قال أبو تمام:
سقى ربعهم لا بل سقى منتواهم من الأرض أخلاق السحاب الحواشك (١)
وألبسهم عصب الربيع ووشيه ويمنته نبت الثرى المتلاجك (٢)
إذا غازل الروض الغزالة نشرت زرابي في أكناحهم ودرانك (٣)
إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه مضت حقبة له وهو حائك (٤)
قوله: «حواشك» جمع حاشكة، وهي الناقة التي قد اجتمع لبنها في خلفها شبه السحاب بها، والحشك: اسم الدرة (٥) المجتمعة.
والمتلاحك: الذي قد تكاثف وتداخل بعضه في بعض، من الملاحكة في البناء ونحوه.
وقوله: «حقبة حرس» في غاية الرداءة؛ لأن الحقبة، السنة: وجمعها حقب.
والحرس: الدهر، وذكر السنة مع الدهر جهل بموضوعات الكلام، وخروج عن العادات، ومتى سمع أحدًا يقول: ما رأيته مذ سنة دهرًا، وقد مضى له سنة دهر ما يكلمنا؟
فأما جعله الغيث كأنه كان حائكًا، فمن مضاحيك معانيه وألفاظه.
[ ١ / ٥٢٦ ]
وقال البحتري:
أسقى ديارك والسقيا يقل لها إغزار كل ملث الودق ثجاج (١)
يلقى على الأرض من حلي ومن حلل ما يمنع العين حسن وإبهاج
فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق وحاك ما حاك من وشي وديباج
فصوغ الغيث [النبت] (٢) وحوكه للنبات ليس باستعارة، بل هو حقيقة، ولكن يقال: هو صائغ، ولا كأنه صائغ، وكذلك لا يقال: حائك، وعلى أن لفظة حائك خاصة في غاية الركاكة إذا خرجت على ما جاء به أبو تمام.
وقال البحتري:
فسقاهم وإن أطالت نواهم خلفة الدهر ليله ونهاره (٣)
كل جون إذا ارتقى البرق فيه أوقدت للعيون بالماء ناره
إن أقام ارتوى الظماء وإن سا رت أقامت أنيقة آثاره
باتفاق من خضرة الروض نضر واختلاف يجده نواره
كسفور الفتاة عن حسن خد يتكافا ابيضاضه واحمراره (٤)
وهذا كله جيد، حسن لفظه ومعناه.
وقوله: «يتكافى ابيضاضه واحمراره» ما لحسنه نهاية.
وقال أيضًا يصف آثار الغيث، وليس بدعاء للدار بالسقيا (٥):
[ ١ / ٥٢٧ ]
دمن تناهب رسمها حتى عفا منها تعاقب رائح بقطاره (١)
باتت وبات البرق يمري عوذه فيها وينتج مثقلات عشاره
فالأرض من نسج النبات مجدة أثوابها والروض من نواره (٢)
وهذا أيضًا حلو، حسن لفظه ومعناه.
وقوله: «وبات البرق يمري»: أي يستخرج ماءها، والعوذ: الحديثات النتاج، شبه السحائب بها.
والعشار: التي قد أتى لحملها عشرة أشهر، وإذا وضعت فهي أيضًا عشار، لا يزول عنها الاسم.
وقال أبو تمام يصف آثار الغيث:
دوارس لم يجف الربيع ربوعها ولامر في أغفالها وهو غافل (٣)
فقد سحبت فيها السحاب ذيولها وقد أخملت بالنور منها الخمائل (٤)
وقال البحتري:
يا دمنة جاذبتها الريح بهجتها تبيت تنشرها عنها وتطويها (٥)
لا زلت في حلل للغيث ضافية ينيرها البرق أحيانًا ويسديها (٦)
تروح بالوابل الداني روائحها على ربوعك أو تغدو غواديها
روائحها: يعني السحاب، وهذا أيضًا جيد بالغ.
[ ١ / ٥٢٨ ]
وقال أبو تمام:
لا مر يوم واحد إلا وفي أحشائه لمحلتيك غمام (١)
حتى تعمم صلع هامات الربا من نوره وتأزر الأهضام (٢)
فالأهضام: ما انخفض من الأرض، جمع هضم.
وقوله: «حتى تعمم صلع هامات الربا» أخذه من قول الراجز وأنشده يعقوب بن السكيت وغيره:
قد أصبحت العقدة صلعاء اللمم وأصبح الأسود مخصوبًا بدم (٣)
فالعقدة: موضع ذو شجر لا ينتفي فيذهب.
واللمم، وهي الجمام (٤) جمع لمة، فجعله مثلًا لرؤوس النبت إذا أكلته الإبل فصارت لممه صلعا.
والأسود: الحية تطؤه الإبل فتقتله.
وقال البحتري:
إذا الغمام حداه البارق الساري وانهل في ديمة وطفاء مدرار (٥)
وخيل إشراقه طورًا وظلمته ما حاك من نمطي روض ونوار (٦)
فجاد أرضك في غرب السماوة من أرض ودارك بالعلياء من دار (٧)
[ ١ / ٥٢٩ ]
وهذا معنى في غاية اللطافة والحسن، وكثرة الماء.
وقال البحتري:
قسم الصبابة فرقتين فشوقه للظاعنين ودمعه للنزل (١)
متقسم الأحشاء يندب أربعًا متقسمات للصبا والشمأل (٢)
حطت على تلك الأجارع والربى منهن أعباء السحاب المثقل (٣)
وغدا الربيع ينمنم روضه ضربين بين معمد ومهلل (٤)
معمد: مثل العمد، ومهلل: مثل الأهلة.
وقال أبو تمام:
أسقى ديارهم أجش هزيم وغدت عليهم نضرة ونعيم (٥)
جادت معاهدهم عهاد سحابة ما عهدها عند الديار ذميم
ولأبي تمام في الدعاء للديار بالسقيا، أبيات كثيرة في قصيدته التي أولها:
* إن بكاء في الديار من أربه (٦) *
تفاصح فيها وتبادي، وهي كزه قليلة الحلاوة، لم أكتب منها شيئًا.
وقال البحتري:
إذا تحمل من تهامة بارق لجب يسير مع الجنوب زحوفه (٧)
[ ١ / ٥٣٠ ]
صخب الرواح إذا تصوب مزنه ذعر الأجادل في السماء حفيفه
فسقى اللوى، لا بل سقى عهد اللوى أيام نرتبع اللوى ونصيفه (١)
الأجادل: الصقور.
وهذا جيد، بالغ لفظه وسبكه معناه.
وقال البحتري أيضًا:
إلمامة بالدار [إن] متيمًا يكفيه أكثر شوقه إلمامه (٢)
أمسى يضرم في جوانحه الجوى برق يشب مع العشي ضرامه
سقى اللقى حوذانه وعراره وسياله وأراكه وبشامه (٣)
فلرب عيش باللوى لم تستزد حسنًا لياليه ولا أيامه
وهذا لا مزيد على براعة لفظه، وجودة سبكه، وكثرة مائه.
وقال أيضًا:
أدارهم الأولى بدارة جلجل سقاك الحيا روحاته وبواكره
وجاءك يحكي يوسف بن محمد فروتك رياه وجادك ماطره (٤)
وهذا أحسن ما يكون من المدح، ويسمى (٥) الاستطراد، وقد ذكر أبا سعيد محمد بن يوسف في غير موضع، على هذا المعنى ونحوه يتسبب [إلى مدحه] (٦) في مدائح غيره.
[ ١ / ٥٣١ ]
وقال أيضًا:
أود لها سقيا السحاب ومحوها بسقيا السحاب حين يصدق خالها (١)
محلتنا والعيش غض نباته وأفنية الأيام خضر ظلالها
وهذا معنى حسن صحيح.
يا عارضًا متلفعًا ببروده يختال بين بروقه ورعوده (٢)
لو شئت عدت بلاد نجد عودة فنزلت بين عقيقه وزروده
لتجود في ربع بمنعرج اللوى قفر تبدل وحشه من غده
وقال أيضًا:
سألت الغوادي ملحفًا في سؤالها وناشدتها في سقي برقة ثهمد
منازل ما أبقى من عراصها سوى أرسم معفوة الآي همد (٣)
معاهد من خود تناصر حسنها تناصر ضوء الكوكب المتوقد (٤)
تثنى على لحظ العيون إذا مشت تثنى غصن البانة المتأود (٥)
وهذا كله جيد لفظًا ومعنى.
وقال أيضًا:
أناشد الغيث كي تهمي غواديه على العقيق وإن أثوت مغانيه (٦)
على محل أرى الأيام تضحك عن أيامه والليالي عن لياليه
[ ١ / ٥٣٢ ]
عهد من اللهو لم تذمم عوائده يومًا فينسى ولم تقدم بواديه (١)
وقال أيضًا:
خلفتكم الأنواء في أوطانكم فسقت صوادي أربع وطلول (٢)
وإذا السحاب ترجحت هضباته فعلى محل بالعقيق محيل
حتى تبل منازلًا لو أنها كثب لرحت على جوى مبلول (٣)
وقال أبو تمام:
أيها البرق بت بأعلى البراق واغد فيها بوابل غيداق (٤)
دمن طالما التقت أدمع الغـ ـيث عليها وأدمع العشاق (٥)
وقال أبو تمام أيضًا وهذا من أحسن معاني هذا الباب، وهو [من] أحسانه المشهور:
يا منزلًا أعطى الحوادث حكمها لا مطل في عدة ولا تسويفا (٦)
أرسى بناديك الندى وتنفست نفسًا بعقوتك الرياح ضعيفا (٧)
شغف الغمام بساحتيك فربما روت رباك الهائم المشغوفا
وقوله: «وتنفست نفسًا بعقوتك الرياح ضعيفا» مما استحسنه الناس، وقد ذكرته في باب محو الرياح للديار، ومن أين أخذ المعنى (٨).
وقوله: «شغف الغمام بساحتيك» يدعو له بالسقيا على سبيل الجزاء، بما روته رباه من أحبابه فيه.
[ ١ / ٥٣٣ ]