قال أبو تمام:
دمنٌ ألم بها فقال: سلام كم حل عقدة صبره الإلمام
هذا المصراع الأول في غاية الجودة والبراعة والحسن والصحة والحلاوة، وعجز البيت أيضًا جيد بالغ.
وقال:
سلم على الربع من سلمى بذى سلم عليه وسمٌ من الأيام والقدم
وهذا ابتداء ليس بالجيد؛ لأنه جاء بالتجنيس في ثلاثة ألفاظ، وإنما يحسن إذا كان بلفظتين، وقد جاء مثله في أشعار الناس، والردئ لا يؤتم به.
وقال الأبيرد بن المعذل الرياحي:
جزعت ولم تجزع من البين مجزعا وكنت بذكر الجعفرية مولعا
وقد جعل بعض الرواة هذا البيت أول قصيدة لامرئ القيس على هذا الوزن، وذلك باطل، وما ينبغي للمتأخر أن يحتذى الأخذ إلا للجيد المختار؛ لسعة مجاله، وكثرة أمثلته.
[ ١ / ٤٤١ ]
وقال البحتري:
هذي المعاهد من سعاد فسلم واسأل وإن وجمت ولم تتكلم
وقال أيضًا:
أمحلتى سلمى بكاظوة اسلما وتعلما أن الهوى ما هجتما
وهذا ابتداءان جيدان.
وقال أيضًا:
حييتما من مربع ومصيف كانا محلى زينبٍ وصدوف
وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضًا:
ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها نعم، ونسالها عن بعض أهليها
وهذا البيت ردئ؛ لقوله " نعم " وليس بالمعنى إليها حاجة، جاء بها حشوًا. ومن الحشو ما لا يقبح، و" نعم " ههنا قبيحة، وقد أولع بها كثير بن عبد الرحمن في ابتداءاته فقال:
أمن أم عمرو بالحريق ديار نعم دارساتٌ قد عفون قفار
[ ١ / ٤٤٢ ]
وقال:
أمن آل سلمى الركب أم أنت سائل نعم، والمغاني قد درسن مواثل
وقال:
أهاجتك ليلى إذ أجد رحيلها نعم، وثنت لما احزألت حمولها
احزألت: انتصبت وارتفعت.
وقال:
أبائنةٌ سعدى؟ نعم ستبين كما انبت من حبل القرين قرين
وهي في كل هذه البيات رديئة، وموضعها من هذا البيت الأخير أصلح؛ لأن إسقاطها من الجميع يحسن، ولا يحتاج الاستفهام فيها إلى جواب، إلا هذا البيت فإن الاستفهام فيه يقتضي أن يكون " نعم " جوابا له، ومع هذا فليس لها حلاوة ولا حسن، ولكثير استفهامات لا جواب لها على عادات الشعراء المحسنين.
ومنها قوله:
من آل قيلة بالدخول رسوم وبحومل طللٌ يلوح قديم
وكل أبيات كثير أجود من بيت البحتري؛ لأن " نعم " فيها جواب، وهي في بيت البحتري حشو، وقال البحتري في بيته " نحييها " والأجود "
[ ١ / ٤٤٣ ]
نحيها " جزم لأنه جواب الأمرن وقد يكون " نحييها " رفعًا على الحال، والجواب ههنا أجود من الحال.
فهذا ما وجدته من تسليمهما على الديار، وأبو تمام عندي ف يقوله " دمن ألم بها فقال سلام " أشعر من البحتري في سائر أبياته.
وما سمعت من التسليم على الديار أحسن من قول أبي نواس:
وإذا مررت على الديار مسلمًا فلغير دار أميمة الهجران
[ ١ / ٤٤٤ ]