ووجدت أكثر أصحاب أب يتمام لا يدفعون البحتري عن حلو اللفظ، وجودة الرصف، وحسن الديباجة، وكثرة الماء؛ وأنه أقرب مأخذًا، وأسلم طريقًا من أبي تمام، ويحكمون - مع هذا - بأن أبا تمام أشعر منه، وقد شاهدت وخاطبت منهم على ذلك عددًا كثيرًا، وهذا مذهب جل من يراعى مما يراعيه من أمر الشعر دقيق المعاني، ودقيق المعاني موجود في كل أمة، وفي كل لغة، وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتى، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تمون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه؛ فإن الكلام لا يكتسى البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري.
[ ١ / ٤٢٣ ]
قالوا: وهذا أصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر؛ لأن الشعر أجوده أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصانًا يقف دون الغاية، وذلك كما قال البحتري:
والشعر لمحٌ تكفى إشاره وليس بالهذر طولت خطبه
وكما قال أيضًا:
ومعانٍ لو فصلتها القوافي هجنت شعر جرولٍ ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختيارًا وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ الغريب فأدرك ن به غاية المرام البعيد
فإن اتفق - مع هذا - معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن؛ فذلك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه.
قالوا: وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة، وكانت عبارته مقصرة عنها، ولسانه غير مدركٍ لها حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان أو حكمة الهند أو أدب الفرس، ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، وإن اتفق في تضاعيف ذلك شيء من
[ ١ / ٤٢٤ ]
صحيح الوصف وسليم النظم قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعانٍ لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيما، أو سميناك فيلسوفا، ولكن لا نسميك شاعرًا، ولا ندعوك بليغًا؛ لأن طريقتك ليست على طريقة العرب، ولا على مذاهبم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء، ولا المحسنين الفصحاء، وينبغي أن تعلم أن سوء التأليف وردئ اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميه حتى يحتاج مستمعه إلى طول تأمل، وهذا مذهب أبي تمام في عظم شعره، وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاءً وحسنًا ورونقًا حتى كأنه قد أحدث فيه غرابه لم تكن، وزيادةً لم تعهد، وذلك مذهب البحتري، ولذلك قال الناس: لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر أبي تمام، وإذا جاء لطيف المعاني في غير بلاغة ولا سبك جيدٍ ولا لفظ حسن كان ذلك مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق، أو نفث العبير على خد الجارية القبيحة الوجه.
وأنا أجمع لك معاني هذا الباب في كلمات سمعتها من شيوخ أهل العلم
[ ١ / ٤٢٥ ]