باب
مضت أنواع النسيب (١) كلها، وهذا باب أرسم فيه (٢) الأبواب التي خرجا فيها من النسيب إلى المديح.
اعلم أنهما جميعًا قد تعملا في بعض قصائدهما النسيب، وصلا به النسيب بالمديح، وأعرضا في كثير من أشعارهما عن هذا المعنى، وابتدآ بالمدح منقطعًا عما قبله، وكلا الوجهين قد فعله شعراء الجاهلية والإسلام، وكانوا كثيرًا ما يقولون إذا فرغوا من النسيب وأرادوا المدح أو غيره من الأغراض: «فدع ذا»، فتجنبها المتأخرون واستقبحوها، وكذلك قولهم: «فعد عن ذا» وهي عندهم أحسن.
فمما قطعه أبو تمام مما قبله:
هن الحمام فإن كسرت عيافة من حائهن فإنهن حمام (٣)
ثم خرج إلى المدح فقال:
الله أكبر جاء أكبر من جرت فتعثرت في كنهه الأوهام
وقال:
حلمتني زعمتم وأراني قبل هذا التحليم كنت حليما (٤)
[ ٢ / ٢٩١ ]
ثم قال:
من رأى بارقًا سرى صامتيًا جاد نجدًا سهولها والحزونا
وقال:
أوما رأت بردى من نسج الصبا ورأت خضاب الله وهو خضابي (١)
ثم قال:
لا جود في الأقوام يعلم ما خلا جودًا حليفًا في بني عتاب
وقال:
لو رأى الله أن في الشيب فضلًا جاورته الأبرار في الخلد شيبا (٢)
ثم قال:
كل يوم تبدي صروف الليالي خلفًا من أبي سعيد غريبا (٣)
وقال:
كأن له دينًا على كل مشرق من الأرض أو ثأرًا لدى كل مغرب (٤)
ثم قال:
رأيت لعياش خلاق لم تكن لتكمل إلا في الباب المهذب
وقال:
حلت نطف منها لنكس وذو الحجا يداف له سم من العيش منقع (٥)
[ ٢ / ٢٩٢ ]
ثم قال:
لقد آسف الأعداء مجد ابن يوسف وذو النقص في الدنيا بذي الفصل مولع
وقال:
فلم ترحل كناجية المهارى ولم تركب همومك كالزماع (١)
ثم قال:
بمهدي بن أصرم عاد عودي إلى إيراقه وامتد بارعي
ومن ذلك قول البحتري:
توهمتها ألوى بأجفانها الكرى كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر (٢)
ثم قال:
لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدا إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر
وقال:
ومن يطلع شرف الأربعين يلاق من الشيب زورًا غريبا (٣)
ثم قال:
بلونا ضرائب من قد ترى فما إن رأينا لفتح ضريبا
وقال:
تأبى رباه أن تجيب ولم يكن مستخبر ليجيب حتى يفهما (٤)
[ ٢ / ٢٩٣ ]
ثم قال:
الله جار بني المدبر كلما ذكر المكارم ما أعف وأكرما (١)
وقال:
وكم من يد لليل عندي جميلة وللصبح من خطب تذم غوائله (٢)
ثم قال:
وقد قلت للمعلي إلى المجد طرفه دع المجد فالفتح بن خاقان شاغله (٣)
وقال في وصف الغيث:
فصاغ ما صاغ من حلي ومن حلل ما يمتع العين من وشي وديباج (٤)
ثم قال:
إلى علي بني الفياض بلغني سراي من حيث لا يسرى وإدلاجي (٥)
وقال:
ما كان هجرك مكروهًا أحاذره ولا وصالك معروفًا أرجيه (٦)
ثم قال:
بنو ثوابة أقمار إذا طلعت لم يلبث الليل أن ينجاب داجيه
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وقال:
أميل بقلبي عنك ثم أرده وأعذر نفسي فيك ثم ألومها (١)
ثم قال:
إذا المهتدي بالله عدت خلاله حسبت سماء كاثرتك نجومها (٢)
وقال:
وهل هي إلا لوعة مستسرة يذيب الحشا والقلب وجدًا غليلها (٣)
ثم قال:
ولولا معالي أحمد بن محمد لأضحت ديار الحمد وحشًا طلولها (٤)
فهذا الجنس من الخروج إلى المدح هو الأعم في أشعارهما.
وأما الوجه الذي يجعلون (٥) له سببًا يصل النسيب بالمدح فعلى معاني شتى: منها الخروج بذكر وصف الإبل والمهامه إلى الممدوح، وهذا المعنى عام كثير في أشعار الناس.
فمن ذلك قول أبي تمام:
يصبرني إن ضقت ذرعًا بحبه ويجزع أن ضاقت عليه خلاخله (٦)
[ ٢ / ٢٩٥ ]
ثم خرج إلى مدح المعتصم فقال:
إليك أمير المؤمنين وقد أتى عليها الملا أدماثه وجراوله (١)
نصرن السرى بالوخد في كل صحصح وبالسهد الموصول والنوم خاذله (٢)
رواحلنا قد بزنا الهم أمرها إلى أن حسبنا أنهن رواحله
إذا خلع الليل النهار رأيتها بإرقالها في كل وجه تقابله (٣)
إلى قطب الدنيا الذي لو بمدحه مدحت بني الدنيا كفتهم فضائله
الملا -المقصور-: المتسع من الأرض.
والأدماث: جمع دمث وهي الأرض اللينة.
والجراول: جمع جرول، وهي الأرض الخشنة ذات الحجارة.
ومنه قول أبي تمام أيضًا:
اليوم يسليك عن طيف ألم وعن بلى الرسوم بلاء الأينق الرسم (٤)
من القلاص اللواتي في حقائبها بضاعة غير مزجاة من الكلم
إذا بلغنا أبا كلثوم اتصلت تلك المنى وأخذن الحاج من أمم
ومن ذلك قوله:
سيبتعث الركاب وراكبيها فتى كالسيف هجعته غرار (٥)
[ ٢ / ٢٩٦ ]
أطل على طلى الآفاق حتى كأن الأرض في عينيه دار (١)
تؤم أبا الحسين وكان قدمًا فتى أعمار موعده قصار
وقوله:
وبساط كأنما الآل فيه وعليه سحق الملاء الرحيض (٢)
يصبح الداعري ذو المرة المر جم فيه كأنه مأبوض (٣)
قد فضضنا من بيده خاتم الخو ف وما كل خاتم مفضوض
بالمهارى يجلن فيه وقد جا لت على مستماتهن الغروض (٤)
جازعات سود المهامه تهديـ ـها وجوه لمكرماتك بيض (٥)
وقوله:
فاطلب هدوًا بالتقلل واستثر بالعيس من تحت السهاد هجودا (٦)
من كل معطية على علل السرى وخدًا يبيت النوم منه شريدا
تخدي بمنصلت يظل إذا ونى ضرباؤه حلسًا لها وقتودا
[ ٢ / ٢٩٧ ]
جعل الدجى سترًا وودع راضيًا بالهون يتخد القعود قعودا (١)
طلبت ربيع الممهى لها ووردن ظل رواقه الممدودا (٢)
قوله: «فاطلب هدوًا في التقلل» من قول عروة بن الورد:
* ولم تدر أني للمقام أطوف *
وقوله: «الممهى لها» أي الذي أكثرت مياهه، ويروى «الممهى» لها أي الذي يكثر لها الماء، وليس يريد الماء بعينه، وإنما يريد الخصب والسعة لأنه بالماء يكون.
وهذا الخروج كله جيد بالغ.
وله على هذا الوجه خروجات رديئة ومتوسطة لم أذكرها، ومنها قوله:
دع عنك هذا إذا انتقلت إلى الـ ـمدح وشب سهله بمقتضبه (٣)
فالسهل: ما يأتيه به خاطره عفوًا من غير فكر ولا طلب.
والمقتضب ما يقتطعه خاطره اقتطاعًا بالفكر والتعب، ويقال: ناقة قضيب، وهي التي ريضت ولم تذل كل الذل للحمل والركوب.
فأما قول البحتري لإبراهيم بن المدبر (٤) في عتاب حلو:
دع ذا وأخبرني بشأن صديقنا بشر وهل يرضى لبشر شان (٥)
[ ٢ / ٢٩٨ ]
فإن «دع» ها هنا حسنة وليست مثلها في الخروج من النسيب إلى المدح.
ثم قال أبو تمام هو قوله: «دع عنك هذا»:
لست من العيس أو أكلفها وخدًا يداوي المريض من وصبه (١)
إلى المصفى مجدًا أبي الحسن انـ ـصعن انصياع الكدري في قربه (٢)
قوله: «يداوي المريض»، يعني المريض في حاله لا في جسمه؛ لأنه يدنيه من الغنى.
والانصياع: الانحراف في السير من النشاط والسرعة، والكدري القطا.
يعني إذا جنحت في الطيران وانحرفت نشيطة مسرعة.
ومن هذا الباب قول البحتري:
فالعيس ترمي بأيديها على عجل في مهمه مثل ظهر الترس رحراح (٣)
نهدي إلى الفتح والنعمى بذاك له مدحًا يقصر عنه كل مدح (٤)
وقوله:
سيحمل همي عن قريب وهمتي قرى كل ذيال جلال جلنفع (٥)
[ ٢ / ٢٩٩ ]
يناهبن أجواز الفيافي بأرجل عجال إلى طي الفيافي وأذرع (١)
متى تبلغ الفتح بن خاقان لا تنخ بضنك ولا تفزع إلى غير مفزع
الجلنفع: المتناهي في سنه وقوته (٢).
«يناهبن أجواز الفيافي. . .» بيت في غاية الحسن، وجودة اللفظ.
وقول البحتري أيضًا:
ولقد تعسفت الأمور وصاحبي حزم يلف حزونها بسهولها (٣)
ونشرت أردية الصبا وطويتها بالعيس بين وجيفها وذميلها (٤)
شامت بروق سحابة قرشية غرقت صروف الدهر بين سيولها (٥)
وقوله:
وإذا استصعبت مقادة أمر سهلتها أيدي المهارى القود (٦)
حاملات وفد الثناء إلى أبـ ـلج صب إلى ثناء الوفود
علقوا من محمد خير حبل لرواق الخلافة الممدود (٧)
وقوله:
تشكى الوجى والليل ملتبس الدجى غريرية الأنساب مرت بقيعها (٨)
[ ٢ / ٣٠٠ ]
ولست بزوار الملوك على الونى لئن لم تجل أغراضها ونسوعها (١)
تؤم القصور البيض من أرض بابل بحيث تلاقى غردها وبديعها (٢)
إذا أشرف البرج المطل رمينه بأبصار خوص قد أرنت قطوعها (٣)
يضيء لها قصد السرى لمعانه إذا اسود من ظلماء ليل هزيعها
نزور أمير المؤمنين ودونه سهوب البلاد رحبها ووسيعها
وهذه ألفاظ ومعان في غاية الصحة والحسن، وكثرة الماء.
وقوله: «عريرية» منسوبة إلى فحل من فحول الإبل مذكور يقال له: غرير، وغردها بديعها: قصران.
وقال في ابن المدبر:
إنني لاجيء إلى عزمات معديات على طريق الهموم (٤)
يتلاعبن بالفيافي ويوديـ ـن بنقي المسومات الكوم (٥)
الترامي بعد الوجيف إذا استؤ نف خرق والوخد بعد الرسيم (٦)
كل مهزوزة المقذين تلقى روحة الجاب خلفها والظليم (٧)
[ ٢ / ٣٠١ ]
جنحا كالسمام يحملن ركبًا طلحا من ضئولة وسهوم (١)
ما لهم عرجة وإن نأت الشقـ ـقة دون الأغر إبراهيم (٢)
قوله: «مهزوزة المقذين»، فالمقذان: أصول الأذنين، وإنما يريد حركة رأسها عند السير، وما أكثر ما تصف العرب ذلك.
وقوله: «تلقى روحة الجأب» إذا سارت مع حمار الوحش، والظليم، وهو ذكر النعام، فوصلت غدوة وصلا بعدها عشيًا، يصفها بالسرعة والقوة على السير.
والسمام (٣): جنس من الطير.
وجنح يجنح في طيرانه، أي يميل من النشاط على أحد جناحيه وكذلك تفعل كرائم (٤) الإبل تتصرف في سيرها.
وقوله:
قد أقذف العيس في ليل كأن له وشيًا من النور أو أرضًا من العشب (٥)
حتى إذا ما انجلت أخزاه عن أفق مضمخ بالصباح الورد مختضب
أوردت صادية الآمال فانصرفت عني بها وأخذت النجح من كثب (٦)
[ ٢ / ٣٠٢ ]
هاتيك أخلاق إسماعيل في تعب من العلا والعلا منهن في تعب (١)
أراد أوردت (٢) صادية الآمال بها أي بالعيس فانصرف عني (٣) الآمال الصادية، وهي العطاش، وأخذت النجح من كثب، أي من قرب.
وقوله: «في ليل كأن له وشيًا من النور» أي في ليل شديد الظلمة، فإذا اشتدت ظلمته أشرقت كواكبه ما صغر منها وما كبر، وأحسن ما تكون السماء إذا كانت هذه حالها.
وإلى هذا المعنى ذهب ذو الرمة في قوله:
وليل كجلباب العروس أدرعته بأربعة والشخص في العين واحد (٤)
أراد الحلي الذي على جلبابها، شبه الليل به في حسن نجومه، وإنما يريد أنه ادرع ليلًا شديد الظلمة، مضيء الكواكب.
وفي شدة ظلمة الليل يقول البحتري أيضًا:
والليل في صبغ الغراب كأنما هو في حلوكته وإن لم يتعب (٥)
حتى تجلى الصبح من جنباته كالماء يلمع في خلال الطحلب (٦)
وهذا معنى ما سمعت في شعر قديم ولا محدث أحسن ولا أروع منه.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
ثم قال:
والعيس تنصل من دجاه كما انجلى صبغ الشباب عن القذال الأشيب (١)
ثم قال:
والعيس تنصل من دجاه كما انجلى صبغ الشباب عن القذال الأشيب (١)
يطلبن مجتمع العلا من وائل في ذلك الأصل الزكي الطيب (٢)
وقال البحتري:
سوف أعطي السلو والصبر ما أمـ ـنع من طارف الهوى وتليد (٣)
بالمهارى يلبسن ثوبًا جديدًا مستفادًا في كل وقت جديد
فهي طول النهار بيض وطول الـ ـليل في أقمص من الليل سود
طالبات في الغيث غيثًا سكوبًا وحميدًا في آل عبد الحميد (٤)
وقال محمد بن علي القمي:
لقد علمت عيدية العيس أنني أهب إذا نام الهدان وأعنق (٥)
خرجنا بها في البيض بيضًا لم نر الد دآديء إلا وهي منهن أمحق (٦)
هشمن إلى ابن الهاشمية أوجها عوابس للظلماء ما تتطلق (٧)
قوله: «خرجنا بها في البيض»، يريد في الليالي البيض، وهي التي يكون القمر فيها طالعًا من أولها إلى آخرها.
وقوله: «بيضًا»: يريد الآدم من الإبل، وهو الأبيض، فإن خالطته
[ ٢ / ٣٠٤ ]
حمرة فهو أصهب، وأظنه قال ها هنا بيضًا أراد حسنها وصفاء ألوانها وسمنها.
والدآدي: هي الليالي في آخر الشهر، وهي مظلمة.
أي لم نصل إليها حتى هزلت مطايانا، وصارت أمحق منها، وإنما جعل الدآدي ممحقة لأنها آخر الشهر (١).
والهدان: الرجل البليد الذي ترضيه بالكلمة فيرضى.
وقال:
وأرى المطايا لا قصور بها عن ليل سامراء تدرعه (٢)
يطلبن عند فتى ربيعة ما عند الربيع تخايلت بقعه
قوله: «تخايلت»، أي صارت مخيلة للنبات، ظاهرًا ذلك فيها، أو أن يريد صارت كالخيلان من النبات.
وقال:
كالبرى في البرى ويحسبن أحيا نًا نسوعًا مجدولة في النسوع (٣)
أبلغتنا محمدًا فحمدنا حسن ذاك المرئي والمسموع (٤)
وقال:
وما ثنى مستهامًا عن صبابته مثل الزماع ووجد العرمس الأجد (٥)
[ ٢ / ٣٠٥ ]
إلى أبي نهشل ظلت ركائبنا يحدن من بلد ناء إلى بلد (١)
إلى فتى مشرق الأخلاق لو سبكت أخلاقه من شعاع الشمس لم تزد
وقد جعل البحتري مكان الناقة ها هنا فرسًا فقال في مدح الشاه بن ميكال:
فتناس من لم ترج رجعة وده ووصاله فتعز عن ذكراه (٢)
بمجنب رحب الفروج مشذب نابي القذال حديدة أذناه (٣)
ضافي السبيب مقلص لم تنخزل منه القطاة ولم تخنه شظاه (٤)
صافي الأديم كأن غرة وجهه فلق الصباح انجاب عنه دجاه
يجري إذا جرت الجياد على الونى فيبذ أولى جريها أخراه
يدنيك من ملك أغر سميذع يدنيك من أقصى مناه رضاه (٥)
وقد خرج أبو تمام من المدح بوصف الخيل أيضًا فقال:
حذوناها الوجى والأين حتى تجاوزت الركوع إلى السجود (٦)
إذا خرجت من الغمرات قلنا خرجت حبائسًا إن لم تعودي
[ ٢ / ٣٠٦ ]
فكم من سؤدد أمكنت منه برمته على أن لم تسودي
أهانك للطراد ولم تهوني عليه وللقياد أبو سعيد (١)
وقد جعل البحتري أيضًا السفينة بمكان الناقة فقال:
ورمت بنا سمت العراق أيانق سحم الخدود لغامهن الطحلب (٢)
من كل طائرة بخمس خوافق دعج كما ذعر الظليم المهذب (٣)
يحملن كل مفرق في همة فضل يضيق لها الفضاء السبسب (٤)
ركبوا الفرات وأملوا نشوان يبدع في السماح ويغرب (٥)
قوله: أيانق جمع أينق، وهو جمع ناقة.
وهذا من المقلوب الذي جاء في كلامهم؛ لأن النون من شأنها أن تتقدم الياء، فلو جاء على الاستقامة لكان أنيق (٦) وأنايق، وهذا مثل ملك وملائكة، والأصل مألك ومآلكة.
وقوله: «سحم الخدود»، يريد سواد القار.
ولغامهن الطحلب: يريد الخضرة التي تتعلق بالسفن من طول المكث في الماء.
وقوله: «خمس خوافق» يريد أربعة مجاديف، وسكان، أو قائم الشراع.
ودعج: سواد القار أيضًا.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وقوله: «كما ذعر الظليم» يريد سرعة السفن، وانبعاثها كما ينبعث الظليم ويجفل إذا فزع.
والإهذاب: السرعة.
وقوله يحملن كل مفرق أي متقسم في همة فضل أي همة واحدة يضيق لها الفضاء لعظمها وسعتها.
والفضل: الثوب الواحد الذي يقتصر (١) عليه الرجل والمرأة ويبتذله للأعمال قال امرؤ القيس:
* لم تنتطق عن تفضل (٢) *
وأظن البحتري أراد بقوله: «فضل» أي همة واحدة (٣) وجهوها (٤) إليك دون من سواك، وجعلها عظيمة على قدر الممدوح، أي اتسعت الهمة فيك وعظمت؛ قد تقسمته وصار لا فضل فيه لغيرها.
وهذه أبيات حسان.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وقد قال أبو تمام في السفينة والمسير فيها إلى الممدوح في قصيدة أولها:
دنف بكى آيات ربع مدنف لولا نسيم ترابه لم يعرف (١)
أبياتًا رديئة جدًا لم أكتبها (٢).
والجيد النادر في وصف السفينة قول بشار يذكر مسيره إلى المهدي:
وعذراء لا تجري بلحم ولا دم قليلة شكوى الأين ملجمة الدبر (٣)
إذا طعنت فيها القبول تشمصت بفرسانها لا في وعوث ولا وعر (٤)
وإن قصدت مرت على متنصب رأيت نفوس القوم من جريها تجري (٦)
سمونا إلى المهدي قصدًا وإنما قطعنا بها أمواج بحر إلى بحر (٧)
فبلغ سيبويه قوله: «نينان البحور» فأنكر ذلك، وزعم أن العرب لا تجمع النون -وهو الحوت- وعلى نينان، فبلغ ذلك بشارًا، فقال: ويحه: أما يقول: حوت وحيتان، وغول وغيلان، فكذلك نون
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ونينان، وتوعد سيبويه ولدغه فكف سيبويه عن تتبع شعره، واحتج بشيء منه تقربًا إليه، واستكفافًا لشره.
وللبحتري في الخروج إلى المديح بذكر الإبل غير شيء لو استقصيته، وأتيت بجميع ما لأبي تمام فيه لطال الباب، وما تركت لهما إلا وسطًا ليس بجيد ولا رديء.
ولا خفاء بفضل البحتري في سائر ما أوردته على أبي تمام.
[ ٢ / ٣١٠ ]