وليس تكاد في القطعة التي تشتمل على عدة أبيات، أن تكون سائر أبياتها موافقة في معانيها لسائر أبيات القطعة الأخرى، وإنما يوازن بين بيت وبيت إذا اتفقا، أو بين غرض وغرض إذا تقاربا، وأغراض هذا الباب وهي من جنس واحد وإن اختلفت المعاني.
قال أبو تمام:
قد عهدنا الرسوم وهي عكاظ للصبا تزدهيك حسنًا وطيبا (١)
أكثر الأرض زائرًا ومزورا وصعودًا من الهوى وصبوبا (٢)
وكعابًا كأنما ألبستها غفلات الشباب بردًا قشيبا
بين البين فقدها، قلما تعـ رف فقدًا للشمس حتى تغيبا
قوله: «قد عهدنا الرسوم وهي عكاظ» معنى ليس بالجيد؛ لأنه إنما أراد: قد عهدنا الرسوم وهي معدن للصبا أو مألف أو موطن، فقال: عكاظ، أي سوق للصبا يجلب إليها، ولو قال: «سوق» لكان أجود من قوله: «عكاظ»، وإنما ذهب إلى أن عكاظ من أعظم الأسواق التي تجتمع إليها العرب، وقد كان يكفيه أن يقول: سوق، فيأتي باللفظة المستعملة المعتادة، وإن السوق قد تكون عظيمة آهلة، وعكاظ أيضًا سوق، فما وجه التخصيص في موضع العموم، والعموم أجود وأليق؟
وقد يجوز أن يكون احتذاه على مثال، والرديء لا يعتبر به، وعلى أن الوزن لم يمكنه من سوق.
[ ١ / ٥٠٩ ]
وقال البحتري:
رحل الظاعنون عنك وأبقوا في حواشي الأحشاء حزنًا مقيما (١)
أين تلك الظباء أشبهن في الحسـ ن بدورًا وفي البعاد نجوما
قد وجدن السلو بردًا سلامًا إذا وجدنا الهوى عذابًا أليما (٢)
وهذا كلام حلو، وغرض حسن.
وقوله: «أشبهن في الحسن بدورًا وفي البعاد نجوما» أجود وألطف من قول أبي تمام: «قلما تعرف فقدًا للشمس حتى تغيبا» لأنه جمع البدر والنجوم في بيت، وجعل التشبيه بمعنيين مختلفين، وأيضًا فإن أبا تمام لم يصف المرأة في بيته بالحسن، والبيت من أوصاف النساء، ولا يقول مثله عاشق، وإنما يوصف بمثله صديق أو حميمـ فيقال: قد بان علي فقده لما غاب؛ أو يكون وصفًا لملك أو سيد فيقال: غاب فغاب عنا فضله ونائله، وبعد فبعد عنا خيره ومعروفه، كما يبعد ضوء الشمس والانتفاع بها إذا غابت.
ألا تراه لو كان مدحًا لرجل حتى يقول:
بين البين فقده قلما تعـ ـرف فقدًا للشمس حتى تغيبا
ولو كان من أقبح الناس صورة، بعد أن يكون كريمًا جوادًا، أو شجاعًا
محاميًا أن ذلك كان يكون حسنًا جميلًا، ومدحًا صحيحًا مستقيمًا؟!
وقد قال يرثي أسحاق بن أبي ربعي:
راحت وفود الأرض عن قبره فارغة الأيدي وملأى القلوب (٣)
قد علمت ما رزئت إنما يعرف فقد الشمس بعد الغروب (٤)
[ ١ / ٥١٠ ]
فههنا موضع هذا المعنى لا هناك.
ويقال في قول البحتري: «أشبهن في الحسن بدورًا وفي البعاد نجوما»:
إن البدر (١) أيضًا لا يوصل إليه، فهو بعيد المنال كبعد النجم، فلم خصَّ النجوم بالبعاد؟.
فالجواب: أن العادة لم تجر بأن يقال: أبعد من البدر، وإنما يقال: أبعد من النجم، فجعلهن في الحسن كالبدور، وفي بعد منالهن كالنجوم.
وهذا معنى لا مزيد على حسنه وصحته.
وإن حملت المعنى على أن البدر ليس ببعيد منا كبعد سائر النجوم، لأن بينه وبينها في البعد مسافة بعيدة، كان ذلك مذهبًا صحيحًا وقد استهجن ابن المعتز قوله: «في حواشي الأحشاء» وهو تجنيس إن لم يكن حلوًا لائقًا فليس بالهجين ولا الرديء القبيح.
وقال أبو تمام:
لا أنت أنت ولا الديار ديار [خف الهوى وتولت الأوطار] (٢)
كانت مجاورة الطلول وأهلها زمنًا عذاب الورد فهي بحار (٣)
أيام تدمى عينه تلك الدمى فيها وتقمر لبه الأقمار (٤)
إذ لا صدوف ولا كنود أسماهما كالمعنيين ولا نوار نوار (٥)
[ ١ / ٥١١ ]
بيض فهن إذا رمقن سوافرًا صور وهن إذا رمقن صوار (١)
في حيث يمتهن الحديث لذي الصبا وتحصن الأسرار والأسرار (٢)
قوله: «لا أنت أنت» لفظ من ألفاظ أهل الحضر، مستهجن وليس بجيد، لكن قوله: «ولا الديار ديار» كلام معروف من كلام العرب، مستعمل حسن أي ليست الديار ديارًا كما عهدت، مثل ما يقال في الإيجاب:
* إذ الناس ناس والزمان زمان (٣) *
أي كما عهدت قال جرير:
وكنا عهدنا الدار والدار مرة هي الدار إذ حلت بها أم يعمرا (٤)
وكما قال ابن حطان في النفي:
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ما الناس بعدك يا مرداس بالناس (٥)
فبنى أبو تمام على هذا قوله: «لا أنت أنت» أي لست أنت الذي كنت تعهد محبًا وامقًا، ذا مقة، أي قد تغيرت وتغيرت الديار.
وقوله: «فهي بحار»؛ والبحر: الماء والملح، ويقال: قد أبحر الماء، إذا صار ملحًا.
وقوله: «وتحصن الأسرار والأسرار» الأول جمع سر (٧)، يعني النكاح، والثاني يريد الحديث، أي هو محفوظ.
[ ١ / ٥١٢ ]
وقوله: «إذ لا صدوف ولا كنود أسماهما كالمعنيين» أي لا تصدف هذه، ولا تكند تلك، أي لا تقطع.
«ولا نوار نوار» أي ولا نوار نافر، أي هي آنسة غير نفور من الحديث والأنس، وإنما قال في موضع آخر:
* نوافر من سوء كما نفر السرب (١) *
لأنه أراد نفورهن من السوء، وهو الريبة.
وقال البحتري:
هذا العقيق وفيه مرأى مونق للعين لو كان العقيق عقيقا (٢)
أشقيقة العلمين هل من نظرة فتبل قلبًا للغليل شقيقا (٣)
وسمتك أودية السماء بديمة تحيي رجاء أو ترد عشيقا (٤)
ولئن تناول من بشاشتك الردى طرفًا وأوحش أنسك الموموقا (٥)
فلرب يوم قد غنينا نجتلي مغناك بالرشإ الأنيق أنيقا
على البخيلة أن تجود بها النوى والدار تجمع شائقًا ومشوقا (٦)
قوله: «لو كان العقيق عقيقا» كما عهدت، وهذا مثل قول أبي تمام: «ولا الديار ديار».
وبيت البحتري أجود، لأن صدره أحسن معنى من قول أبي تمام: «لا أنت أنت».
[ ١ / ٥١٣ ]
وأودية السماء: يريد المدود التي تجرى، والسماء: السحاب، والديمة: المطر يدوم أيامًا لا يقلع.
وقوله: «تحي رجاء» أي تخصب الموضع، فيعود إليه الظاعنون عنه.
وإنما ذهب إلى قول جرير:
ألا أيها الوادي الذي ضم سيله إلينا نوى ظمياء حييت واديا (١)
وهذا من حر الشعر، ورصين المعاني.
وقال أبو تمام:
وعهدي بها إذ ناقض العهد بدرها مراح الهوى فيها ومسرحه الخصب (٢)
مؤزرة من صنعة الوبل والندى بوشي ولا وشي وعصب ولا عصب (٣)
تحير في آرامها الحسن فاغتدت قرارة من يصبى ونجعة من يصبو (٤)
سواكن في بر كما سكن الدمى نوافر من سوء كما نفر السرب
كواعب أتراب لغيداء أصبحت وليس لها في الحسن شكل ولا ترب
لها منظر قيد النواظر لم يزل يروح ويغدو في خفارته الحب (٥)
[ ١ / ٥١٤ ]
يظل سراة القوم مثنى وموحدًا نشاوى بعينيها كأنهم شرب (١)
قوله: «مراح الهوى فيها ومسرحه الخصب» أي الهوى مخصب فيها لكثرة الحسن بها في مراحه ومسرحه.
وقد يكون أراد خصب النبات لأنه قال بعده: «مؤزرة من صنعة الوبل والندى».
والمعنى الأول أجود وألطف، ولا يكون هذا البيت متعلقًا بما قبله.
وقوله: تحير في آرامها الحسن فاغتدت قرارة من يصبى ونجعة من يصبو
فإنه من حلو الكلام.
وقوله: «سواكن في بر كما سكن الدمى» فالدمى: الصور، جمع دمية، أي هن سواكن في بر، أي في صلاح، كما سكن الصور، لأن الصور سواكن بلا حركة، كأنه ينسبهن إلى الوقار وقلة الأسر، وهذه صفة العفائف من النساء.
وقوله: «نوافر من سوء كما نفر السرب» فالسرب: الجماعة من الظباء والقطا، ومن بقر الوحش أيضًا إلا أن المستعمل في بقر الوحش، والمستعمل في الربرب (٢).
وقوله: «أتراب الغيداء» أي أتراب لها سنيها، وليس لها في الحسن ترب.
وقوله: «يروح ويغدو في خفارته الحب» أي لا يلحق الحب معه آفة من ثلم ولا نقص ولا تغير ولا ضعف، وهذه كلها معان حسنة متقنة، وألفاظ
[ ١ / ٥١٥ ]
بارعة فصيحة، إلا البيتين الأولين، فإن فيهما اضطرابًا، والبدر أيضًا ليس هذا موضعه، وإنما يحسن ذكر البدر في مثل هذا إذا كان في الكلام ذكر لسماء أو نجوم أو ليل.
لو قال: «إذ ناقض العهد ريمها» كان أشبه وأليق.
وقد قال البحتري في مثل هذا، ولكنه فيه أعذر من أبي تمام، وذلك قوله:
ربع خلا من بدره مغناه ربحت به عين المهى الأشباه
أراد أن ربع المرأة خلا منها، وخلفتها العين التي هي أشباه يشبه بعضها بعضًا، وباعد المرأة من شبهها فجعلها بدرًا، أي أخلى الربع من هو كالبدر، وخلفته العين، كأنه يخسس أمرها، كما يقال: انظروا من بقي ومن مضى، فاحتاج البحتري إلى ذكر البدر [أكثر] (١) من حاجة أبي تمام إليه في قوله: «وعهدي بها إذ ناقض العهد بدرها».
وأحسن من هذا وأجود لفظًا ومعنى قول البحتري [أيضًا] (١):
وعهدي بها من قبل أن يحكم النوى على عينها ألا تذم عهودها (٢)
بعيدة ما بين المحبين والجوى ومجموعة غيد الليالي وغيدها (٣)
قوله: ومجموعة غيد الليالي وغيدها، لفظ ومعنى ما لحسنها نهاية.
وإنما أخذ المعنى من قول أبي تمام:
كواعب زارت في ليال قصيرة يخيلن لي من حسنهن كواعبا (٤)
[ ١ / ٥١٦ ]
وبيت البحتري أجود لفظًا، وأحلى سبكًا.
وقال أبو تمام:
أزعمت أن الربع ليس يتيم والدمع في دمن لا يسجم (١)
يا موسم اللذات غالتك النوى بعدي فربعك للصبابة مواسم
ولقد أراك من الكواعب كاسبًا فاليوم أنت من الكواعب محرم
لحظت بشاشتك الحوادث لحظة ما زلت أعلم أنها لا تسلم
وهذا كله جيد، ويأتي بعد هذه الأبيات ما هو جيد نادر، ورديء ساقط.
وقد ذكرت ذلك في باب الغزاء في أوصاف النساء.
وقوله: «أزعمت أن الدمع ليس يتيم» معنى حسن، وقد أورده البحتري أحسن من هذا الإيراد (٢) وألطف، فقال وهو من إحسانه المشهور:
لقينا باللوى فكأنما لقينا الغواني الآنسات عواطلا (٣)
وقتل المحبين العيون ولم أكن أظن الرسوم الدارسات قواتلا
هواجر شوق لو تشاء يد النوى لجادت بمن تهوى فعادت أصائلا (٤)
ومذهب حب لم أجد عنه مذهبًا وشاغل بث لم أجد عنه شاغلا
وهذا الذي طلبته الشعراء، فأعجزها إدراكه.
وقال وقال أبو تمام:
طلل وقفت عليه أسأله إلى أن كاد يصبح ربعه لي مسجدا (٥)
[ ١ / ٥١٧ ]
وظللت أنشده وأنشد أهله والحزن خدني ناشدًا أو منشدا (١)
سقيًا لمعهدك الذي لو لم يكن ما كان قلبي للصبابة معهدا
قوله: «إلى أن كاد يصبح ربعه لي مسجدًا» كأنه أراد أن يؤكد طول وقوفه في الربع، كما يقف المصلى في المسجد، وربما أطال الوقوف.
وقوله: «وظللت أنشده» أي أعرفه أصحابي، وأقول: هذا هو الربع أو الطلل، يقال: أنشدت الضالة بالألف: إذ عرفتها، ونشدتها: إذا طلبتها، فقوله: «أنشد أهله» أي أطلبهم كما يطلب الناشد ضالته.
والحزن خدني، أي صاحبي في الحالين.
وهذه أبيات لا حلاوة لها، ولا طلاوة عليها، ولكن الحلو العذب على هذا الوزن قول البحتري:
عهدب بربعك للغواني معهدا نضبت بشاشة أنسه فتأبدا (٢)
بخلت جفون لم تعرك دموعها وقسا فؤاد لم يبت بك مقصدا
ما هاج لي نوح الحمام وما دعا من صبوتي وصبابتي إذ غردا
وقال أبو تمام:
ولقد سلوت لو أن دارًا لم تلح وحلمت لو أن الهوى لم يجهل (٣)
ولطالما أمسى فؤادك منزلا ومحله لظباء ذاك المنزل (٤)
إذ فيه مثل المطفل الظمأى الحشا رعت الخريف وما القتول بمطفل (٥)
[ ١ / ٥١٨ ]
وقال أبو تمام يصف المنزل أيضًا:
ولئن نوى بك ملقيًا أجرامه ضيف الخطوب لقد أصاب مضيفا (١)
وهي الفجائع لم تزل نكباتها يألفن ربع المنزل المألوفا
خلفت بعقوتك السنون وطالما كانت بنات الدهر عنك خلوفا
أيام لا تسطو بأهلك نكبة إلا تراجع صرفها مصروفا (٢)
وإذا رمتك الحادثات بلحظها ردت ظباؤك طرفها مطروفا
وقال أبو تمام أيضًا:
سلم على الربع من سلمى بذي سلم عليه وسم من الأيام والقدم (٣)
ما دام عيش لبسناه لساكنه لدنا ولو أن عيشًا دام لم يدم (٤)
يا منزلًا أعنقت فيه الجنوب على رسم محيل وشعب غير ملتئم
هرمت بعدي والربع الذي أفلت منه بدورك معذور على الهرم
عهدي بمغناك حسان المعالم من حسانة الورد والبردي والعنم (٥)
بيضاء كان لها من غيرنا حرم فلم نكن نستحل الصيد في الحرم
كانت لنا صنمًا نحنوا عليه ولم نسجد كما سجد الأفشين للصنم
قوله: «لو أن عيشًا دام لم يدم» أي لو دام مدة من المدد أو دهرًا من الدهور لم يدم، أي لا نقطع ونفد، ولم يكن بد من أن يتصرم، وقوله:
[ ١ / ٥١٩ ]
«هرمت بعدي» كلام رذل سخيف، قد عابه الناس فيما عابوه من ألفاظه.
وقوله: «حسانة الورد»، يريد الخد.
والبردي: يريد الساق، وإنما يعني أصول البردي، وهو أبيض غض أملس، يشبه به الساق، والعنم: نبت له أغصان دقاق، تشبه بها الأصابع.
وقوله: «بيضاء كان لها من غيرنا حرم» فالحرم: هو المكان الذي قد حرم أن يصاد فيه صيد، فهو حرز له وملجأ، يريد به زوج المرأة، أي كان لها حرم من غيرنا، ولم نكن نحن حرمها.
ويروى: «كان لنا من غيرها حرم» يريد: كانت لنا زوجة هي حرمنا، فلم نكن نستحل معها غيرها أو لم نكن نستجيز خيانتها، كما قالت ليلى الأخيلية:
لنا صاحب ما نبتغي أن نخونه وأنت لأخرى صاحب وخليل (١)
وقوله: «كانت لنا صنمًا» أراد أن يقول: نعكف عليه، فلم يستقم له، فقال: نحنوا عليه، وهي لفظة غير مستعملة في هذا الموضع، وإن كان لها اقتراب من «نعكف» ومشاركة.
وقوله: «ولم نسجد» معنى رديء لا يليق بالمكان، وإنما كان يجب أن يقول: ولو جاز السجود لسجدنا، حتى يكون قد وفى الحب حقه، واستعمل المعنى المعتاد في مثل هذا، وإلا فأي فائدة في أن يقول القائل في شعره: قد أحببت ولكن لم أجعل محبوبي ربًا أعبده، وهويت ولكن لم أجن جنون قيس بن معاذ العامري؟ لأن من شأن العاشق أن يشكو ما يمر به ويقاسيه،
[ ١ / ٥٢٠ ]
ويكذب في أكثر أحواله تقربًا إلى محبوبه، فأما أن يركب مثل هذا المعنى فلا، وقد يجوز أن يقول قائل: إذا أراد عذل محب آخر ليقصر.
وإنما قصد أبو تمام ذكر الأفشين، فخرج في المعنى عن العادة وجاء بما لا فائدة فيه.
وقال أبو تمام:
عفت أربع الحلات للأربع الملد لكل هضيم الكشح مغربة القد (١)
لسلمى سلامان وعمرة عامر وهند بني هند وسعدى بني سعد (٢)
ديار أراقت كل عين شحيحة وأوطأت الأحزان كل حشأ صلد (٣)
فلا تسألاني عن هوى قد طعمتما جواه فليس الوجد إلا من الوجد (٤)
قوله: «أربع الحلات» يريد جمع حلة، وهي المنزل الذي يحلونه (٥).
وقوله: «للأربع الملد» أي للأربع من النساء الملد، وهن الغضات النواعم، ومنه قولهم: غصن أملود: إذ كان كذلك، وهذا لفظ لا حلاوة له، وقد مضى التفسير عند ذكر هذا البيت في الابتداءات (٦).
[ ١ / ٥٢١ ]
وقوله: فليس الوجد إلا من الوجد أي من الوجد الذي تعرفانه.
ومن جيد هذا الباب ونادره، قول البحتري:
نعم قد تشاكينا على الشعب ساعة ومن دونه شعب لليلى مفرق (١)
على دمنة فيها لأدمانة النقا محاسن أيام تحب وتعشق (٢)
وقفت وأوقفت الجوى موقف الهوى ليالي عود الدهر فينان مورق (٣)
فحرك بثي ربعها وهو ساكن وجدد وجدي رسمها وهو مخلق (٤)
قوله: «فحرك بثي ربعها وهو ساكن وجدد. . . .» معنى مقول، أخذه من قول الموبذ في كسرى عند وفاته: حركنا بسكونه، ويقال: قيلت للإسكندر، وأخذه أبو العتاهية، فقال:
قد لعمري حكيت لي غصص المو ت وحركتني لها وسكنتا (٥)
وقال أبو تمام:
لو أن دهرًا رد رجع جواب أو كف من شأويه طول عتاب (٦)
لعذلته في دمنتين بأمره ممحوتين لزينب ورباب (٧)
[ ١ / ٥٢٢ ]
ثنتين كالقمرين حف سناهما بكواعب مثل الدمى أتراب (١)
من كل ريم لم ترم سوءًا ولم تخلط صبا أيامها بنصاب
قوله: «لعذلته في دمنتين» معنى سخيف، وإبداع غير حسن ولا جميل.
وقد اعتذر أبو نواس إلى الربع (٢): بأنه لم يقدر على دفع ضرر البلى والدروس عنه، وأنه لا يدري ما يقول في ذلك لسعاد؛ فجاءنا بآبدة أخرى ظريفة عجيبة، وقد رأيت غير واحد من الشيوخ يستحسنه لغرابة معناه.
وذلك قوله:
أربع البلى إن الخشوع لبادي عليك وإني لم أخنك ودادي (٣)
فمعذرة مني إليك بأن ترى رهينة أرماس وصون عواد (٤)
ولم أدرأ الضراء عنك بحيلة فما أنا منها قائل لسعاد
وهذا ليس على طريقة العرب ولا مذاهبهم، وإذا اعتمد الشاعر الإبداع فمن سبيله ألا يخرج عن سنن القوم، فإنه لم يخطر [فيه] (٥) عليه مستغرب المعاني ومستظرفها.
وما أحسن المعنى الصحيح إذا أتى به الطبع النقي، وكان قائله مخبرًا بالأمر على ما هو، وذلك نحو قول البحتري:
وما أعرف الأطلال من بطن توضح لطول تعفيها ولكن إخالها (٦)
[ ١ / ٥٢٣ ]
إذا قلت: أنسى دار ليلى على البلى تصور في أقصى ضميري مثالها (١)
وكنت أرجي وصلها عند هجرها فقد بان مني هجرها ووصالها
فلا عهد إلا أن يعاود ذكرها ولا وصل إلا أن يطيف خيالها (٢)
وهذا هو الشعر الذي لم تشن وجهه الاستعارة البعيدة، ولا المعنى المتمحل.
وقال الحارث بن خالد المخزومي في ضد قول البحتري: «وما أعرف الأطلال» وأحسن كل الإحسان، وأبدع وأغرب، وذلك قوله:
عفت الديار فما بها أهل أجراعها ودماثها السهل (٣)
أني وما نحروا غداة منى عند الجمار تؤودها العقل
لو بدلت أعلى منازلها سفلًا وأصبح سفلها يعلو
لعرفت مغناها احتملت مني الضلوع لأهلها قبل
ويكاد يعرفها الخبير بها فيرده الإقواء والمحل (٤)
وأقول الآن في الموازنة: إن أهل الصنعة يفضلون كل ما قاله أبو تمام على أكثر ما قاله البحتري في هذا الباب، ويقولون: إن أبا تمام استقصى الوصف في نعوت النساء، وأحسن وأجاد.
وقد كان ذاك لعمري (٥) مع ما فيه من الإساءات والألفاظ الرديئة التي ذكرتها.
[ ١ / ٥٢٤ ]
والمطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عندهم من جهة استقصاء المعاني والإغراق في الوصف؛ وإنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني، وأخذ العفو منها، كما كانت الأوائل تفعل، مع جودة السبك، وقرب المأتى.
والقول في هذا قولهم، وإليه أذهب، إلا أني أجعلهما في هذا الباب متكافئين، لكثرة إحسان أبي تمام فيه.
[ ١ / ٥٢٥ ]