قال أبو تمام:
بدلت عبرة من الإيماض يوم شدوا الرحال بالأغراض (١)
أعرضت برهة فلما أحست بالنوى أعرضت عن الإعراض
غصبتها نحيبها عزمات غصبتني تبيتي واغتماضي (٢)
نظرت فالتفت منها إلى أحـ ـلى سواد رأيته في بياض
يوم ولت مريضة اللحظ والجفـ ـن وليست دموعها بمراض
قوله: «أعرضت عن الإعراض» ليس باللفظ الجيد، وهو من توليدات المتأخرين، ومثله قول البحتري:
شغل الرقيب وأسعدتنا خلوة في هجر هجر واجتناب تجنب (٣)
قوله: «غصبتها نحيبها» يريد أن عزماتي استخرجت نحيبها وأظهرته، وقد كانت تخرنه، فكأنها اغتصبتها إياه لما أظهرته.
وقوله: «غصبتني تبيتي» أي تلبثي، أي منعتني عزماتي من التلوم والتلبث، ومن النوم، فكأنها غصبتني ذلك، أي أخذته مني، وأزعجتني للرحلة.
وقال:
بسطت إليك بنانة أسروعا تصف الفراق، ومقلة ينبوعا (٤)
[ ٢ / ٢٨ ]
كادت لعرفان النوى ألفاظها من رقة الشكوى تكون دموعا
وهذا معنى حسن لطيف حلو.
والأسروع: واحد الأساريع، وهي دويبة بيضاء تكون في الرمل، تشبه بها الأصابع، وذلك قول امريء القيس:
وتعطو برخص غير شثن كأنه أساريع رمل، أو مساويك إسحل (١)
وقال أبو تمام أيضًا:
بكته بما أبكته أيام صدرها خلي، وما يخلو له من جوى صدر (٢)
وقالت أتنسى البدر؟ قلت تجلدًا إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر
فأذرت جمانًا من دموع نظامها على النحر إلا أن صائغها الشفر (٣)
وما الدمع ثان عزمتي ولو أنها سقى خدها من كل عين لها نهر
قوله: «إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر» لم يرد بذلك امرأة أخرى سواها، وإنما جعل هذا القول احتجاجًا عليها، وردًا لكلامها، وليريها أن عزمه في السف صحيح، وأن كلامه لا يثنيه عن وجهه الذي يريده.
وقد بين هذا المعنى وأفصح بقوله: «تجلدًا».
وهذه الأبيات صالحة، والمذهب فيها غير مستحلى، ولا مشتهى، وفيها
[ ٢ / ٢٩ ]
معنى غامض في الاحتجاج عليها يجوز أن يكون أراده، وقد ذكرته في «جزء» أفردته لغامض معاني أبي تمام.
وقوله: «فأذرت جمانًا» فالجمان هو: اللؤلؤ الصغار.
وقوله: «إلا أن صائغها الشفر» فالجمان لا يصاغ، ولكن قد يعمل على هيئته خرز من فضة، وقد سماه هدبة بن خشرم جمانًا فقال:
عليهن من صوغ المدينة حلية جمان كأجواز الدبا ورفارف (١)
وقال أيضًا:
أظن دموعها سنن الفريد وهي سلكاه من نحر وجيد (٢)
لها من لوعة البين التدام يعيد بنفسجًا ورد الخدود
والتدام النساء في النياحة إنما هو: ضرب الصدور، واللطم هو: ضرب الخدود، هذا المستعمل المعروف في كلامهم، فاللطم هو الذي يعيد بنفسجًا ورد الخدود لا التدام؛ لأن الالتدام: أن تأخذ المرأة جلدًا أو نعلًا فتدق صدرها، وتأخذ النائحة التي هي المساعدة خرقًا (٣) تشير بها في النوح إلى صدرها، ويقال لها: المآلي، واحدتها مئلاة (٤). فجعل أبو تمام لطم الوجه لدمًا، ولعل ذلك يسوغ؛ فإن اللدم هو: دق الشيء على الشيء.
قال تميم بن أبي بن مقبل:
[ ٢ / ٣٠ ]
وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الغلام وراء الغيب بالحجر (١)
وقال أبو تمام:
نثرت فريد مدامع لم تنظم والدمع يحمل بعض ثقل المغرم (٢)
وصلت دموعًا بالدماء فخذها في مثل حاشية الرداء المعلم (٣)
ولهت فأظلم كل شيء دونها وأضاء منها كل شيء مظلم (٤)
وكأن عبرتها عشية ودعت مهراقة من ماء وجهي أو دمي
ولهت من الوله، فأظلم كل شيء دونها: أي أظلمت الأشياء في عينيها من شدة الحزن والوله، وأضاء منها كل شيء مظلم: لنور وجهها وبهجتها.
قال أيضًا:
سرت تستجير الدمع خوف نوى غد وعاد قتادًا عندها كل مرقد (٥)
وأنقذها من غمرة الموت أنه صدود فراق لا صدود تعمد (٦)
فأذرى لها الإشفاق دمعًا موردًا من الدم يجري فوق خد مورد (٧)
هي البدر يغنيها تودد وجهها إلى كل من لاقت وإن لم تودد (٨)
[ ٢ / ٣١ ]
وهذا من إحسانه المشهور.
وقوله: «دمعًا موردًا من الدم» لفظ حسن، ومعنى ليست له براعة.
والجيد في مثل هذا قول البحتري:
لو ترانا عند الوداع وقد ورد سكب الدموع ورد الخدود (١)
يريد أن الدموع إذا مرت على الخدود [وردتها]، وهذا معنى صحيح مشاهد.
وأبو تمام لا يقنع إلا بأن يجعل المرأة باكية عليه دمًا! على عادته في الاستقصاء الذي لا حلاوة له، فهلا اقتصر على مثل قول علقمة بن عبدة وأنشده إسحاق الموصلي، وأنشده ثعلب:
تراءت وأستار من البيت دونها إلينا وحانت غفلة المتفقد (٢)
بعيني مهاة يحدر الشوق منهما شريجين شتى: من دموع وإثمد (٣)
قال ثعلب: فسرقه «ابن ميادة» فقال:
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها وأدمعها يحدرن حشو المكاحل (٤)
تمتع بذا اليوم القصير فإنه رهين بأيام الشهور الأطاول
قال: فسرقه بعض المحدثين فقال:
خذي عدة للبين إني راحل قرى أمل يجديك والله صانع
فسحت بسمطي لؤلؤ خلط إثمد على الخد إلا ما تكف الأصابع
وقال أبو تمام:
خذي عبرات عينك عن زماعي وصوني ما أزلت من القناع (٥)
[ ٢ / ٣٢ ]
أقلي قد أضاق بكاك ذرعي وما ضاقت بنازلة ذراعي (١)
أآلفة النحيب كم افتراق أظل فكان داعية اجتماع (٢)
وليست فرحة الأوبات إلا لموقوف على ترح الوداع (٣)
تعجب أن رأت جسمًا نحيفًا كأن المجد يدرك بالصراع (٤)
وهذه كلها أبيات جياد صحيحة الألفاظ والمعاني، وقد عابه ابن عمار وغيره بهذا البيت الأخير.
وحدثني أبو علي محمد بن العلاء السجستاني قال: حدثني أبو [محمد] عبد الله بن قتيبة المؤلف، قال: سمعت علي بن هارون الكاتب النصراني يقول: قلت لأبي تمام:
أنشدني أجود شعر قلته، فأنشدني قصيدته: «خذي عبرات عينك» فلما بلغ إلى قوله: «توجع أن رأت» قلت: يخيل إلي أن هذا غلط منك؛ لأن الصراع ليس من النحافة والجسامة في شيء، ولو قلت: كأن المجد يدرك بحرف في معنى الجسامة كنت قد أصبت.
و«علي بن هارون» هذا، وكل من عاب هذا البيت عندي غالط ولم كان الصراع عنده ليس من النحافة والجسامة في شيء، وهل تجد القوة أبدًا إلا في العبالة وغلظ الأرواح؟، وهل الضعف أبدًا إلا في الدقة والنحافة؟، وهذا هو الأعم الأكثر، وإلا لم صار الفيل يحمل ما لا يحمل الجمل، والجمل يحمل ما لا يحمل البغل، والبغل يحمل ما لا يحمل الحمار.
[ ٢ / ٣٣ ]
فأراد أبو تمام أن المجد لا يدرك بالصراع الذي من كان فيه أغلظ وأعبل كان أولى بالغلبة، فهذا هو الأعم الأكثر في هذا الباب.
ولست أنكر أن تكون القوة قد توجد مع الدقة والنحافة كما قال بعضهم:
* إنا على دقتنا صلاب *
فأراد أبو تمام أن المجد لا يدرك بالصراع الذي من كان فيه أغلظ وأعبل، كان أولى بالغلبة، فهذا هو الأعم الأكثر في هذا الباب.
ولست أنكر أن تكون القوة قد توجد مع الدقة والنحافة كما قال بعضهم:
* إنا على دقتنا صلاب *
وأن يكون الخور والرخاوة قد يوجدان مع الغلظ والعبالة في بعض الأشياء، فأما الشجاعة والجرأة فقد توجدان في النحيف الجسم الضعيف، وفي العبل الغليظ.
وهذا إنما يرجع إلى القلب لا إلى الجسم؛ ولعل عامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب وبسطام بن قيس ماكان يقدر كل واحد منهم أن يحمل على كتفه مائة رجل.
فجعل أبو تمام معناه على الوجه الأعم الأكثر، وقد أحسن عندي فيه، ولم يسيء.
وقال البحتري:
رحلوا فأية عبرة لم تسكب أسفًا، وأي عزيمة لم تغلب (١)
قد بين البين المفرق بيننا عشق النوى لربيب ذاك الربرب
صدق الغراب لقد رأيت شموسهم بالأمس تغرب عن جوانب غرب
لو كنت شاهدنا وما صنع النوى بقلوبنا لحسدت من لم يحبب (٢)
شغل الرقيب، وأسعدتنا خلوة في هجر هجر، واجتناب تجنب
[ ٢ / ٣٤ ]
فتلجلجت عبراتها، ثم انبرت تصف النوى بلسان دمع معرب (١)
تشكو الفراق إلى قتيل صبابة شرق المدامع بالفراق معذب (٢)
قوله: «قد بين البين المفرق بيننا»، فالبين: الفراق، يريد قد بين الفراق المفرق بيننا.
وبعض أهل اللغة يقول: «البين» من الأضداد (٣) يكون الاتصال، ويكون الافتراق، وليس الأمر كذلك، بل البين: الحد والقطع بين الشيئين، والذي يتميز به (٤) الحيزان أحدهما عن الآخر، يقال: وصلت بينهما، وفرقت بينهما، وبعدت (٥) بينهما، فيصلح ذلك كله فيه، لأنه الحد، والبرزخ، لا أنه الاتصال، ولا الافتراق، إلا أن الشعراء جعلوه في استعمالهم: الفراق.
فقوله: «قد بين البين»، يريد قد بين الفراق المفرق بيننا.
والنوى: هي النية في انتقال القوم من موضع إلى آخر، فعشق النية لربيب الربرب استعارة ليست بحسنة، غير أن الشعراء المتأخرين قد اصطلحوا على أن جعلوا البين، والفراق، والنوى كالأشخاص، وجعلوها الحائلة بينهم وبين من يهوونه، فهم يستعيرون الأفعال لها، فربما حسنت الاستعارة لها، وربما قبحت، على حسب مواضعها في الإغراق والاقتصاد.
وقوله: «لو كنت شاهدنا» من أبياته المشهورة في الحسن والحلاوة.
وقوله: «في هجر هجر، واجتناب اجتناب» مذهب من مذاهب
[ ٢ / ٣٥ ]
المولدين، وقد قدمت القول في أنه غير حسن ولا جميل.
ولم يعتمد البحتري في هذا الباب ذكر بكاء النساء إلا قوله: «وقد ورد سكب الدموع ورد الخدود» وقوله: «فتلجلجت عبراتها» ولكنه وصفهن عند التوديع أحسن وصف وأحلاه فقال:
عجلت إلى فضل الخمار فأثرت عذباته بمواضع التقبيل (١)
وتبسمت عند الوداع فأشرقت إشراقة عن عارض مصقول
أأخيب عندك لي شافع وأرد دونك والشباب رسولي؟
وقال أيضًا:
أكنت معنفي يوم الرحيل وقد لجت دموعي في الهمول؟ (٢)
عشية لا الفراق أفاء عزمي إلى، ولا اللقاء شفى غليلي
دنت عند الوداع لوشك بين دنو الشمس تجنح للأصيل (٣)
وقال أيضًا:
إذا ما نهي الناهي فلج بي الهوى أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر (٤)
ويوم تثنت للوداع وسلمت بعينين موصول بلحظهما السحر
توهمتها ألوى باجفانها الكرى كرى النوم، أو مالت بأعطافها الخمر
[ ٢ / ٣٦ ]
وقال أيضًا:
وأنا الفداء لمرهف غض الصبا يوهيه حمل وشاحه وعقوده (١)
قصرت تحيته فجاد بخده يوم الوداع لنا، وضن بجيده
ولو استطاع لكان يوم وصاله للمستهام مكان يوم صدوده
أراد أنها لما قصرت تحيتها فلم تقدر (٢) على السلام أعرضت فرأى خدها، فكأنها جادت لما رأته، وقد ضنت على الحقيقة بجيدها، وهو موضع العناق (٣).
وقال أيضًا:
ما أرى البين مخليًا من وداع أنفس العاشقين حتى تبينا (٤)
من وراء العيون كثبان رمل تتثنى أفنانهن فنونا (٥)
وبود القلوب يوم استقلت ظعن الحي لو تكون عيونا
فهذا المذهب الذي سلكه البحتري أولى بالصواب في وصف النساء المفارقات، وأشبه بأحوالهن من مذهب أبي تمام في وصفه إياهن بشدة الجزع، والوله، وبكاء الدم، ولطم الوجه، والإشفاء على الهلكة، وإظهاره التجلد، وقلة الاحتفال بهن، وذلك قوله:
وقالت: أتنسى البدر؟ قلت تجلدًا إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر (٦)
[ ٢ / ٣٧ ]
وقال أيضًا:
وما الدمع ثان عزمتي ولو أنه سقى خدها من كل عين لها نهر (١)
وقوله:
لها من لوعة البين التدام يعيد بنفسجًا ورد الخدود (٢)
وقوله:
وصلت دموعًا بالدماء فخذها في مثل حاشية الرداء المعلم (٣)
ولهت فأظلم كل شيء دونها وأضاء منها كل شيء مظلم
ولو كان وصف بهذا زوجته، أو ابنته، لكان معذورًا ولكنه إنما وصف حبائبه؛ لأنه ذكرهن بالجمال والحسن، والزوجات لا يوصفن بذلك.
وما انتهى عمر بن أبي ربيعة الذي كان معشقًا ينذر أشراف النساء النذور في رؤيته ومجالسته من ذكر صبوتهن به إلى مثل هذه الأوصاف، ولا قريب منها، وقد عيب عمر بذلك، واستقبح منه، على أنه قد صدق في أكثر ما قال، ولم يكذب، وأتى بالأخبار على وجوهها، فلم يقنع أبو تمام إلا بالزيادة عليه، والتناهي فيما يخرج عن العادة.
وقال أبو تمام:
لما استحر الوداع المحض وانصرمت أواخر الصبر إلا كاظمًا وجما (٤)
رأيت أحسن مريء، وأقبحه مستعجمين لي التوديع والعنما
[ ٢ / ٣٨ ]
استحسن إصبعها (١)، واستقبح إشارتها مودعة، والعنم: شجر (٢) له أغصان لطيفة غضة كأنها بنان جارية، والواحدة غنمة.
وهذا خطأ منه أن يستقبح إشارتها بالوداع إليه، أتراه ما سمع قول جرير:
أتنسى إذ تودعنا سليمى بفرع بشامة سقى البشام (٣)
فدعا للبشام بالسقيا، لأنها ودعته به فسر بتوديعها.
وأبو تمام إنما استحسن إصبعها، واستقبح إشارتها، فما ظنك بمن استقبح إشارة معشوقة إليه عند توديعه، وهذا يدل على أنه ما عرف شيئًا من هذا ولا شاهده، ولا بلي به.
وقال في وصف النساء المفارقات أيضًا:
فخت دموعك في إثر الخليط لدن خفت من الكثب القضبان والكثب (٤)
من كل ممكورة ذاب النعيم لها ذوب الغمام فمنهل ومنسكب
أطاعها الحسن، وانحط الشباب على فؤادها، وجرت في روحها النسب (٥)
لم أنسها وصروف البين تخلجها ولا معول إلا الواكف السرب (٦)
[ ٢ / ٣٩ ]
أدنت نقابًا على الخدين وانتسبت للناظرين بقد ليس ينتقب (١)
كانت لنا لعبًا نلهو بزخرفه وقد ينفس عن جد الفتى اللعب (٢)
وهذه أبيات حسان، جيدة المعاني.
وقوله: «أطاعها الحسن» من أبياته التي يسأل الناس عنها، فقوله: «أطاعها الحسن» من قول (٣) بشار بن برد:
كما اشتهت خلقت إذا اعتدلت تمت تمامًا فلا طول ولا قصر
وفي نحوه قول أبي نواس:
تركت والحسن تأخذه تنتقي منه وتنتحب (٤)
فانتقت منه طرائقه واستزادت فضل ما تهب (٥)
قوله: «وانحط الشباب على فؤادها» يريد الذكاء والتيقظ.
وقوله: «وجرت في روحها النسب»، هو أن يقال: خفيفة الروح، وعذبة الروح، ونحو هذا، كذا فسره الشيوخ بعد أن جرى في البيت خوض طويل.
[ ٢ / ٤٠ ]