ولا أعرف في وسط كلامهما من هذا الباب شيئًا يعتد بمثله كنحو ما جاء في الشعر القديم والمحدث.
وقال أبو تمام:
أفنى، وليلي ليس يفنى آخره هاتا موارده فأين مصادره؟ (١)
وهذ ابتداء حسن وكلام حسن سجسج (٢)، ومعنى جيد بالغ.
وقد أخذ البحتري معنى هذا الصدر فوقع دونه فقال:
له الويل من ليل بطاء أواخره ووشك نوى حي تزم أباعره (٣)
وقد ذكرته في ابتداآت باب الفراق (٤).
وقال البحتري:
هو الظلام فلا صبح ولا شفق هل يطلق الليل عن عيني فأنطلق (٥)
عجز هذا البيت في غاية الصحة والبراعة والحسن والحلاوة، ولكن قوله:
«والظلام فلا صبح» معنى [غير] صحيح؛ لتوقعه الصبح وهو مبطيء متأخر فما وجه قوله: ولا شفق، لأن من كان في الليل فإنما يتوقع الصبح ولا يتوقع الشفق، وأظنه أراد نحن في ظلام ولسنا في أول نهار ولا آخره.
[ ٢ / ٦٩ ]
وقال أيضًا:
أبى الليل إلا أن يعود بطوله على عاشق نزر المنام قليله (١)
وقال:
ليلي بذي الأثل عناني تطاوله أرى به مقبلًا قرنًا أنازله (٢)
وقال أيضًا:
ترى الليل يقضي عقبة من هزيعه أو الصبح يجلو غرة من صديعه (٣)
هذه أبيات كلها جيدة المعنى، بارعة اللفظ، حسنة السبك، كثيرة الماء والرونق.
وهذا البيت الأخير أجودها وأبرعها.
وقال أيضًا:
أيها العاتب الذي ليس يرضى نم هنيئًا فلست أطعم غمضا (٤)
[ ٢ / ٧٠ ]