٣١ - وأخذ قوله:
حلفت، إن لم تثبت، أن حافره من صخر تدمر، أو من وجه عثمان
من قول الآخر:
لو كان حافر برذوني كأوجهكم بني بديل، لما أنعلته أبدا
باب
ومما نسبه فيه ابن أبي طاهر إلى السرق ما ليس بمسروق؛ لأنه مما يشترك فيه الناس من المعاني والجاري على ألسنتهم، ومنه ما نسبه إلى السرق والمعنيان مختلفان.
٣٢ - فمن الأول قول أبي تمام:
ألم تمت يا شقيق الجود مذ زمنٍ؟ فقال لي: لم يمت من لم يمت كرمه
وقال: أخذه من قول العتابي:
ردت صنائعه إليه حياته فكأنه من نشرها منشور
ومثل هذا لا يقال له مسروق؛ لأنه قد جرى في عادات الناس - إذا مات الرجل من أهل الخير والفضل، وأثني عليه بالجميل - أن يقولوا: ما مات من خلف مثل هذا الثناء، ولا من ذكر بهذا الذكر. وذلك شائع في كل أمة، وفي كل لسان.
[ ١ / ١٢٣ ]
٣٣ - وقال أبو تمام:
إذا عنيت بشيءٍ خلت أنى قد أدركته أدركتني حرفة الأدب
وقال: أخذه من قول الخريمى:
أدركتني وذاك أول دائي بسجستان حرفة الآداب
و«حرفة الآداب» لفظة قد اشترك الناس فيها، وكثرت على الأفواه، حتى سقط أن نظن أن واحدًا يستملها من آخر، هذا قول أبي طاهر.
ولم يقل أبو تمام «أدركتنى حرفة الأدب» إنما قال «أدركتنى حرفة العرب» وقد ذكرت غلطه فى هذه اللفظة عند ذكر البيت فى الموازنة.
٣٤ - وقال في قوله:
لو العافون كم لك فى الندى من لذة أو فرحة لم تحمد
أخذه من قول بشار:
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ف، ولكن يلذ طعم العطاء
وما إخاله احتذى في هذا البيت على قول بشار؛ لأن بشار قال: ليس يعطيك رغبة في جزاء يرجوه، ولا خوفًا من مكروه، ولكن لالتذاذه العطية،
[ ١ / ١٢٤ ]
وأراد أبو تمام أن الطالبين لو علموا التذاذه الندى لم يحمدوه، والمعنيان إنما اتفقا في طريق التذاذ الممدوح بعطائه فقط؛ وهذا ليس من بديع المعانى التى يختص بها شاعر فيقال: إن واحد أخذه من الآخر؛ لأن العادة جارية بأن يقال: فلان لا يعطى متكارهًا ولا متكلّفًا، بل يعطى عن نية صادقة، ومحبة لبذل المعروف تامة، ونحو هذا من يقول.
٣٥ - وقال في قوله:
لو كان ينفخ قين الحى في فحم
من قو الأغلب:
قد قاتلوا لو ينفخون في فحم ما جبنوا ولا تولوا من الأمم
وهذا معنى شائع من معاني العرب، وجار في الأمثل أن يقولوا: قد فعلت كذا، واجتهدت في كذا لو كنت تنفخ في فحم ٍ؛ لأن النفخ يحي النار ويشعلها، والنفخ في حطب ليس بفحم ولا أخذت النار فيه لا يورى ناراٍ.
٣٦ - وقال في قوله:
والموت خير من سؤال سؤول
[ ١ / ١٢٥ ]
من قول محمود:
وارغب إلى ملك الملوك، ولا تكن بادى الضراعة طالبًا من طالب
ومثل هذا لا يكون مسروقًا؛ لأنه على الألسن أن يقال: وقع سائل على سائل، ومجندٍ على مجتدٍ، ووقع البائس على الفقير، وأمثال هذا.
٣٧ - وقال في قوله:
همةٌ تنطح النجوم، وجدٌ آلفٌ للحضيص فهو حضيض
من قول أعرابي:
همته قد علت وقدرته في اللحد بين الثرى مع الكفن
وهذا أيضًا من المعاني المشتركة الجارية في العادة أن يقولوا: همته في علاء، وجده في سفال، وهمته ناطقة وجده أخرس، وهمة ذات حراك وجدٌ ساكن، وهمة فلان ترفعه وجده يضعه؛ وما أشبه هذا.
٣٨ - وقال في قوله:
تقبل الركن ركن البيت نافلةً وظهر كفك معمورٌ من القبل
من قول عبد الله بن طاهر:
أعلت له ذكره فكافأها بأن توالى في ظهرها القبل
[ ١ / ١٢٦ ]
وليس بين المعنيين اتفاق إلا بذكر قبل الكف، وهذا ليس من المعاني المبتدعة؛ لأن الناس أبدًا يقولون: ما خلق وجهه إلا للتحية، وكفه إلا للقبل، كما قال دعبل:
فباطنها للندى وظاهرها للقبل
ومثل هذا، مما نطقوا به كثيرًا، فلا يكون عندي مسروقًا.
٣٩ - وقال في قوله:
نظرت فالتفت منها إلى أح لى سوادٍ رأيته في بياض
من قول كثير:
وعن نجلاء تدمع في بياضٍ إذا دمعت وتنظر في سواد
وليس بين المعنيين اتفاق إلا بذكر البياض والسواد، والألفاظ غير محظورة، وأبو تمام إنما قال " فالتفت منها إلى أحلى سواد " يعني حدقتها " في بياض " يعنى شحمة عينها، وهذا هو الصحيح، وقد قيل: سواد عينها في بياض وجهها، وكثير أراد أن عينها تدمع إذا دمعت، يريد خدها، وتنظر في سواد، يعني حدقتها، وهذا المعنى غير ذاك.
[ ١ / ١٢٧ ]
٤٠ - وقال في قوله:
وكم لك لولا ما أخففها به من الشكر لم تحمل ولم تطق
بالله أدفع عني ثقل فادحها فإنني خائف منها على عنقى
من قول أبي نواس، والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا نواس قال:
لا تسدين إلى عارفة حتى أقوم بشكر ما سلفا
أنت امرؤٌ جللتني نعمًا أوهت قوى شكرى فقد ضعفا
فذكر أن نعم الممدوح قد غلبت الشكر، فاستعفاه من نعمة أخرى حتى يقوم بشكر نعمته السالفة، وأبو تمام قال: لولا ما أخففها به من الشكر لم أطق حملها، ثم أحسن وألطف في قوله " فإنني خائف منها على عنقي " ومعنى أب ينواس أجود وأبرع.
٤١ - وقال في قوله:
أعمل النتف والطلا وقديمًا كان صعبًا أن تشعب القاروره
[ ١ / ١٢٨ ]
من قول الأعشى:
كصدع الزجاجة ما تستطي ع كف الصناع لها أن تحيرا
قلت: ووقع في شعر الأعشى أيضًا قوله:
فبانت وفي الصدر صدعٌ لها كصدع الزجاجة لا يلتئم
وهذا معنى متداول مشهور مبذول من معانيهم في الزجاج، قد نطق به الناس، وأكثروا فيه حتى سقط أن يقال: إن أبا تمام أخذه من الأعشى، وقد تقدم فيه المسيب بن علس فقال:
بانت وصدع القلب كان لها صدع الزجاجة ليس يتفق
وقال آخر:
مثل صدع الزجاج أعيا الصناعا
وقال آخر:
وتفرقت نياتهم فتصدعوا صدع الزجاجة ما لها تيفاق
ومثله كثير.
٤٢ - وقال في قوله:
إذا سيفه أضحى على الهام حاكمًا إذا العفو منه وهو في السيف حاكم
من قول مسلم بن الوليد:
يغدو عدوك خائفًا؛ فإذا رأى أن قد قدرت على العقاب رجاكا
[ ١ / ١٢٩ ]
والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا تمام قال: إذا حكم سيف الممدوح على الهام حكم عفوه على السيف، ومسلم قال: إن عدو الممدوح يخافه؛ فإذا رأى أن قد قدر على العقاب رجاه؛ فليس هذا المعنى من ذلك في ئيء.
٤٣ - وقال في قوله:
فإن هزرئتم سللناها وقد غنيت دهرًا وهام بني بكر لها غمد
من قول سعد بن ناشب:
فإن أسيافنا بيضٌ مهندةٌ عتقٌ، وآثارها في هامهم جدد
والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا تمام قال: " وهام بني بكر لها غمد " وهذا قال: " وآثارها ف يهامهم جدد " فهذا غير ذلك.
وقال في قوله:
رمنا الصدود فلما اختار ألفتنا حنت حنين عجول بيننا الرحم
من قول الأسود بن يعفر:
سما بصري لما عرفت مكانه وأطت إلي الواشجات أطيطا
فهذا قال: إنه لما عرفه أطت إليه الواشجات أي الحقوق والقرابة والرحم.
[ ١ / ١٣٠ ]
أي حنت أليه، وأبو تمام قال: لما صددنا وفارقنا الألفة حنت بيننا الرحم، فهذا كقول قيس بن الخطيم في حربهم:
لما بدت نحونا جباههم حنت إلينا الأرحام والصحف
أي لما صافونا للحرب حنت إلينا الرحم والصحف، يريد العهود، والله أعلم.
٤٤ - وقال في قوله:
فلو كانت الأزراق تجري على الحجى هلكن إذًا من جهلهن البهائم
من قول أب يالعتاهية:
إنما الناس كالبهائم في الرز ق، سواءٌ جهولهم والحليم
وبين المعنيين خلاف؛ فإن أبا العتاهية أراد أن رزق كل نفس يأتيها - جاهلةً كانت أو عالمةً - كما يأتي البهائم، وهذا قائم في الفطرة والعقول؛ فتتفق الحخواطر في مثله. وأبو تمام قال: إن الرزق لو جرى على قدر العقل لهلكت البهائم، وهذه زيادة في المعنى حسنة، وإن كان إلى مذهب أبي العتاهية يؤول.
[ ١ / ١٣١ ]
٤٥ - وقال في قوله:
وأشجيت أيامي بصبر حلون لي عواقبه، والصبر مثل اسمه صبر
من قول أبي الشيص:
يصبرني قومٌ براءٌ من الهوى وللصبر تاراتٍ أمر من الصبر
فقول الناس: الصبر مرٌ، والصبر كاسمه صبر، وقولهم: الصبر محمود العاقبة، وإن كان مرًا؛ لا يكون مسروقًا فيقال: إن واحدًا أخذه من آخر، وقول أبي الشيص: إن للصبر تارات يكون فيها أمر من الصبر، أي: له تارات يكون فيها شديد المرارة، وقول أبي تمام: أشجيت أيامي بصبر حلت لي عواقبه، ثم قال: والصبر مر عواقبه، يريد في الحلق، أي لو جرعته لكان مقطعه شديد المرارة، وإنما قال هـ١اليجتمع له في البيت حلاوة عواقبه ومرارة عواقبه، هذا تفسيره على ما رواه ابن أبي طاهر، ولم يقل أبو تمام والصبر مر عواقبه، وإنما قال: والصبر مثل اسمه صبر.
[ ١ / ١٣٢ ]
٤٦ - وقال في قوله:
لئن ذمت الأعداء سوء صباحها فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر
من قول مسلم:
لو حاكمتك فطالبتك بذحلها شهدت عليك ثعالبٌ ونسور
وذكر وقوع الذئاب وغيرها والنسور وما سواها من الطير على القتلى معنى متداولٌ ومعروفٌ، وهو في بيت أبي تمام غيره في بيت مسلم؛ لأن مسلمًا قال لممدوحه: لو حاكمتك - يريد الفرقة والعصب التي لقيتك - في مطالبتك بثأر من قتلت منها لشهدت عليك الثعالب والنسور، وأبو تمام قال على سبيل الاستهزاء: لئن ذمت الأعداء سوء صباحها فليس يؤدي الذئب والنسر شكرها؛ لكثرة ما أكلا منها، وهذا المعنى غير ذاك، والله أعلم.
[ ١ / ١٣٣ ]
صفحة فارغة
[ ١ / ١٣٤ ]
الجزء الثاني
[ ١ / ١٣٥ ]
صفحة فارغة
[ ١ / ١٣٦ ]