بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي عفا الله عنه: قد ذكرت في الجزء الأول احتجاج كل فرقة من أصحاب أبي تمام حبيب ابن أوسٍ الطائي وأبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري على الأخرى في تفضيل أحدهما على الآخر، وقلت: إني أبتدئ - بعد هذا الباب - بذكر معايبها؛ لأختم الكتاب بوصف محاسنها؛ فأتبعت ذلك بما خرجته من سرقات أبي تمام وبيضت آخر الجزء لألحق به ما وجدته منها في دواوين الشعراء فعلمت عليه، وما أجده بعد ذلك؛ فإنه كثير السرق جدا.
وقد سمعت أبا علي محمد بن العلاء السجستاني يقول: إنه ليس له معنى انفرد به فاخترعه إلا ثلاثة معان، وهي قوله:
تأبى على التصريد إلا نائلًا إلا يكن ماءً قراحًا يمذق
نزرًا كما استكرهت عائر نفحةٍ من فأرة المسك التي لم تفتق
[ ١ / ١٣٧ ]
وقوله:
بني مالك قد نبهت خامل الثرى قبورٌ لكم مستشرفات المعالم
رواكد قيس الكف من متناول وفيها على لا ترتقى بالسلالم
وقوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ طويت أتاح لها اسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
ولست أرى الأمر على ما ذكره أبو علي، بل أرى أن له - على كثرة مآخذه من أشعا ر الناس ومعاينهم - مخترعات كثيرةً، وبدائع مشهورة، وأنا أذكرها عند ذكر محاسنه إن شاء الله تعالى.
ومع هذا فلم أر المنحرفين عن هذا الرجل يجعلون السرقات من كبير عيوبه؛ لأنه باب ما يعرى منه أحدٌ من الشعراء إلا القليلب، بل الذي وجدتهم ينعونه عليه كثرة غلطة، وإحالته، وأغاليطه في المعاني والألفاظ.
وتأملت الأسباب التي أدته إلى ذلك؛ فإذا هي ما رواه أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الورقة عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن حذيفة بن أحمد أن أبا تمام يريد البديع إلى
[ ١ / ١٣٨ ]
المحال، وهذا نحو ما قاله أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله في كتابه الذي ذكر فيه البديع، وكذلك ما رواه محمد بن داود عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن أبيه أن أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، وأن أبا تمام تبعه فسلك في البديع مذهبه فتحير فيه، كأنهم يريدون إسرافه في طلب الطباق والتجنيس والاستعارات، وإسرافه في التماس هذه الأبواب وتوشيح شعره بها، حتى صار كثيرٌ مما أتى به من المعاني لا يعرف ولا يعلم غرضه فيها إلا مع الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس، ولو كان أخذ عفو هذه الأشياء ولم يوغل فيها، ولم يجاذب الألفاظ والمعاني مجاذبة ويقتسرها مكارهة، وتناول ما يسمح به خاطره وهو بجمامه غير متعب ولا مكدود، وأورد من الاستعارات ما قرب في حسن، ولم يفحش، واقتصر من القول على ما كان محذوا الشعراء المحسنين؛ ليسلم من هذه الأشياء التي تهجن الشعر وتذهب ماءه ورونقه، ولعل ذلك أن يكون ثلث شعره أو أكثر منه - لظننته كان يتقدم عند أهل العلم بالشعر أكثر الشعراء المتأخرين، وكان قليله حينئذٍ يقوم مقام كثير غيره؛ لما فيه من لطيف المعاني ومستغرب الألفاظ، ولكنه شره إلى إيراد
[ ١ / ١٣٩ ]
كل ما جاش به خاطره ولجلجه فكره، فخلط الجيد بالردئ، والعين النادر بالرذل الساقط، والصواب بالخطأ. وأفرط المتعصبون له في تفضيله، وقدموه على من هو فوقه من أجل جيده، وسامحوه في رديئه، وتجاوزوا له عن خطائه وتأولوا له التأول البعيد فيه، وقابل المنحرفون عنه إفراطًا بإفراط فبخسوه حقه، واطرحوا إحسانه، ونعوا سيئاته، وقدموا عليه من هو دونه. وتجاوز ذلك بعضهم إلى القدح في الجيد من شعره، وطعن فيما لا يطعن عليه فيه، واحتج بما لا تقوم حجة به، ولم يقنع بذلك مذاكرة وقولًا حتى ألف في ذلك كتابًا، وهو أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار القطر بلى المعروف بالفريد، ثم ما علمته وضع يده من غلطه وخطئه إلا على أبيات يسيرة، ولم يقم على ذلك الحجة، ولم يهتد لشرح العلة، ولم يتجاوز فيما نعاه بعدها عليه الأبيات التي تتضمن بعيد الاستعارة وهجين اللفظ، وقد بينت خطأه فيما أنكره عليه من الصواب في جزء مفرد إن أحب القارئ له أن يجعله من جملة هذا الكتاب ويصله بأجزائه فعل ذلك إن شاء الله تعالى؛ فإن الذي تضمن يدخل ف يمحاسن أبي تمام التي ذكرت أنى أختم كتابي هذا بها وبمحاسن البحري.
[ ١ / ١٤٠ ]