وربما خرجا إلى المديح بذكر الغيث ومباراته
فمن ذلك قول أبي تمام:
أيها الغيث حي أهلًا بمغدا ك وعند السرى وحين يئوب (١)
لأبي جعفر خلائق تحكيـ ـهن قد يشبه النجيب النجيب
وهذا ليس بالشهي، ولا الحلو العذب.
والجيد النادر قول البحتري:
أقول لثجاج الغمام وقد سرى بمحتفل الشؤبوب صاب فعمما (٢)
أقل وأكثر لست تبلغ غاية تبين بها حتى تضارع هيثما (٣)
وأجود من هذا وأحلى وأبلغ قوله يمدح المتوكل:
قد قلت للغيث الركام ولج في إبراقه وألح في إرعاده (٤)
لا تعرضن لجعفر متشبهًا بندى يديه فلست من أنداده
ومن الجيد النادر في هذا الباب أيضًا قوله:
رباع تردت في الرياض مجودة بكل جديد الماء عذب الموارد (٥)
[ ٢ / ٣١٥ ]
إذا راوحتها مزنة بكرت لها شآبيب مجتاز عليها وقاصد (١)
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت تليها بتلك البارقات الرواعد
وقال:
سقيت رباك بكل نوء جاعل من وبله حقًا لها معلوما (٢)
فلو أنني أعطيت فيهن المنى لسقيتهن بكف إبراهيما (٣)
بسحابة غراء متئمة إذا كان الجهام من السحاب عقيما (٤)
فقوله: «سقيت رباك» بيت ليس بالبارع لفظًا ولا معنى، وما بعده جيد حلو.
وإنما خص الجهام لأنه الذي قد كان فيه ماء فأراقه، ومثله لا يكون عقيمًا، جعله كالمرأة الوالد.
وقال أبو تمام في هذا المعنى أيضًا:
شجًا في الحشا ترداده ليس يفتر به ضمن آمالي وإني لمفطر (٥)
حلفت بمستن المنى تسترشها سحابة كف بالرغائب تمطر
إذا درجت فيه الصبا كفكفت لها وقام يباريها أبو الفضل جعفر (٦)
وهذه ألفاظ ومعان ونسج في غاية الرداءة والهجانة، والبعد من البلاغة والبراعة، على ما فيها من التعقيد واتفاق المعاني.
فقوله: «حلفت» يعني نفسه.
[ ٢ / ٣١٦ ]
و«مستن المنى»: المحل الذي يستن فيه المنى، أي يطرد، يذهب ويجيء ويكثر، يريد محل الممدوح وساحته.
وقوله: «يسترشها» إنما أراد يسترش سحابة كف فقال: «يسترشها» فقدم الكناية، وجعل «سحابة كف» بدلًا من الهاء والألف.
يقول: حللت بمحل تستن فيه المنى، وتطلب رشاش سحابة كف.
وقوله: «إذا درجت فيه الصبا» يريد في مستن المنى، كفكفت لها أي للسحابة.
وكفكفت: أي دنت وقربت.
و«قام يباريها» أي يباري الصبا بسحابة كفه أبو الفضل جعفر.
وهذان البيتان لا يتصلان بالبيت الأول، وإنما كان وجه الكلام أن يقول: شجًا في الحشا كان ترداده ليس يفتر، وكانت آمالي به صائمة، فحللت بمستن منى من حاله وصفته، حتى يتصل الكلام بعضه ببعض.
والحذف والاختصار في كلام العرب موجود، ولكن ليس في مثل هذا.
ومن هذا الباب، وفيه بعض الغموض، قوله:
إن الذي خلق الخلائق قاتها أقواتها لتصرف الأحراس (١)
فالأرض معروف السماء قرى لها وبنو الرجاء لهم بنو العباس
يريد أن الله تعالى، جعل أقوات عباده من وجوه مختلفة على قدر أزمانها.
والأحراس: الدهور، واحدها حرس.
[ ٢ / ٣١٧ ]
يقول: فالأرض إنما تحيا بما تقريها السماء من الغيث، وبنو الرجاء لهم بنو العباس، أي بنو الرجاء بنو العباس لهم، أي لهم عصمة، كما يقال: الله لك، أي معين ومغيث.
ويجوز أن يكون أبو تمام ذهب في ذكر الأرض والغيث ها هنا (١) وجعل بني العباس رجاء الناس لذلك؛ لأن الناس في أيام عمر بن الخطاب رحمة الله عليه احتبس عنهم المطر فأخذ عمر بضبع العباس وقال: اللهم إن هذا عم نبيك، اللهم اسقنا غيثك، فما برح الناس حتى وافاهم المطر، فلعل أبا تمام ذهب إلى هذا المعنى، والله أعلم.
والبيتان رديئان نسجًا ولفظًا.
ولا محالة أن البحتري أيضًا في هذا الباب يتقدم أبا تمام.
[ ٢ / ٣١٨ ]