قال أبو تمام:
أصبحت روضة الشباب هشيما وغدت ريحه البليل سموما (١)
وقال البحتري:
خلق العيش في المشيب وإن كا ن نضيرًا وفي الشباب جديده (٢)
ليت أن الأيام قام عليها من إذا ما انقضى زمان يعيده
ولو أن البقاء يختار فينا كان ما تهدم الليالي تشيده
شيبتني الخطوب إلا بقايا من شباب لم يبق إلا شريده (٣)
لا تنقب عن الصبا فخليق إن طلبناه أن يعز وجوده (٤)
وهذا من الحلاوة والحسن على ما تراه.
وقال وقد مضت في باب آخر (٥):
أيثني الشباب أم ما تولى منه في الدهر دولة ما تعود
لا أرى العيش والمفارق بيض أسوة العيش والمفارق سود
ومن جيد هذا الباب قول كثير:
وكان الصبا خدن الشباب فأصبحا وقد تركاني في مغانيهما وحدي
[ ٢ / ٢٢١ ]
فوالله ما أدري أطائف جنة تأوبني أم لم يجد أحد وجدي
وقال البحتري:
أواخر العيش أخبار مكررة وأقرب العيش من لهو أوائله (١)
يجري الشباب إذا ما تم تكملة والشيء ينفده نقصًا تكامله (٢)
ويعقب المرء برءًا من صبابته تجرم العام يمضي ثم قابله (٢)
إن فر من عنت الأيتم حازمها فالحزم فرك ممن لا تقاتله (٤)
وإن أراب صديقي في الوداد فكم أمسيت أحذر ما أصبحت آمله
وقال:
أما الشباب فقد فنيت بغضه وحططت رحلك مسرعًا عن نقضه (٥)
وأقام مشتاق وأقصر عاذل أرضاه فيك الشيب إذ لم ترضه (٦)
شعر صحبت الدهر حتى جازني مسوده الأقصى إلى مبيضه (٧)
فعلى الصبا الآن السلام ولوعة تثني عليه الدمع في مرفضه (٨)
وليقن تفاح الخدود فلست من تقبيله عزلًا ولا من غضه (٩)
أي فعليه السلام وعليه لوعة.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
وقال:
وصال سقاني الخبل صرفًا ولم يكن ليبلغ ما أدت عقابيله الهجر (١)
وباقي شباب في مشيب مغلب عليه اختناء اليوم يكثره الشهر (٢)
وليس طليقًا من يروح أو غدا يسوم التصابي والمشيب له أسر
تطاوحني العصران في رحويهما يسيبني عصر ويقلعني عصر (٣)
متاع من الدنيا استبد بجدتي وأعظم جرم الدهر أن يمتع الدهر (٤)
قوله: «وصال سقاني الخيل صرفًا»، يريد أنه لما جاده المشيب حزن على الوصل، وأسف أسفًا شديدًا؛ لأنه ليس يجد له مثل ما كان، ولأن محبوبه إن واصل واصل تكلفا، وإن (٥) ذلك لا بقاء له، وإنه ذاهب حتى إن عقابيله -وهي أواخره وبقاياه- لو كان مكانها الهجر لما بلغ من خبله ما بلغت.
وقوله: «مغلب عليه اختناء اليوم»، فالاختناء: الانخزال والتهيب من الشيء، والخشوع له، يريد كاختناء اليوم إذا كاثره الشهر فكثره؛ لأن يومًا لا يكون كشهر في المكاثرة والمفاخرة (٦).
وقال:
تقضى الصبا إلا تلوم راحل وأغنى المشيب عن ملام العوذل (٧)
وتأبى صروف الدهر سودًا شخوصها على البيض أن يحظين منه بطائل
[ ٢ / ٢٢٣ ]
يحاولن عندي صبوة وإخالني على شغل مما يحاولن شاغل
رمي رزايا صائبات كأنني لما أشتكي منها رمي جنادل
وقال:
في الشيب زجر له كان ينزجر وواعظ منه لولا أنه حجر (١)
ابيض ما اسود من فوديه وارتجعت جلية الصبح ما قد أغفل السحر
وللفتى مهلة في العيش واسعة ما لم يمت في نواحي رأسه الشعر (٢)
قوله: «ارتجعت جلية الصبح ما قد أغفل السحر» قريب من قوله:
تزيدني الأيام مغبوط عيشة فتنقضي نقص الليالي مرورها (٣)
وقال:
أيا صاحبي إما أردت صحابتي فكن مقصرًا أو مغرمًا مثل مقصر (٤)
فإني إن أزمع غدوًا لطيتي أغلس وإن أجمع رواحًا أهجر
وما يقرب الطيف الملم ركائبي ولا يعتريني الشوق من حيث يعتري
سقينا جنى السلوان أم شغل الهوى علينا بنو العشرين من كل معشر
وما قيل في هذا الباب كقول ابن حازم (٥) الباهلي، ومنصور النمري.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
قال بن حازم:
عهد الشباب لقد أبقيت لي حزنًا ما جد ذكرك إلا جد لي ثكل (١)
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها من الشباب بيوم واحد بدل (٢)
يكفيك بالشيب ذنبًا عند غانية وبالشباب شفيعًا أيها الرجل (٣)
وقال منصور:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع إذا ذكرت شبابًا ليس يرتجع (٤)
بان الشباب وفاتني بشرته صروف دهر وأيام لها خدع
ما كدت أوفي شبابي كنه غرته حتى انقضت فإذا الدنيا له تبع
وأنشد إسحق الموصلي:
لعمري لئن حلئت عن منهل الصبا لقد كنت ورادًا لمشربه العذب (٥)
ليالي أمشي بين بردي لاهيًا أميس كغصن البانة الناعم الرطب
سلام على سير القلاص منه بقية سوى نظر العينين أو شهوة القلب
[ ٢ / ٢٢٥ ]