قال أبو تمام:
لو صحح الدمع لي، أو ناصح الكمد لقلما صحباك الخد والكبد (١)
وهذا بيت صالح، وليس بالجيد، ولم يستو له أن يقول: العين والكبد؛ لأنهما مؤنثتان فكان يقول: صحبتاك، فجعل مكان العين الخد؛ لأنه مذكر، ولأن كثرة البكاء تؤثر فيه، وتذهب بلحمه، وذهاب العين بالبكاء أخص من ذهاب الخد.
ولو قال: «صحباك العين والكبد» لكان ذلك سائغًا وإن كانتا مؤنثتين؛ لأن هذا يجوز فيما ليس لتأنيثه حقيقة.
ولأبي تمام في باب الفراق والتوديع من الابتداآت بذكر البكاء والدمع، كل شيء جيد نادر، وقد مضى في بابه.
وقال البحتري:
شوق إليك تفيض منه الأدمع وجوى عليك تضيق عنه الأضلع (٢)
وهذا من مشهور أبياته في الحسن والجودة.
[ ٢ / ٦٦ ]
وقال أيضًا:
يكاد يبدي لسعدي غيب ما أجد تحدر من دراك الدمع مطرد (١)
وهذا معنى حلو حسن.
وقال أيضًا:
لأخي عبرة ما تجف وغرام يدوي الحشا، ويشف (٢)
وقال أيضًا:
تعود عوائد الدمع المراق على ما في الصدر من احتراق (٣)
وقال أيضًا:
دموع عليها السكب ضربة لازم تجدد من عهد الصبا المتقادم (٤)
وقال أيضًا:
أدمع قد غرين بالهملان وفؤاد قد لج في الخفقان (٥)
وقال أيضًا:
بعينك لوعة القلب الرهين وفرط تتابع الدمع الهتون (٦)
وقال أيضًا:
تذكر محزون، وأنى له الذكرى وفاضت بغزر الدمع مقلته العبرى (٧)
[ ٢ / ٦٧ ]
وقال أيضًا:
بأي أسى تثني الدموع الهوامل ويرجى زيال من جوى لا يزايل (١)
وهذه كلها ابتداآات جياد، وأجود منها ومن كل ابتداء في هذا الباب وغيره بذكر البكاء والدمع قوله:
قلب مشوق عناه البث والكمد ومقلة تبذل الدمع الذي تجد (٢)
وقد ذكرته في باب الفراق (٣)، وهذا موضعه.
[ ٢ / ٦٨ ]