قال أبو تمام:
أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ورقاء حين تضعضع الإظلام (١)
لا تنشجن لها فإن بكاءها ضحك وإن بكاءك استغرام
هن الحمام فإن كسرت عيافة من حائهن فإنهن حمام (٢)
قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» أي وهت، وانحل نظامها.
وقوله: «حين تضعضع الإظلام»: أي حين تقوض غلا أقله.
والنشيج: البكاء.
وههنا معارضات ومعارضات عورض بها أبو تمام في هذه الأبيات، وهي أن قيل:
قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» إنكار على نفسه البكاء من أجل دعاء حمامة، كأنه يخسس (٣) أمرها، فما وجه قوله: «فإنهن حمام» فسهل أمرها أولًا، ثم أعظمه هذا التعظيم آخرًا، هذا عين المناقضة.
ثم من ذا رآه قتله بكاء الحمام (٣) حتى يجعلهن حماما؟ وزعم أن بكاءها ضحك، والحمام إنما ينوح لفقد إلفه وفراخه فيطيل الترنم والنوح، فكيف يكون ذلك ضحكًا أو كالضحك؟
[ ٢ / ١٤٢ ]
فقيل للمعارضين: وأي دليل في [قوله] (١): «أتضعضعت عبرات عينك أن (٢) دعت ورقاء» على أنه خسس (٣) أمر الورقاء وهي الحمامة، وحقره حتى يكون قوله: فإنهن (٤) حمام نقضًا لهذا المعنى.
فقالوا: هذا مذهب من مذاهب العرب معروف في تهوين أمر الحمامة، وتعنيف من يبكي لبكائها، ومن ذلك قول البحتري بن عزافر الحرشي:
أإن غردت يومًا بواد حمامة بكيت ولم يعذرك بالجهل عاذر
فقوله: «أإن غردت حمامة بكيت» تهوين لأمر الحمامة في تغريدها، أي ذلك لا يوجب البكاء، وهذه الألف تسمى ألف التوبيخ.
ونحوه قول ابن الدمينة:
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى على غصن غض النبات من الرند (٥)
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن جليدًا وأبديت الذي لم تكن تبدي
فقال: «بكيت كما يبكي الوليد» يعني الصبي.
ومقله قول الأحوص:
أأن نادى هديلًا يوم فلج مع الإشراف في فنن حمام
ظللت كأن دمعك در سلك هوى نسقًا وأسلمه النظام
ونحوه قول آخر من بني قشير وأنشده أبو حاتم:
أتجزع أن ورق الحمام تغردا بكى شجوه أو جاوب اليوم هدهدا (٦)
[ ٢ / ١٤٣ ]
ومثله في أشعارهم كثير (١) موجود.
وإلى هذا المعنى ذهب أبو تمام في قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» كأنه يوبخ نفسه على البكاء من أجل بكاء حمامة، ولما قال: «فإنهن حمام»، كانت هذه مناقضة ظاهرة.
وهذه (٢) -لعمري- معارضة، غير أن أبا تمام قد يجوز أن لا يكون اعتمد تهوين أمر الحمامة كما اعتمد هؤلاء الشعراء، وأن يكون توبيخه (٣) لنفسه على هذا الوجه، بل إنما أراد: لا تبك لبكاء الحمام، فإنك لم تسمعه دائمًا يغرد، فإن كنت كلما سمعته بكيت وحزنت طال بكاؤك وحزنك وذلك كما قال الآخر (٤):
أأن زم أجمال وفارق جيرة وصاح غراب البين أأنت حزين؟
وقد عيب هذا الشاعر في هذا (٥) المعنى، وقيل: إذا كان هذا لا يحزن فأي شيء يحزن؟
ولا شك في أن ظاهر هذا القول قبيح؛ لمخالفته ما في عادات الناس، إلا أني أظن هذا الشاعر ما ذهب في هذا القول إلى تهوين هذه الأشياء وتحقيرها، وإنما أراد أن مثل هذا يقع دائمًا، فإن (٦) كان كلما شاهدته ورأيته حزنت، طال حزنك.
[ ٢ / ١٤٤ ]
وقد قال مرة النهدي:
أأن سجعت في بطن واد حمامة تجاوب أخرى ماء عينيك غاسق (١)
كأنك لم تسمع بكاء حمامة بليل ولم يحزنك إلف مفارق
ولم تر مشغوفًا بشيء تحبه سواك ولم يعشق كعشقك عاشق (٢)
فقال: «أأن سجعت» يوبخ نفسه على البكاء لبكاء حمامة، ولم يذهب في ذلك إلى تخسيس أمرها، بل إلى ما قد دل عليه [قوله] (٣): «كأنك لم تسمع بكاء حمامة»، أي قد حزنت لذلك (٤) كثيرًا، وبليت للحزن على مفارقة الإلف دائمًا، ورأيت من حاله كحالك أبدًا، فينبغي أن تقصر.
فكذلك هؤلاء الشعراء في الأبيات المتقدمة جائز أن لا يكونوا هونوا أمر الحمامة، إن كانوا اعتمدوه، على أنه هين عندهم وعلى (٥) الحقيقة إنما ذهبوا في ذلك إلى أن يردعوا نفوسهم عن البكاء، فغير منكر ممن أراد أن يردع نفسه عن شيء أن يهون السبب الجالب لذلك (٦) الشيء ويحقره، وإن كان عظيمًا.
غير أن أبا تمام أوقع التوبيخ على نفسه كما فعلوا، وذهبوا إلى تهوين أمر الحمامة، وذهب هو إلى تعظيمه في قوله: «فإنهن حمام»، فقوافقهم في التوبيخ، وخالفهم في المعنى، كقائل قال لرجل: أمثلك يسامي عمرا؟
[ ٢ / ١٤٥ ]
ويقول له قائل آخر كهذا القول سواء، ويكون أحدهما مصغرًا [له] (١) عن مساماة عمرو، والآخر مكبرًا معظمًا، فيستويان في اللفظ، ويختلفان في المعنى.
وقد تقدم الناس أبا تمام في مثل قوله: «فإنهن حمام»، وقد ذكروا أن تغريد الحمام يبلي، ويميت، ويقتل، وهو المذهب الأعم الأكثر فمن ذلك قول «نصيب»:
محلاة طوق كان من غير شربة بمال ولم تغرم له جعل درهم
أموت لتبكاها أسى إن عولتي ووجدي بسعدى جوه غير منجم (٢)
وقال [آخر] (٣):
ألا يا حمامات اللوى عدن عودة فإني إلى أصواتكن حزين (٤)
فعدن فلما عدن كدن يمنني وكدت بأحزاني لهن أبين
[وقال آخر:
وهيجتني فاهتجت للشوق والصبا مطوقة خطباء عال رنينها
تموت لها نفس الحزين صبابة إذا ما دعت وهنًا وغنت غنونها] (٥)
[ ٢ / ١٤٦ ]
وقال [آخر]:
ألا يا حمام الشعب من غيضة اللوى ردي الماء لا تؤخذ عليك الكظائم (١)
حمائم قد أبلتني وقتلنني كأن لم يهم قبلي من الناس هائم
وذكر هذا أنهن (٢) أبلينه وقتلنه فما وجه الإنكار على أبي تمام قوله: «فإنهن حمام»؟.
فإن قيل: إنما أراد هؤلاء الشعراء إماتة الحب، وقتل الحب الذي هو التذليل والتتيم، ولم يريدوا القتل الذي هو الإتيان على النفس، ولا الموت الوحي [والحمام] (٣) ليس من هذا في شيء؛ وإنما قدر الموت المقدور، وقضاؤه المحتوم، يقال: قد حم الأمر إذا قضى وقدر، قال «الراعي»:
* وما حم من قدر يقدر (٤) *
قيل: إذا استعمل الموت على المجاز فقضاء الموت، وقدره أيضًا يستعمل على المجاز؛ لأنك إذا قلت على المجاز: في هذا الأمر إذا ارتكبته قتلى، أو موتى قلت أيضًا على المجاز: في هذا الأمر حمامي، وقد ذكر الحمام على الوجه كما ذكر الموت والقتل، فقال [الفزاري:
* وأوردني يوم العذيب حمامي *
ولم يمت يوم العذيب، ومثله كثير موجود] (٥).
وأما إنكارهم قوله (٦): «فإن بكاءها ضحك» وقولهم: إن الحمامة
[ ٢ / ١٤٧ ]
تغرد لفقد إلفها وفرخها، وتكثر النوح عليهما، فكيف يكون ذلك ضحكًا؟
فالجواب عن هذا: أن ذلك التغريد قد يسمع منها وإلفها معها، وتفعله وهي في عشها مع فرخها، والمشاهدة لهذا أكثر وأعم، ويسمى ذلك التغريد نوحًا؛ ألا ترى إلى قول الشاعر:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر وغصنك مياد ففيم تنوح (١)
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ومن دون أفراخي مهامه فيح
ولهذا قال ورد بن الجعد:
أحقًا يا حمامة بطن واد بأنك في بكائك تصدقينا (٢)
غلبتك في البكاء بأن ليلي أواصله وأنك تهجعينا (٣)
وأني إن بكيت بكيت حقًا وأنك في بكائك تكذبينا (٤)
فمن ههنا قال أبو تمام: «لا تنشجن لها فإن بكاءها ضحك»، أي ليس هناك بكاء على الحقيقة، ولا حزن على الصحة، وإنما يشجوك تغريدها لأن لها تلحينًا وترجيعًا كأنه صوت نائح؛ ومن أجل ذلك ادعت الأعراب أن فرخ حمام كان على عهد نوح يقال له (٥) الهديل صاده بعذ جوارح الطير، فيزعمون أنه ما من حمامة إلا وهي تبكي عليه، وهذا من خرافات الأعراب، وإنما قالوا ذلك لما رأو الحمام على كل حال يغرد هذا التغريد
[ ٢ / ١٤٨ ]
الشجي فسموه نوحًا وبكاءًا [واحتراقًا] (١) واخترعوا له هذا الحديث، وذكروه في أشعارهم (٢).
فمن ذلك قول الكميت:
وما من تهتفين له بنصر بأقرب جابة لك من هديل (٣)
وقال نصيب:
فقلت: أتبكي ذات طوق تذكرت هديلًا وقد أودى وما كان تبع (٤)
أي أودي قبل تبع.
وقال نصيب أيضًا:
هتوف الضحى ورقاء يذكرك الهوى بكاها هديلًا شجوه حين تهتف.
وقوله: شجوه أي بشجوه.
وقال آخر:
أيبكي هديلًا بالعشي وبالضحى على الطلح قمري الحمام المغرد
وقال آخر:
إني تكرني سلمى مطوقة تدعو هديلًا على أفنان أغصان
ومثل هذا كثير في أشعارهم جدًا، ولا يكادون يخرجون في نوح الحمام عن أن يجعلوه على الفرخ القديم، أو على إلف مارق؛ وذلك لرقة
[ ٢ / ١٤٩ ]
تغريدها، وشدة تشوق من يسمع ذلك إلى إلفه، قال رجل من بني نهشل:
أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه [وأصبر عنها إنني لصبور (١)
وقال جميل] (٢):
أيبكي حمام الأيك من أجل إلفه وأصبر مالي عن بثينة من صبر
وقال آخر:
ألا يا حمام الأيك مالك باكيًا أفارقت إلفًا أم جفاك حبيب (٣)
ومع هذا فقد جعلوا تغريدها أيضًا غناء، لأن من الغناء ما يشجوك فيحزنك، ومنه ما يشرك فيطربك، ولهذا ما جعلوا (٤) نوح الحمام تفجعًا، وسموه غناءً، وبكاء في حال واحدة، ومنه قول الأحوص:
أهاج لك الصبابة أن تغنت نطوقة على فنن بكور
تفجع فوق غصن من أراك وتحت لبانها فنن نضير
فجعل غناءها تغجعًا.
وقال علي بن عميرة الجرمي:
لقد هاج ذكري أم عمرو حمامة بنعمان غنتنا غناء مرجعا
بكت ساق حر بالمراويح وانتحت بها الريح في واد أراض وأمرعا (٥)
فقال غنتنا ثم قال: بكت ساق حر، فجعل غناءها بكاءً.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وقال آخر:
تغنت برأد من ضحاها فأسمعت أخا طرب قد أسلمته عواذله (١)
إذا سجعت كرت بجرس كأنه وتحوب ثكلى زايلت من تزايله (٢)
فجعل بكاءها كتحوب (٣) ثكلى.
وقال النابغة:
بكاء حمامة تدعو هديلًا مفجعة على فنن تغني (٤)
فجعلها باكية، مفجعة، مغنية.
وقال نصيب:
لقد كدت تبكي أن تغنت حمامة على رأدة الأفنان ناعمة الأصل
تهز بها الريح الضعيفة غصنها مرارًا فتدني فرعه ثم تستعلي
بهاتفة لا تبرح الدهر والهًا على إثر إلف أو تنوح على شكل
فقال: تغنت، ثم جعلها والهًا، ونائحة على شكل، أي على شبه ومثل.
وقال نصيب:
وقد هاجني للشوق نوح حمامة هتوف الضحى هاجت حمامًا فغردا
طروب غدت من حيث بانت فباكرت بعولتها غصنًا من الأثل أغيدا
تغنت عليه ذات شجو مرنة بصوت يشوق المستهام المصيدا
فقال: هاجني نوح حمامة، ثم قال: تغنت.
[ ٢ / ١٥١ ]
وقال نصيب أيضًا:
لعلك باك أن تغنت حمامة يميد بها غصن من الريح مائل
من الورق يدعوها إلى شجوها الضحى فتبكي وتبكي حين تدنو الأصائل
فجعلها باكية مغنية.
ومثله قول ابن ميادة:
يذكرنيها أن تغنت حمائم لهن على خضر العضاه عويل
تجاوبن في حد النهار بعولة وأخرى توافي الشمس كل أصيل
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أدم الظباء به ترنم سنحا وبكاء نائحة به تترنم (١)
غنت على فنن فأسعد شجوها ورق أجبن كما استجاب المأتم (٢)
وقال رجل من بني نضر بن معاوية:
أهاج لك الأحزان نوح حمامة تغنت بليل في ذرى ناعم نضر
فقال: نوح حمامة، ثم قال: تغنت.
وقال سعد بن الجراح بن سفيان بن صامت الحارثي:
وحمامة أوفت بأخضر ناعم تبكي على غصن من الأغصان
عرف الحمام لها الغناء فرنمت فاعتادني نكس من الأحران
[ ٢ / ١٥٢ ]
وقال حميد بن ثور:
فأوفت على غصن ضحيًا فلم تدع لباكية في شجوها متلوما (١)
تغني إذا غنت بأجزاع بيشة أو الرخم من تثليث أو يبنما (٢)
وقال أبو شيبة الجرمي:
ألا قاتل الله الحمامة غدوة على الغصن ماذا هيجت حين غنت (٣)
تعلت على الأفنان في تلع الضحا فهاجت حزينًا بالبكاء وولت
وقال يزيد بن عمار الهلالي:
وذات فرخين غنت في مسوقة عجماء معربة ما ضرها العجم
بكت فأبكت مريض القلب ذا شجن وليس لها دمع فينسجم
وقال أبو مخلد الراسبي:
ولكنها لم تذر دمعًا وقد بكت وعينك تذري الدمع سحًا شئونها
وقال رجل من ولد سالم بن مالك الثقفي:
ويوم اللوى أجرى دموعك إذ دعت حمائم في فيء الأراك صوائح (٤)
حوائم ما تذري الدموع إذا بكت وهن بأسرار الدموع بوائح
[ ٢ / ١٥٣ ]
وقال حرب بن الحكم بن المنذر بن الجارود:
وقبلي أبكى كل من كان باكيًا هتوف البواكي والديار البلاقع (١)
بواك على الأطلال من كل جانب نوائح ما تخضل منها المدامع (٢)
وقال علي بن عمرة الجرمي:
هتوف الضحى معروفة اللحن لم تزل تقود الهوى مهدى لنا ونقودها (٣)
جزوع جمود العين دائمة البكا وكيف بكا ذي مقلة وجمودها
مطوقة لم يضرب القين فضة عليها ولم يعطل من الحلي جيدها (٤)
فهذا ما عليه العرب وغيرهم في أن الحمام وغيره من الطير لا دموع لها.
وقال رباح العقيلي فجعل لها دموعًا وذلك سهو منه أو جهل، وأنشده أبو حاتم:
وما هاج لي إلا عشية واسط حمائم غيطان الأراك وقوع
تجاوبن في أطلال أفنان أثلة بمغرورقات فيضهن دموع (٥)
وإني لأرعى السر من أم عاصم ولست لعهد صالح بمضيع
فقال: «بمغرورقات تفيض (٦) منهن الدموع».
[ ٢ / ١٥٤ ]
وقال آخر:
فعدن بقرقار الهدير كأنما شربن حميًا أو بهن جنون (١)
فلم تر عيني قبلهن حمائمًا بكين فلم تقطر لهن جفون
وهذا قد أفصح -كما ترى- بأن كل حمام رآه يبكي قبل هذه الحمائم رأى له دموعًا، وهذا محض الجهل، وأظنه أراد أن يقول:
فلم تر عيني قبلهن بواكيا، فقال حمائمًا كما قال جهم بن خلف:
فلم أر باكية مثلها تبكي ودمعتها ما ترى (٢)
لم يرد باكية من الحمام، ولا من الطير، وإنما أراد بكاية من الإنس مفجعة مثل هذه الحمامة، والله أعلم.
وهذا الفصل ليس من الاحتجاج لأبي تمام في أبياته، وقد كان يجوز أن أتعداه، وأقتصر (٣) أيضًا على بعض الشواهد التي تقدمته، ولكن وجدت ذلك متممًا للباب فأوردته.
وقال أبو تمام:
لئن أرقأ الدمع العيون وقد جرى لقد رويت منه خدود نواعم (٤)
كما كاد ينسى عهد ظمياء باللوى ولكن أملته عليه الحمائم (٦)
[ ٢ / ١٥٥ ]
بعثن الهوى في قلب من ليس هائمًا فقل في فؤاد رعنه وهو هائم
لها نغم ليست دموعًا فإن جرت مضت حيث لا تمضي الدموع السواجم
قوله: «لئن أرقأ الدمع العيون وقد جرى»، يريد لئن قطعت العيون التي ترقبني دمعي وقد جرى، أي حال جريه، لقد رويت منه خدود أحبابي.
وهذه حال مفهومة معلومة قلما يخلو منها أحد وهو أن يدور الدمع في مآقه، ويستحي أن يرى باكيًا، فيكف العبرة ويردها.
ولم يوضح المعنى ويلخصه.
والجيد النادر، واللفظ الحسن، والعبارة الصحيحة قول البحتري:
نهته رقبة الواشين حتى تعلق ما يغيض وما يسيل
ومثل هذا لا يكون مسروقًا؛ لأنه جار على عادات الناس، مشاهد معلوم، وما علمت أحدًا نظمه نظم البحتري.
والجيد الحسن أيضًا لفظًا ومعنى قوله (٢):
ما لخضر ينحن في قضب الخضر على كل صاحب مفقود (٣)
عاطلات بل حاليات يردد ن الشجا في قلائد وعقود
زدنني صبوة وذكرنني عهـ دًا قديمًا من ناقض للعهود
ما يريد الحمام في كل واد من عميد صب بغير عميد
كلما أخمدت له نار شوق هجنها بالبكاء والتغريد
[ ٢ / ١٥٦ ]
قوله: «عاطلات بل حاليات»، يريد أطواق الحمام، هو لها [شبيه] (١) بالحلي، وهن منه عواطل.
وما قال أحد في هذا المعنى أحسن ولا أبرع ولا أحلى من قول أمية ابن أبي الصلت في حمامة نوح:
فلما فرشوا الآيات صاغو لها طوقًا كما عقد السخاب (٢)
تورثه إذا ماتت بنيها وإن تقتل فليس لها استلاب
وقول البحتري: «يرددن الشجا في قلائد وعقود» حسن؛ لأن الباكية الحزينة ذات الشجو لا تلبس الحلي، وإن كان عليها تسلبت منه.
وأحسن منه قول الآخر:
مطوقة تبكي ولم أر باكيًا بدا ما بدا من شجوها لم تسلب
أخذه ابن الرومي فقال:
لو تستطيع تسلبت من طوقها لو كان منتحلًا من الأطواق
وقال البحتري:
وورق تداعى بالبكاء بعثن لي كمين أسى بين الحشا والحيازم (٣)
وصلت بدمعي نوحهن وإنما بكيت لشجوي لا لشجو الحمائم
وهذا أيضًا جيد حسن.
ولست أعرف لهما في ذكر الحمام غير هذا (٤).
[ ٢ / ١٥٧ ]