أنيسها شهورًا وأيامًا وحولًا محرما
دوارج قد غيرن ظاهر تربه وغيرت الأيام ما كان معلما
وغيرها طول التقادم والبلى فما أعرف الأطلال إلا توهما
وقال رقيع بن عبيد بن صيفي:
يا صاحبي ألما بي على الطلل وحييا قبل طول البين والشغل
وما تحية دار بعد ما درست إلا معارف رسم هاج من خبلي
وقال ذو الرمة غيلان بن عقبة بن مسعود:
خليلي عوجا اليوم حتى نسلما على طلل بين النقا والأخارم
كأن لم يكن إلا حديثًا وقد أتى له ما أتى للمزمن المتقادم
وهل يرجع التسليم ربع كأنه بسائفة قفرًا ظهور الأراقم؟!
[السائفة]: منقطع الرمل.
وقال البحتري:
يأبى الخلي بكاء المنزل الخالي والنوح في أرسم أقوت وأطلال
وذو الصبابة ما ينفك ينصبه وجدًا تأبد آي المنزل الخالي
وقال آخر:
أشاقتك من أرض العراق طلول تحمل منها جيرة وحلول
فكيف ألذ العيش بعد معاشر بهم كنت عند النائبات أصول
وقال أبو تمام:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا وكفى على رزئي بذاك شهيدا
دمن كأن البين أصبح طالبا دمنًا لدى آرامها وحقودا
أمواقف الفتيان تطوى لم تذب شوقًا، ولم تندب لهن صعيدا؟
وقال أبو تمام أيضًا:
تطل الطلول الدمع في كل موقف وتمثل بالدمع الديار المواثل
دوارس لم يجف الربيع ربوعها ولا مر في أغفالها وهو غافل
فقد سحبت فيها السحائب ذيلها وقد أخملت بالنور فيها الخمائل
وقال المتنبي:
أثلث، فإنا أيها الطلل نبكي، وترزم تحتنا الإبل
لو كنت تنطق قلت معتذرًا
:
بي غير ما بك أيها الرجل
أبكاك أنك بعض من شعفوا ولم أبك أني بعض من قتلوا
إن الذين أقمت وارتحلوا أيامهم لديارهم دول
وقال أبو نواس:
لمن طلل لم أشجه وشجاني وهاج الصبي، لو هاجه لأوان!
بلى، فازدهتني للصبي أريحية يمانية إن السماح يماني
وقال آخر، وهو ذو الرمة غيلان:
ما هاج عينيك من الأطلال المزمنات بعدك الخوالي
كالوحي في سواعد الحوالي غيرها تناسخ الأحوال
وغير الأيام والليالي فاستبدلت
والدهر ذو استبدال
من ساكنيها فرق الآجال فانظر إلى صدرك ذا بلبال
صبابة للأزمن الخوالي
وقال الصنوبري:
مألف موحش من الآلاف هاج عافية لي جوي غير عاف
أحرام صفو الليالي لصب ذكرته الأطلال عهد التصافي؟!
عاج يمحو بعض الصبابة ما بي ن مغان ممحوة وأثاف
[ ٢٩ ]
كم ترى شمل أهلها في افتراق وترى شمل دمعه في ائتلاف!
وقال امرؤ القيس بن حجر:
عوجا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن خذام
فظللت في دمن الديار كأنني نشوان باكره صبوح مدام
روى ابن حبيب أنه "ابن حمام" وقال ابن الكلبي: "هو امرؤ القيس بن حمام بن مالك بن عبيدة بن هبل الكلبي، وكذا روى ابن الأعرابي، وأبو عمرو، والمفضل، وخالد. وقلت - من قصيدة -:
نعم هذه الأطلال قفر كما ترى فما عذر أجفاني إذا لم تفض دما؟!
ولليوم أعددت الدموع وصنتها وما يستجم الدمع إلا ليسجما
وفي منزل الأحباب عذر لذي الهوى فلا لوم إلا أن تجور وتظلما
وقال سعيد بن حميد المنبجي المذحجي المعروف بالدوقلة:
هل بالطلول لسائل رد أم هل لها بتكلم عهد؟!
درس الجديد جديد معهدها وكأنما هي ريطة جرد
من طول ما تبكي الغيوم على عرصاتها، ويقهقه الرعد
وتلث سارية وغادية ويكر نحس خلفه سعد
يعني الدبران والعقرب:
تلقى شآمية يمانية لهما بمور ترابها سرد
فوقفت أسألها وليس بها إلا ألمها ونقانق ربد
فتناثرت درر الشؤون على خدي كما يتناثر العقد
وقال أيضًا:
خبرني أيها الطلل الألى حدوك ما فعلوا؟
قال لي: لا علم لي بهم أيها المشتاق مذ رحلوا
فأبكهم؛ ثم أبكني معهم بدموع ماؤها خضل
تنسج النكباء في دمني للبلى ثوبًا وتغتزل
فإذا ما أخلقت حلل جددت لي بعدها حلل
قلت: إن القلب بعدهم من عزاء عنهم عطل
عصفت فيه رياح هوى فكلانا بعدهم طلل
وقال مهيار:
هل عند هذا الطلل الماحل إجابة تجدي على سائل؟
أصم، بل يسمع، لكنه من البلى في شغل شاغل
وقفت فيها شبحًا ماثلا مرتفدًا من شبح ماثل
ولا ترى أعجب من ناحل يشكو ضنى الجسم إلى ناحل
لهفك يا دار، ولهفي على قطينك المرتحل الزائل
قلبي للأحزان بعد النوى وأنت للسافي وللناخل
مثلان في السقم، ولي فضلة بالعقل، والبلوى على العاقل