قال الأحوص:
قد لعمري بت ليلى كأخي الداء الوجيع
ونجي الهم مني بات أدنى من ضجيعي
كلما أبصرت ربعًا خاليًا فاضت دموعي
وقال أبو تمام:
أقشيب ربعهم أراك دريسا وقرى ضيوفك لوعة ورسيسا
ولئن حبست على البلى لقد اغتدى دمعي عليك إلى الممات حبيسا
وأرى ربوعك موحشات بعد ما قد كنت مألوف المحل أنيسا
وقال أيضًا:
أجل أيها الربع الذي خف آهله لقد أردكت فيك النوى ما تحاوله
أسائلكم: ما باله حكم البلى عليه!، وإلا فاتركوني أسائله
وقفنا على جمر الوداع عشية ولا قلب إلا وهو تغلي مراجله
وقال أيضًا:
سلم على الربع من سلمى بذي سلم عليه وسم من الأيام والقدم
ما دام عيش لبسناه بساكنه لدنا، ولو أن عيشًا دام لم يدم
يا منزلًا أعنقت فيه الجنوب على رسم محيل، وشعب غير ملتئم
هرمت بعدي والربع الذي أفلت منه بدورك معذور على الهرم
وقال أيضًا:
يا موسم اللذات غالتك النوى بعدي فربعك للصبابة موسم
ولقد أراك من الكواعب كاسيًا فاليوم أنت من الكواعب معدم
لحظت بشاشتك الحوادث لحظة ما زلت أعلم أنها لا تسلم
قيل: خرج يحيى بن خالد بن برمك يومًا من داره يريد الرشيد، فمر ببعض أفنية قصره، فرأى على بعض حيطانه مكتوبًا:
أنعموا آل برمك وارقبوها متى هيه
وارقبوا الدهر أن يدو ر عليكم بداهيه
فوجم وجزع لذلك، ثم دخل - في ذلك اليوم - عليه أبو نواس، فأنشده:
أربع البلى إن الخشوع لباد عليك وإني لم أخنك ودادي
فمعذرة مني إليك بأن ترى رهينة أرواح وصوب غواد
ولا أدرأ الضراء عنك بحيلة فما أنا فيها قائل لسعاد
وإن كنت قد بدلت بؤسي بنعمة لقد بدلت عيني قذى برقاد
إلى أن بلغ إلى قوله:
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم بني برمك من رائحين وغاد
فتطير، فنكب في تلك الليلة.
كان محمد بن واسع - ﵀ - يمر برباع إخوانه بعد موتهم، فيناديهم: أي فلان، أي فلان، ثم يرجع إلى نفسه فيقول: ماتوا والله، وإن نعلًا فقدت أختها لسريعة اللحاق بصاحبتها.
وقال الفند الزماني، واسمه شهل بن شيبان بن ربيعة بن زمان:
أشجاك الربع أقوى والديار وبكاء المرء للربع خسار
أي لب لامرئ في قدره عائذ بالحزن إذ تشجيه دار
إنما يبكي الألى كانوا بها فانتأوه بعد ما شط المزار
يخرب الدهر ويبني جاهدًا وخراب الدهر للدار عمار
(هذا قلب، أراد عمارتها خراب لها):
أيها الباكي على ما فاته أقصرن عنك، فبعض القول عار
ليس يغني جزع القوم إذا وقع الأمر بهم إلا الغيار
(يقول: ليس يغني عنهم أن يجزعوا، ولكن أن يغيروا) .
فاجزعوا للأمر، أو لا تجزعوا قد تداعى السقف وأنهار الجدار
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
سائلًا الربع بالبلى وقولًا هجت شوقًا لنا الغداة طويلا
أين حي حلوك إذ أنت محفو ف بهم آهلًا أراك جميلًا
قال: ساروا بأجمع فاستقلوا وبكرهي لو استطعت سبيلا
وقال حفص الأموي:
يا ربع أين انتجع الحاضر جادك نوء الجبهة الماطر
مالي أرى مغناك قفرًا كأن (م) لم يله في ساحته سامر
أصبح قد ردى ثوب البلى فالآي منه مخلق دائر
وقد أراه قبل صرف النوى يعدب من بهجته الناظر
وقال أبو حية النميري:
[ ٣٤ ]
قفا عند مما تعرفان ربوعي وإن سبقت فرط العزاء دموعي
نحيي على طول البلى رسم دمنة كأن لم تكن من آلفين جميع
وماذا نحيي من رسوم كأنها بأسفل سلمانين سحق صديع
كأن حمامات ثلاثًا بربعها وقعن فما يسأمن طول وقوع
وإني لصب ما علمت وإنني لبعض هوى نفسي لغير مطيع
وقال البحتري:
يا ربوع الديار إني على ما قد أراه منكن غير جلدي
أخلق الدهر عهدكن وللده ر صروف يبلين كل جديد
فرقت شملنا النوى بعد ما ك نا جميعًا في ظل عيش حميد
وقال قبيصة بن عمرو المهلبي:
لأحسن من بطن الرصافة منظرًا وميدانها فالرخ فالدور فالجسر
ربائع لا يلبسن والريح ريدة قتامًا ولا يلثقن للوابل الهمر
إذا ما كساهن الربيع رياطه تأرجن مسكًا أو تضاحكن عن در
وقال الشريف الرضي - ﵁ -:
قفا صاحبي اليوم أسأل حاجة ولا ترجعا سمعي بغير بيان
هل الربع بعد الظاعنين كعهده وهل راجع فيه علي زماني؟
وقال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن صدقة الخياط الدمشقي:
أحب ثرى الوادي الذي بان أهله وأصبوا إلى الربع الذي مح مغناه
وبالجزع حي كلما عن ذكرهم أمات الهوى مني فؤادًا وأحياه
فمنيتهم بالرقمتين، ودارهم بوادي الغضا يا بعد ما أتمناه
وما شغفي بالريح إلا لأنها تمر بحي دون رامة مثواه
وقال ذو الرمة غيلان:
أللربع ظلت يعنك الماء تهمل رشاشًا كما استن الجمان المفصل؟!
لعرفان أطلال كأن رسومها بوهبين وشيء أو رداء مسلسل
نبت نبوة عيني بها ثم بينت=يحاميم سود أنها الدار مثل
عهدت بها الحي الحلول بسلوة جميعًا، وآيات الهوى ما تزيل
وقال الشريف الرضي - ﵁ -:
حييت يا ربع الهوى من مربع وسقيت أندية الغيوث الهمع
فلقد عهدتك والزمان مسالم فيك المنى وشفاء داء الموجع
أيام إن يدع الهوى بي اتبع وإذا دعيت إلى النهى لم أتبع
سقيًا له زمنًا نعمت بظله لكنه لما مضى لم يرجع
وقال أيضًا:
عوجًا نحي الربع فيه لنا الهوى فلربما نفع المحب سلامه
واستعبرا عني به إن خانني جفني، ولم يمطر على غمامه
دمن رضعت بهن أخلاف الصبي لو لم يكن بعد الرضاع فطامه
وقال أيضًا:
وقفنا على ربع الأحبة وقفة فلم نر إلا رمددًا وأثافيا
وأشعث منقد السراة مهمشًا أضر به ضرب الوليدة باليا
فما زال رسم الدار حتى أعادني وكنت جليد القوم
في القوم باكيا
وقفت به صحبي صحيحًا فلم تكن سوى نظرة حتى رجعت بدائيا
وقال القاضي المهذب أبو محمد حسن بن علي بن الزبير - ﵀ -:
ربع الفؤاد خلال تلك الأربع فكأنها أولى به من أضلعي
وأقام فيه فالجوانح بلقع منه، وما البيد القفار ببلقع
وأرى الصبا تمري السحاب وإنما تمري صبابته سحاب الأدمع
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
أمر بربع كنت فيه كأنما أمر من الإجلال بالحجر والركن
وإجلال مغناك اجتهاد مقصر إذا السيف أودي فالعفاء على الجفن
وقال أبو تمام:
على مثلها من أربع وملاعب أذيلت مصونات الدموع السواكب
أقول لقرحان من البين لم يضف رسيس الهوى بين الحشا والترائب
أعني على تفريق دمعي فإنني أرى الشمل منهم ليس بالمتقارب
أميدان لهوى من أتاح لك البلى وأصبحت ميدان الصبا والجنائب؟
أصابتك أبكار الخطوب فشتتت نواك بأبكار الظباء الكواعب
وقال آخر:
أمسح الربع بخدي أن مشى فيه الخليل
وعلى مثلك يبكى أيها الربع المحيل
وقال آخر:
يا ربع مالك لا تجيب متيما قد عاج نحوك زائرًا ومسلما
جادتك كل سحابة هطالة حتى ترى عن زهره متبسما
[ ٣٥ ]
لو كنت تدري من دعاك أجبته وبكيت من حرق عليه
إذًا
دما
وقال آخر:
إن يمس حبلك بعد طول تواصل خلقًا، ويصبح ربعنا مهجورا
فلقد أراني والجديد إلى بلى
دهرًا بوصلك ناعمًا مسرورًا
كنت الهوى وأعز من وطىء الحصا عندي، وكنت بذاك منك جديرا
وقال جبيهاء الأشجعي، واسمه يزيد بن عبيد:
أمن الجميع بذي النعاج ربوع هاجت فؤادك والربوع ربوع
من بعد ما نكرت وغير آيها قطر ومسبلة الذيول خريع؟
وقال آخر:
وقفت على ربع لسعدى وعبرتي ترقرق في العينين ثم تسيل
أسائل ربعًا قد تعفت رسومه عليه لأصناف الرياح ذيول