وجدت أهل النصفة من أصحاب البحتري ومن يقدم مطبوع الشعر دون متكلفه لا يدفعون أبا تمام عن لطيف المعاني ودقيقها، والإبداع والإغراب فيها، والاستنباط لها، ويقولون: إنه وإن اختل في بعض ما يورده منها فإن الذي يوجد فيها من النادر المستحسن أكثر مما يوجد من السخيف المسترذل، وإن اهمامه بمعانيه أكثر من اهتمامه بتقويم ألفاظه، على كثرة غرامه بالطباق والتجنيس والمماثلة، وإنه إذا لاح له أخرجه بأي لفظ استوى من ضعيف أو قوي.
وهذا من أعدل كلامٍ سمعته فيه، وإذا كان هذا هكذا فقد سلموا له لاشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني، وبهذه الخلة دون ما سواها فضل امرؤ القيس؛ لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة فوق ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية والاسلام، حتى إنه لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أن تشتمل من ذلك على نوع أو أنواع، ولولا لطيف المعاني
[ ١ / ٤٢٠ ]
واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره، ولكان كسائر شعراء أهل زمانه؛ إذ ليست له فصاحة توصف بالزيادة على فصاحتهم ولا لألفاظه من الجزالة والقوة ما ليس لألفاظهم، ألا ترى أن العلماء بالشعر إنما احتجوا في تقديمه بأن قالوا: هو أول من شبه الخيل بالعصى، وذكر الوحش والطير، وأول من قال " قيد الأوابد " وأول من قال كذا، فهل هذا التقديم له إلا لأجل معانيه؟
وقالوا: وإذا كان قد اضطرب لفظ أبي تمام واختل في بعض المواضع، فهل خلا من ذلك شاعر قديم أو محدث؟ هذا الأعشى يختل لفظه كثيرًا، ويسفسف دائمًا، ويرق ويضعف، ولم يجهلوا حقه وفضله حتى جعلوه نظير النابغة، وألفاظ النابغة في الغاية من البراعة والحسن، وعديلًا لزهير الذي صرف اهتمامه كله إلى تهذيب ألفاظه وتقويمها، وألحقوه بامرئ القيس الذي جمع الفضيلتين؛ فجعلوهم طبقةً، وصار فضل كل واحد من غير الوجه الذي فضل به صاحبه، ولو أن أبا تمام حي يخلو من كل لفظ جيد البتة أو لو أنه قال بالفارسية أو الهندية:
[ ١ / ٤٢١ ]
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال الناء فيما جاورت ما كان يعرف فضل عرف العود
أو قال:
هي البدر يغنيها تودد وجهها إلى كل من لاقت، وإن لم تودد
أو ما أشبه هذا من بدائعه حتى يفسره بكلام عربي منثور، أما كان هذا يكون شاعرًا محسنًا باعثًا شعراء زمانه من أهل اللغة العربية على طلب شعره وتفسيره واستعارة معانيه؟ فكيف وبدائعه مشهورة، ومحاسنه متداولة، ولم يأت إلا بأبلغ لفظٍ وأحسن سبكٍ؟
[ ١ / ٤٢٢ ]