قال أبو تمام:
نظرت إليه فما استتمت لحظها حتى تمنت أنها لم تنظر (١)
ورأت شحوبًا رابها في وجهه ماذا يريبك من جواد مضمر (٢)
غرض الحوادث لا تزال ملمة ترميه عن شزر بأم حبوكر (٣)
سدكت به الأقدار حتى إنها لتكاد تفجؤه بما لم يقدر (٤)
وهذا ما لا غاية وراءه في الحسن والصحة والبراعة.
قوله: «سدكت به الأقدار»، أي لزمته، وغريت به.
وقال البحتري نحو هذا البيت الأخير ولكن على وجه آخر وأحسن وأجلى، قال:
ولو فاتني المقدور مما أرومه بسعي لأدركت الذي لم يقدر (٥)
وقال أبو تمام:
نكرت فتى ألوى بنضرة وجهه وبمائه نكد الخطوب ولومها (٦)
[ ٢ / ٢٨٧ ]
لا تنكري شيمي فإني زائدي حزمًا حضار النائبات وشيمها (١)
فلقبل أظهر صقل سيف أثره فبدا وهذبت القلوب همومها
والحادثات وإن أصابك بؤسها فهو الذي أنباك كيف نعيمها
حضار النائبات: بيضها، وشيمها: سودها، يريد أنه يزيد في حزمه ومعرفته بالأمور ما يقاسيه من الخير والشر.
وقال:
لا يطرد الهم إلا الهم من رجل مقلقل لبنات القفرة النعب (٢)
لا تنكري منه تحديدًا تجلله فالسيف لا يزدري إن كان ذا شطب (٣)
وهذا كله جيد بالغ حسن نادر.
وقال البحتري:
ما تنكر الحسناء من متوغل في الليل يخلط أينه بسهوده (٤)
قد لوحت منه السهوب وأثرت في يمنتيه وعنسه وقتوده
فلفضة السيف المحلى حسنه متقلدًا ومضاؤه لحديده
تم الباب
وهذا ما قلت أذكره في آخر الباب من حال قيس بن زهير، والحارث بن مضاض، والبراض.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
فأما قيس بن زهير العبسي فإن بني بدر الفزاريين قتلوا أخاه مالكًا فنشبت الحرب بين عبس وذبيان ابني (١) بغيض.
وكان سبب ذلك رهان داحس والغبراء فقتل قيس حذيفة بن بدر وحمل ابن بدر وغيرهما، ودامت (٢) الحرب بينهما دهرًا طويلًا حتى كادوا يفنون.
وتشاءمت العرب بقيس، وكان سيدًا حكيمًا حليمًا، فقال: لا أقيم ببلاد قتلت بها سادات قومي ولم أحلم، ولم أقرب، ولم أصلح فقال:
تعلم أن خير الناس ميتًا على جفر الهباءة ما يريم (٣)
ولولا ظلمه ما زلت أبكي عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر بغى والبغي مرتعه وخيم
أظن الحلم دل على قومي وقد يستجهل الرجل الحليم
ثم خرج ضاربًا في البلاد على وجهه متخليًا من كل أهل ومال، وصار إلى بعض نواحي عمان فهلك هناك وله في هلاكه خبر، فهذه غربة قيس.
وأما غربة الحارث بن مضاض الجرهمي فإنه كان سيد جرهم في زمانه، وكان إلى قومه حجابة بيت الله الحرام بمكة فغلبتهم عليه خزاعة، فخرجوا وتفرقوا في البلاد.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وفي ذلك يقول الحارث:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر (١)
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا صروف الليالي والجدود العواثر
ويقال: بل قائل هذه الأبيات بكر بن غالب بن الحارث بن مضاض.
فأما فتكة البراض، فهو براض بن قيس بن رافع الكناني، أحد بني مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس، وتكته كانت بعروة (٢) الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، وكانت من أجله وقعة «الفجار العظمى» (٣).
وسبب ذلك أن البراض وكان رجلًا شريرًا فاتكًا صار إلى النعمان بن المنذر، ولما حضر الموسم جهز اللطيمة إلى سوق عكاظ، وهي من كل المتاع، ولا يقال لها لطيمة إلا إذا كان فيها مسك وطيب، فقال النعمان: من يجيزها؟، قال البراض: أنا أجيزها على قومي بني كنانة (قال: وعلى العرب أجمعين) (٤) قال البراض: وعلى بني كنانة.
قال: نعم، على العرب والعجم، وعلى الجن والإنس، فسار فيها عروة، وأتبعه البراض حتى إذا كان بذي طلال قريبًا من خيبر حمل عليه فقتله، وكانت الحرب.
[ ٢ / ٢٩٠ ]