قال أبو تمام:
ما في وقوفك ساعة من باس نقضي حقوق الأربع الأدراس
وهذا ابتداء جيد صالح، وقوله " الأدراس " جمع دارس، وقلما يجمع فاعل على أفعال، ومنه: شاهد وأشهاد، وماجد وأمجاد، وصاحب وأصحاب.
وقال أيضًا:
قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد وإن هي لم تسمع لنشدان نائد
أراد لنشدان الناشد الذي يقول: أين أهلك يا دار؟ كما ينشد الناشد الضالة إذا طلبها.
وقال أيضًا:
قف بالطلول الدارسات علاثا أضحت حبال قطينهن رثاثا
علاثة: اسم صاحبه، أراد قف يا علاثة، وهذان ابتداءان صالحان
[ ١ / ٤٣٠ ]
وقال أيضًا:
قف نؤبن كناس هذا الغزال إن فيه لمسرحًا للمقال
التأبين: مدح الهالك، والكناس هنا: الربع، وإنما يريد الخيمة أو البيت من بيوتهم، سماه كناسًا لأنه جعل المرأة غزالا: أي قف بنا نندبه فإن المقال يتسع فيه، وهذا أيضًا بيتٌ جيد ومعنى حسن مستقيم.
وقال:
ليس الوقوف يكف شوقك فانزل وابلل غليلك بالمدامع يبلل
وهذا معنى ظريف، وقد جاء مثله في الشعر، قال الأصم الباهلي - وسامه عبد الله بن الحجاج - ولا أعرف غيره، وأظن أبا تمام عثر به واحتذى عليه؛ لأنه كان مولعًا بغرائب الألفاظ والمعاني:
أتنزل اليوم بالأطلال أم تقف؟ لا، بل قف العيس حتى يمضى السلف
السلف: المتقدمون، وإنما قال ذلك لأن الوقوف على الديار إنما هو وقوف المطي، ولا يكادون يذكرون نزولًا.
وأنشد منشدٌ قول كثيرٍ وكثيرٌ يسمع:
وقضين ما قضين ثم تركنني بفيفا خريمٍ قاعدًا أتلدد
[ ١ / ٤٣١ ]
فقال كثير: أنا ما قلت كذا، أتراني قاعدًا أصنع ماذا؟ قيل: فجالسًا؟ قال: ولا هذا! أجالسًا كنت أبول، قيل: فما قلت؟ قال: واقفًا؛ يريد واقفًا على مطيته فهذا هو المعروف من عاداتهم.
وقد قال كثير:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
والقولص لا يعقلها راكبها إلا إذا نزل عنها، والعقل فوق الركبة.
وقال البحتري:
ما على الركب من وقوف الركاب في مغاني الصبا ورسم التصابي؟
التصابي: التفاعل من صبا يصبو إذا اشتاق، وإذا فعل فعل الصبى.
وقال أيضًا:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلًا مقصرًا من ملامتي أو مطيلا
وهذا ابتداءان في غاية الجودة.
وقال أيضًا:
قف العيس قد أدنى خطاها كلاهما وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها
وهذا لفظ حسن، ومعنى ليس بالجيد؛ لأنه قال " أدنى خطاها
[ ١ / ٤٣٢ ]
كلالها " أي: قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال الديار التي تعرض لأن يشفيه، وإنما وقف لإعياء المطى.
والجيد قول عنترة:
فوقفت فيها ناقتي وكأنها فدنٌ لاقضى حاجة المتلوم
فإنه لما أراد ذكر الوقوف احتاط بأن شبه ناقته بالفدن، وهو القصر؛ ليعلم أنه لم يقفها ليريحها.
وقد كشف ذو الرمة هذا المعنى وأحسن فيه وأجاد، فقال:
أنخت بها الوجناء لا من سآمةٍ لثنتين بين اثنين جاء وذاهب
يقول: أنختها لأن أصلى، لا من سآمة، هكذا فسروه، وقوله " لثنتين " يعني ركعتي العصر اللتين يقصرهما المسافر بين اثنين جاء يريد الليل وذاهب يريد النهار.
فإن قيل: إنما قال " أدنى خطاها كلالها " ليعلم أنه قصد الدار من شقة بعيدة فيكون أبلغ في المعنى.
قيل: العرب لا تقصد الديار للوقوف عليها، وإنما تجتاز بها، فإن كانت واقعة على سنن الطريق قال الذي له أربٌ في الوقوف لصاحبه أو أصحابه: قف، وقفا، وقفوا، وإن لم تكن على سنن الطريق قال: عوجا، وعرجا، وعوجوا، وعرجوا، كما قال امرؤ القيس:
[ ١ / ٤٣٣ ]
عوجا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن حذام
في الوقوف حيث انتهت راحة، والترعيج فيه زيادة تعبها وكلالها، وإن قلت المسافة، كما قال أبو تمام:
وما بك إركابي من الرشد مركبًا ألا إنما حاولت رشد الركائب
لأن هذا القول منه دل على الترعيج والتردد في الرسوم، أو أن أصحابه أرادوا أن يستمر في السير ولا يتعوق في الوقوف فيعود عليها ذلك بضرر في العاقبة وإن أكسبها راحة ما في الوقوف، فقال له أبو تمام " إنما حاولت رشد الركائب " لا رشدي، فأما الأصمعي فإنه يرى التعريج أيضًا وقوفا لا عدولا، قال أبو حاتم: قلت له: ما معنى عرج؟ قال: قف، فقلت: يقال: عرج إذا عدل؟ فقال: لا، وأنشد بيت ذى الرمة:
يا حدايي بنت فضاض أما لكماحتى نكلمها همٌ بتعريج
[ ١ / ٤٣٤ ]
أي همٌ بوقوف، وهذا لا يمنع أن يكون همٌ بعدول، ونفس الاشتقاق يدل على العدولن والله أعلم.
وقال كثير يصف السيل:
فطورًا يسيل على قصده وطورًا يعرج ألا يسيلا
فلو كان هناك قصد إلى الدار من جماعتهم أو منه وحده لما لاموه، ولا عنفوه على احتباسه وإطالته، ولا استعجلوه وهو دائبا يسألهم التلؤم عليه والتوقف معه.
وهذه طريقة القوم في الوقوف على الديار، ولهم فيها من الأشعار ما هو أشهر وأكثر من أن أحتاج إلى ذكره، وتلك سبيل سائر المحدثين، وطريقة الطائيين ما عدلا عنها، ولا خرجا إلى غيرها، ألا ترى إلى قول أبي تمام:
ما في وقوفك ساعةً من باس نقصي ذمام الأربع الأدراس
كيف سأل صاحبه أن يقف عليه ساعةً؟ ثم قال بعد بيت آخر:
لا يسعد المشتاق وسنان الهوى يبس المدامع بارد الأنفاس
وقوله:
لا تمنعني وقفة أشفى بها داء الفراق فإنها ماعون
وقال البحتري:
يا وهب هب لأخيك وقفة مسعدٍ يعطى الأسى من دمع المبذول
[ ١ / ٤٣٥ ]
وقال أيضًا:
قف بها وقفةً ترد عليها أدمعًا ردها الكرى أنضاء
وقال أيضًا:
ماذا عليك من انتظار متيمٍ بل ما تضرك وقفةٌ في منزل
وقال أيضًا:
خلياه ووقفةً في الرسوم يخل من بعض بثه المكتوم
ثم إنا ما علمنا أحدًا قصد دارًا عفت من شقةٍ بعيدة، واحدًا كان أو في جماعة، للتسليم عليها، والمسألة لها، ثم انصرفوا راجعين من حيث جاءوا، وإن هذا ما سمح به، ولا هو من أغراضهم؛ إذ ليس فيه جدوى، ولا يؤدي إلى فائدة، لأن المحبوب إن كان حيًا موجودًا فقصد رباعه ومواطنه التي هو قاطنها والإلمام به فيها أولى وأحرى، وإن كان ميتا فالإلمام بناحية الأرض التي فيها حفرته أولى وأحرى، وعلى أنهم لا يكادون يزورون القبور، وإنما وقفوا علىلديار، وعرجوا عليها عند الاجتياز بها والاقتراب منها؛ لأنهم تذكروا عند مشارفتها أوطارهم فيها، فنازعتهم نفوسهم إلى الوقوف عليها، والتلوم بها، ورأوا أن ذلك من كرم العهد وحسن الوفاء، ألا ترى إلى قول أبي تمام:
أمواطن الفتيان نطوى لم نزر شوقًا ولم نندب لهن صعيدا؟
[ ١ / ٤٣٦ ]
ويروى " لم نزر شعفًا " أي: كيف نطوى الرسوم والدمن التي هي مواقف أهل الفتوة، يريد الكرام، ولم نزر حزنًا لها ولا سهلا، لأنه أراد بالعشف ما ارتفع من الأرض وعلا، وأراد بالصعيد ما اطمأن من الأرض وسفل، والصعيد إنما هو وجه الأرض الذي فيه التراب، وأكثر ما يكون فيما اطمأن من الأرض، لا فيما علا، فكانوا يرون الوقوف على الديار من الفتوة والمروءة، وأن طيها عند الاجتياز بها من النذالة وقبيح الرعاية وسوء العهد.
وما أحسن ما قال أبو نواس:
وإذا مررت على الديار مسلمًا فلغير دار أميمة الهجران
على طريقة القوم المعتادة.
وقال البحتري يخاطب نفسه أو صاحبًا معه:
قف العيس قد أدنى خطاها كلالها وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها
فمن زعم أن البحتري بهذا القول كان قاصدًا للدار وغير مجتازٍ احتاج إلى دليل من لفظ البيت يدل عليه، ولا سبيل له إلى ذلك.
فإن قيل: ولم لا يكون للمطية حق على من بلغته منازل الأحباب يوجب أن يكرمها ويريحها كما قال أبو نواس:
[ ١ / ٤٣٧ ]
وإذا المطي بنا بلغن محمدًا فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطئ الحصى فلها علينا حرمة وذمام
قيل: هذا أصلٌ آخر طريقه غير طريق القوف على الديار، ولا يقاس أصلٌ على أصل، وإنما يقاس على الأصل فروعه التي تتفرع منه، وهذا الشرط في كل علم. وقال أبو نواس ف يموضع آخر يخاطب ناقته أيضًا:
فلم أجعلك للغربان نحلًا ولم أقل اشرقي بدم الوتين
يريد قول الشماخ، والشماخ إنما قال:
إذا بلغتني وحملت رحلي عرابة فاشرقي بدم الوتين
لأنه رأى ناقته قد شفها السير وهزلها وأنضاها حتى دبرت، وذلك قوله:
إليك بعثت راحلتي تشكى كلومًا بعد محفدها السمين
فيقول: إذا بلغتني عرابة فلا أبالي أن تهلكي، وهذا ليس بدعاء عليها، وإنما أراد أنك إذا بلعتنيه فقد بلغت الغنى وأدركت العوض فهذا معنى وقول أبي نواس له معنى آخر، وليس بضد لقول الشماخ،
[ ١ / ٤٣٨ ]
وإنما يضاده قول المرأة التي قالت: يا رسول الله، إني نذرت إن بلغتني ناقتي هذه إليك أن أنحرها، فقال رسول الله ﷺ " لبئس ما جزيتها " لأن هذه قصدت أن جعلت جزاء التبليغ النحر؛ فهذان المعنيان يتضادان، وقول الشماخ خارج عنهما، فإنه أصل ثالث، والوجه الذي جاء به البحتري في الوقوف على الديار وتحرز منه عنترة وذو الرمة وجه غير هذه الوجوه، وطريقة غير هذه الطرق، ولم أقل إنه خطأ، وإنما قلت: إن المعنى غير جيد، فغن التمست العذر للبحتري قلنا: إنه وصف حقيقة أمر العيس عند الوصول إلى الدار، وهذا مذهبٌ من مذاهب العرب عامٌ في أن يصفوا الشيء على ما هو، وعلى ما شوهد، من غير اعتماد لإغراب ولا إبداع، وربما ورد هذا الوجه على ألسنتهم أحسن من كل معنى بديع مستغرب، وربما وقع فيه مثل هذا الخلل لقلة التحرز، وسترى للبحتري وغيره في هذا الكتاب من هذا النوع ف يمواضعه ما هو أجود من كل جيد، إن شاء الله.
وقال البحتري:
عرج بذى سلمٍ فثم المنزل فيقول صبٌ ما أراد ويفعل
وهذا ابتداء جيد، وقد رواه قوم " ليقول صبٌ ما أراد ويفعل
[ ١ / ٤٣٩ ]
" والنصب أجود في الروايتين، والرفع له وجه، والمتأخرون لا يكادون يسلمون من اللحن، وهو في أشعارهم كثير جدًا.
وقال:
كم من وقوفٍ على الأطلال والدمن لم يشف من برحاء الشوق ذا شجن
وهذا أيضًا ابتداء جيد.
وقال أيضًا:
استوقف الركب في أطلالهم وقفا وإن أجد بلى مأثورها وعفا
يقال: أجد في أمره من الانكماش، وجد، وهذا ابتداء صالح.
وقال:
قفا في مغاني الدار نسأل طلولها عن النفر اللائين كانوا حلولها
وهذا الابتداء ليس بالجيد؛ من أجل قوله " اللائين "؛ لأنها لفظة ليست بالحلوة ولا مشتهاة، وليست مشهورة.
فهذا ما ابتدآ به من ذكر الوقوفن وأجعلهما فيه متكافئين؛ من أجل براعة بيتي البحتري الأولين، وأنهما أجود من سائر أبيات أبي تمام، ولأن للبحتري في الباب التقصير الذي ذكرته له، وليس لأبي تمام مثله.
[ ١ / ٤٤٠ ]