قال أبو تمام:
فارقتنا وللمدامع أنوا ء سوار على الخدود غواد (١)
كل يوم يسفحن دمعًا طريفًا يمتري مزنه شوق تلاد
واقعًا بالخدود والبرد منه واقع بالقلوب والأكباد (٢)
وهذا في البكاء مذهب حسن جدًا، في أجود لفظ واضح سيال.
وقال أيضًا فأحسن كل الإحسان:
رد الجموح الصعب أيسر مطلبًا من رد دمع قد أصاب مسيلا (٣)
وقال البحتري في ضد هذا المعنى:
وقفنا والعيون مشغلات يغالب دمعها نظر كليل (٤)
نهته رقبة الواشين حتى تعلق لا يغيض ولا يسيل
والناس لبيت البحتري، ونحو مذهبه فيه أشد استحسانًا؛ لكثرة ما يشاهده مثله.
[ ٢ / ٢٠ ]
وقال أبو تمام:
لعمري لقد أقوت مغانيكم بعدي ومحت كما محت وشايع من برد (١)
وأنجدتم من بعد اتهام داركم فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
قوله: «كما محت وشائع من برد» غلط؛ لأن الوشائع هي: الغزل الملفوف من اللحمة التي تداخل في السدى، فإذا نسج الثوب فليس فيه شيءيسمى «وشيعة» ولا «وشائع».
وقد ذكرت هذا في باب أغاليطه المجموعة (٢).
وقد عاب عليه أيضًا قوم قوله: «فيا دمع أنجدني على ساكني نجد» وقالوا: الإنجاد إنما يكون على المحارب، فأي محاربة أو مجاهدة تكون أعظم من مجاهدة المغرم من يهواه، ولا سيما إن كان منوعًا ولم يكن مواتيًا؟
وقد أفصح البحتري بأن المحبوب محارب فقال:
هل كنت لولا بينهم متوهمًا أن امرأً يشجيه بين محارب (٣)
فقول أبي تمام: «أنجدني على ساكني نجد» من أحسن كلام، وأحلاه، وأجوده.
وقال أبو تمام:
وقالوا: أسى عنها، وقد خصم الأسى جوانح مشتاق إذا خوصمت لد (٤)
[ ٢ / ٢١ ]
وعين إذا نهنهتها عادت الكرى ودمع إذا استنجدت أسرابه نجد (١)
وما خلف أجفاني شئون بخيلة ولا بين أضلاعي لها حجر صلد (٢)
وكم تحت أرواق الصبابة من فتى من القوم حر دمعه للهوى عبد
قوله: أسى عنها، أي تأسى عنها، وقد خصم الأسى جوانح مشتاق: أي غلبت التأسي وأبت عليه.
وعين إذا نهنهتها، أي كففتها عن النوم.
وقوله: «تحت أوراق الصبابة» فأرواق إنما هو: جمع روق [وروق] كل شيء: أوله، ولذلك قيل للقرن: روق، ويقال: ألقى عليه أرواقه: أي ثقله، وواحدتها روق، ويقال: ألقت السحابة أرواقها: إذا دامت ولم تقلع.
وقال أبو تمام أيضًا:
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة فلباه طل الدمع يجري ووابله (٣)
بيوم تريك الموت في في صورة النوى أواخره من حسرة وأوائله
أراد أن الشوق دعا ناصرًا ينصره فلباه الدمع، بمعنى أنه يخف لاعج الشوق، ويطفي حرارته (٤)، وهذا إنما هو نصرة للمشتاق على الشوق، والدمع إنما هو حرب للشوق؛ لأنه يثلمه ويتخونه، ويكسر حده، ولو كان ناصرًا
[ ٢ / ٢٢ ]
له كان يقويه، ويزيد فيه، ألا ترى أنك تقول: قد ذبحني الشوق إليك.
فالشوق عدو المشتاق وحربه، والدمع سلمه؛ لتخفيفه عنه، وهو حرب للشوق، وليس بهذا الخطأ خفاء على أحد، وقد ذكرته في أغاليطه (١).
وأحسن منه قول البحتري:
إن الدموع هي الصبابة فاطرح بعض الصبابة تسترح بهمولها (٢)
لأن الصبابة -وهي رقة الشوق- تنحل مع الدمع، وتمضي بمضيه، فلذلك جعل الدموع هي الصبابة على السعة، وإنما هي عدو الصبابة كالنار التي هي عدو لما تحرقه، وهي مع ذلك تنفد بنفاده، وتمضي بمضيه، وكالريح إذا بددت الغيم ومحقته، فإنها تذهب بذهابه، وقد قال الشاعر:
أشجاك من ليلتك الطول فالدمع من عينيك مهمول؟
وهو إذا أنت تأملته حزن على الخدين محلول (٣)
لما كان الحزن ينحل ويسيل بسيلان الدمع، جعله حزنًا، ولو جعله ناصرًا للحزن، أو جعل البحتري الدموع ناصرة للصبابة لكانا جميعًا مخطئين؛ لأن الناصر للشيء لا يمحق الشيء، ولا يفنيه ويذهب به.
ولكن البحتري اتبع أبا تمام في خطته بقوله:
نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع تلاحقن في أعقاب وصل تصرما (٤)
[ ٢ / ٢٣ ]
وقال أبو تمام:
تولوا فولت لوعتي تحشد الأسى علي، وجاءت مقلتي وهي تهمل (١)
بذلت لهم مكنون دمعي فإن ونى فشوقي على أن لا يجف موكل
وهذا جيد بالغ.
وأجود منه وأحسن قوله:
فكاد شوقي يتلو الدمع منسجمًا إن كان في الأرض شوق فاض فانسجما (٢)
ولم يذهب ههنا إلى نحو ما ذهب إليه البحتري في قوله:
إن الدموع هي الصبابة فاطرح بعذ الصبابة تسترح بهمولها (٣)
وإنما ذهب إلى أنه بكى لشدة شوقه وغلبته حتى كاد شوقه يفيض بفيض الدمع.
وقال في علي بن الجهم (٤):
هي فرقة من صاحب لك ماجد فغدا إذابة كل دمع جامد (٥)
فافزع إلى ذخر الشئون وعذبه فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد
وإذا فقدت أخًا فلم تفقد له دمعًا ولا صبرًا فلست بفاقد
قوله: «يذهب بعض جهد الجاهد» أي بعض جهد الحزن الجاهد، أي جهد الحزن الذي قد جهدك، وهو الجاهد لك.
ولو كان استقام له أن يقول: بعض جهد المجهود لكان أحسن وأليق.
وهذا أغرب وأطرف، وقد جاء أيضًا فاعل بمعنى مفعول: قالوا عيشة راضية
[ ٢ / ٢٤ ]
بمعنى مرضية، ولمح باصر، إنما هو مبصر فيه، وأشباه لهذا معروفة، ولكن ليس في كل شيء يقال، وإنما ينبغي أن ننتهي في اللغة إلى حيث انتهوا، ولا نتعداه إلى غيره، فإن اللغة لا يقاس عليها.
وقوله: «فلم يفقد له دمعًا ولا صبرًا» من أفحش الخطأ؛ لأن الصابر لا يكون باكيًا، والباكي لا يكون صابرًا، فقد نسق (١) لفظة على لفظة وهما نعتان متضادان، ولا يجوز أن يكونا مجتمعين، وقد ذكرت هذا مشروحًا في أغاليطه (٢).
وقال البحتري: قد أرتك الدموع يوم تولت ظعن الحي ما وراء الدموع (٣)
عبرات ملء الجفون مرتها حرق للفراق ملء الضلوع
وهذا غاية في جودته وبراعته.
وقال أيضًا:
أضحك البين يوم ذاك وأبكى كل ذي صبوة، وسر، وساء (٤)
فجعلنا الوداع فيه سلامًا وجعلنا الفراق فيه لقاء
ووشت بي إلى الوشاة دموع الـ ـعين حتى حبستها أعداء
وهذا من إحسان أبي عبادة المشهور.
[ ٢ / ٢٥ ]
وقال أيضًا:
هين ما يقول فيك اللاحي بعد إطفاء غلتي والتياحي (١)
كنت أشكو شكوى المعرض فالآ ن ألاقي النوى بدمع صراح (٢)
وهذا أيضًا غاية في حسنه وجودته.
وقال أبو تمام:
صيرت لي من تباري عبرتي سكنًا مذ صرت فردًا بلا إلف ولا سكن (٣)
حلبت صرف النوى صرف الأسى وحدا بالبث في دولة الإغرام والددن (٤)
فما وجدت على الأحشاء أبرد من دمع على وطنٍ لي في سوى وطني (٥)
من ذا يعظم مقدار السرور بمن يهوى إذا لم يعظم موقع الحزن (٦)
قوله: حدا بالبث: أي ساقه، وأظهره، وأشاعه في دولة الإغرام والددن، والإغرام: جمع غرم مثل: برج وأبراج، وخرج وأخراج، والغرم والغرام بمعنى واحد، والددن: اللعب.
يقول: ساق صرف النوى البث -وهو أشد الحزن- وأظهره في دولة غرامي ولعبي، يقول: إنه قاسى الأسفار والهموم في أيام شبابه ولعبه، ولله در الذي يقول، وأنشدناه الأخفش، وأنشده الموصلي أيضًا:
[ ٢ / ٢٦ ]
ولما أراد الحي بينًا ولم يكن درى أحد من بين ظمياء فاجع
أبى الدمع أعيان الصحاح وبينت مكان ذوي الشجو العيون الدوامع (١)
وأنشد إسحق أيضًا، وأنشده الأخفش عن المبرد:
ولما رأت أن لا سبيل وأنه هو البين محنو عليه الأضالع (٢)
تهتك عن أستار قلب وأسبلت مدامع عين بينها السر ضائع (٣)
وأنشد أيضًا:
تكفكف دمعها كف خضيب لتخفيه، وهل يخفى المريب؟
وهذا أيضًا حسن.
[ ٢ / ٢٧ ]