قال أبو تمام:
فلو ترانا وإياهم وموقفنا في مأتم البين لاستهلالانا زجل (١)
من حرقة أطلقتها فرقة أسرت قلبًا، ومن عذل في نحره غزل (٢)
قوله: «أطلقتها فرقة» يعني أبرزتها وأظهرتها، وإنما قال: «أطلقتها» من أجل قوله: «أسرت قلبًا»؛ ليطابق بين الإطلاق والإسار.
وقوله: «أسرت قلبًا» يعني الفرقة، معنى رديء، لأن القلب إنما يأسره ويملكه شدة الحب لا الفراق، فإن لم يك مأسورًا قبل الفراق فما كان هناك حب، فلم خص التوديع (٣)؟، وما كان وجه هذا البكاء والاستهلال والزجل، وهذه القصة الفظيعة التي وصف الحال فيها عند مفارقتهم؟
وقد ذكرت هذا مشروحًا في باب أغاليطه (٤)
وقال أبو تمام:
أمر التجلد بالتلدد حرقة أمرت جمود دموعه بسجوم (٥)
[ ٢ / ٤٤ ]
قوله: «أمر التجلد بالتلدد حرقة»، جعل الحرقة آمرة للتجلد بالتلدد.
والحرقة التي يكون معها التلدد تسقط التجلد ألبتة، وتذهب به، وأما أن تجعله متلددًا فإن هذا من أحمق المعاني، وأولاها بالاستحالة، بلى لو قال: إن الفرقة أحالت التجلد إلى التلدد، أو أبدلت من التجلد التلدد لكان ذلك هو السائغ الحسن.
وأرى لفظ أسخف أيضًا من أن جعل الحرقة آمرة، وإنما العادة في مثل هذا أن تكون باعثة، أو جالبة، أو نحو هذا، فأما الأمر فليس هذا موضعه.
وقال أيضًا:
ومن زفرة تعطى الصبابة حقها وتوري زناد الشوق تحت الحشا الصلد (١)
قوله: «من زفرة تعطي الصبابة حقها» معنى جيد حسن.
ولله در البحتري إذ يقول:
باتوا جميعًا، ثم فرق شملهم بين كتقويض الجهام المقلع (٢)
ووراءهم صعداء أنفاس إذا ذكر الفراق أقمن عوج الأضلع (٣)
وقال أيضًا:
عبرات ملء الجفون مرتها حرق للفراق ملء الضلوع (٤)
[ ٢ / ٤٥ ]
ومثل قوله: «كتقويض الجهام المقلع» قول أبي تمام:
نوى كانقضاض النجم كانت نتيجة من الهزل يومًا إن هزل الهوى جد (١)
فقولهما: كتقويض الجهام، وكانقضاض النجم يريدان السرعة.
والجهام: السحاب الذي قد أراق ماءه فهو سريع الذهاب.
في بيت أبي تمام: لا يليق بآخره؛ لأنه قال: «كانت نتيجته من الهزل» يعني النوى، أي كان ذكرهم للرحيل قولًا عبثًا فنتج ذلك أن حققوا الرحيل، وجدوا فيه، وهذا معنى جيد بالغ؛ ولفظ مستقيم، ولكن أفسده بقوله: «إن هزل الهوى جد»؛ وليس هزل الهوى وجده من هذا المعنى في شيء، وإنما كان وجه الكلام أن يقول: ورب جد نتجه الهزل، أو ورب كبير هاجه صغير.
ولولا أن في سائر النسخ «إن هزل الهوى» لظننته ما قال إلا «هزل النوى» لأنهم أبدًا ينغمون بالرحيل ولا يعزمون، فيكون ذلك كالهزل، ثم يجد الجد فيحققون، ويرتحلون، وقد عرفنا مثل هذا مشاهدة في غير شيء.
وقال البحتري:
وكم نافسوا من حرقة إثر فرقة تعجب من أنفاسنا وامتدادها (٢)
فهذا موضع الحرقة والفرقة.
وأجود من هذا كله ما أنشدناه (٣) أبو الحسن: موسى بن سليمان الهمداني
[ ٢ / ٤٦ ]
عن أبي دلف: هاشم بن محمد الخزاعي، عن ابن الأعرابي، وحكى عن أبي دلف قال:
دخلت على ابن الأعرابي، وعنده البحتري، قال: فتذاكرنا شعر الرجل، فقال ابن الأعرابي: ما استحسنت له شيئًا إلا قوله:
فلما تبينت المنازل بالحمى ولم أقض منها حاجة المتزود
زفرت إليها زفرة لو حشوتها سرابيل أبدان الحديد المسرد
لذابت حواشيها وظلت بحرها تلين كما لانت لداود باليد
والرجل -العلوي البصري- أشعر من أبي تمام والبحتري في هذا الباب.
[ ٢ / ٤٧ ]