قال أبو تمام:
متى أنت عن ذهليه الحي ذاهل وصدرك منها مدة الدهر آهل (١)
قوله: «ذاهل» أي منصرف، يقال: ذهلت عن الشيء بمعنى انصرفت عنه، فيقول: متى أنت عنها منصرف، وصدرك أبدًا منها آهل؟ أي لا تخلو أبدًا من قلبك.
وقال البحتري:
ضمان على عينيك أني لا أسلو وأن فؤادي من جوى بك لا يخلو (٢)
فعجز هذا البيت مثل عجز [بيت] (٣) أبي تمام، وهو أجود؛ لتصريحه بذكر الجوى.
وصدرا البيتين (٤) مقاربان، وبيت البحتري أجود وأبرع.
وقال البحتري:
هواها على أن الصدود سبيلها مقيم بأكناف الحشا ما يزولها (٥)
وهذا البيت أيضًا أجود من بيت أبي تمام لفظًا ومعنى.
وقال في نحو هذا:
أأفاق صب من هوى فأفيقا أو خان عهدًا، أو أطاع شفيقا؟ (٦)
[ ٢ / ٧١ ]
وقال أيضًا:
أراد سلوًا عن سليمى وعن هند فغالبه غي السفاه على الرشد (١)
وقال: سواي مرجى سلوة، أو مريدها إذا واقدات الحب حب خمودها (٢)
وهذا كله غاية في الحسن والجودة.
وقد تصرف البحتري في باب الوجد والغرام وشدة الحب في ابتداآته تصرفًا حسنًا، فمن ذلك قواه:
حاشاك من ذكرى ثنته كئيبا وصبابة ملأت حشاه ندوبا (٣)
وقال أيضًا:
حقًا أقول: لقد تبلت فؤادي وأطلت مدة غيي المتمادي (٤)
وقال أيضًا:
ناهيك من حرق أبيت أقاسي وجروح حب ما لهن أواس (٥)
وقال أيضًا:
أتراك تسمع للحمام الهتف شجوًا يكون كشجوي المستطرف (٦)
وقال أيضًا:
يهون عليها أن أبيت متيمًا أعالج وجدًا في الضمير مكتما (٧)
[ ٢ / ٧٢ ]
وقال أيضًا:
غرام ما أتيح من الغرام وشجو للمحب المستهام (١)
وقال أيضًا:
أنافع عند ليلى فرط حبيها ولوعة لي أبديها وأخفيها (٢)
وقال أيضًا:
قليل لها أني بها مغرم صب وأن لم يقارف غير وجد بها القلب (٣)
أراد: قليل لها غرامي بها وصبابتي وإن لم أهو غيرها، ولا وجه لكسر أن الثانية.
فانظر إلى هذا التصرف الحسن، والألفاظ المختلفة في المعاني المتقاربة.
ولا أعرف لأبي تمام في هذا كله شيئًا.
ومما افتتحه البحتري بالهجر قوله:
نصيبي منك لوم العاذلات وهجران أطلت به أذاتي (٤)
وقال أيضًا:
شد ما أغريت ظلوم بهجري بعد وجدي بها وغلة صدري (٥)
[ ٢ / ٧٣ ]
وقال أيضًا:
خير يوميك في الهوى واقتباله يوم يدنيك من وصاله (١)
وقال أيضًا:
لج هذا الحبيب في هجرانه وغدا والصدود أكبر شانه (٢)
وقال أيضًا:
لي حبيب قد لج في الهجر جدًا وأعاد الصدود منه وأبدى (٣)
وقال أيضًا:
طاف الوشاة به فصد وأعرضا وغلا به هجر أمض وأرمضا (٤)
وقال أيضًا:
متى وصل منك ومنك هجر وفي ذل، وفيك كبر (٥)
وليس لأبي تمام في هذا النحو شيء إلا قوله:
خشنت عليه أخت بني خشين وأنجح فيك قول العاذلين (٦)
وهذا بتداء رديء.
[ ٢ / ٧٤ ]