قال أبو تمام:
لحقنا بأخراهم وقد حوم الهوى قلوبًا طيرها وهي وقع
فردت علينا الشمس والليل راغم بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضا ضوؤها صبغ الدجنة وانطوى لبهجتها ثوب السماء المجزع (١)
فوالله ما أدري أأحلام نائم وتشعب أعشار القلوب وتصدع (٢)
وأقرع بالعتبى حميًا عتابها وقد تستقيد الراح حين تشعشع؟
وتقفو لي (٣) الجدوى بجدوى وإنما يروقك بيت الشعر حين يصرع
قوله: «حوم الهوى قلوبًا» أي هيجها الشوق وكانت طيرها ساكنة.
يريد أن ظعنهم هيج الشوق بعد سكونه والدار جامعة.
و«ثوب السماء المجزع» يريد طمس نورها نور الكواكب التي هي نقش السماء، كالجزع نقط البياض.
و«يوشع» يريد يوشع بن نون، قيل: إن الشمس ردت له، في قصة تؤثر.
[ ٢ / ٨٣ ]
وقوله: «تحيي الهوى» أي بهجرها، و«تميته» بوصلها ونائلها، كما قال جرير:
فلما التقى الحيان ألقيت العصا ومات الهوى لما أصيبت مقاتله (١)
أي لما أصيبت مقاتله بالاجتماع.
«وتشعب أعشار الفؤاد» (٢) تضمها، وتلائم بينها، وأعشاره: أجزاؤه من قول امريء القيس
* «في أعشار مقتل» *
(٣) وإنما قيل أعشار؛ لأن العشرة نهاية في كل شيء من العدد، واحدها عشر، فإنما أراد جميع القلب.
وقوله: «تصدع»، أي تشق، يريد (٤) تلائم بين أجزائه مرة، وتفرق مرة أخرى بينها، مثل قوله: «تحيي الهوى وتميته».
وقوله: «وأقرع بالعتبى حميا عتابها»، أي أعتب إذا عاتبت، وأنتهي إلى ما فيه رضاها، فجعل شدة غضبها عند العتاب حميا كحميا الخمر، وهي شدتها، وجعل العتبى التي تكون منه حتى يزول غضبها قرعًا كقرع الخمر بالماء حتى تلين.
وقوله: «وقد تستقيد الراح حين تشعشع»، أي وهي مع أني كسرت غضبها وقمعته يقهرني حبها، ويغلبني سكر هواها، ويملكني كما تستقيد الراح فتصرع بالسكر من يقرعها بالمزاج.
[ ٢ / ٨٤ ]
وهذه كلها معان صحيحة مستقيمة، واستعارت لائقة بما استعيرت له.
فأما قوله:
وتقفو لي الجدوى بجدوى وإنما يروقك بيت الشعر حين يصرع
فلفظ حسن حلو، ولكنه مثل شيئًا بشيء كان غيره بالتمثيل أليق، وذلك لما قال: «وتقفو لي الجدوى» كان سبيله أن يقول: وإنما يبل الغليل العلل بعد النهل، أو ما كان أشبه هذا وقاربه؛ لأن الجدوى هو نائل المرأة، وليست من حظوظ السمع فيمثل بها بيت الشعر المصرع الذي إنما يروق السمع فقط.
ولست أقول إنه أخطأ، ولكن ليس بالجيد اللائق، والجيد فيه قول البحتري:
فإن تتبع النعمى بنعمى فإنه يزين اللآليء في النظام ازدواجها (١)
فجعل اللآليء التي هي فرائد تحصل في اليد والعين والنفس مثالًا لنعمة المنعم وليس للأذن ههنا ولا هناك حظ.
وقال أبو تمام:
عطفوا الخدود على البدور ووكلوا ظلم الستور بنور حور نهد (٢)
وثنوا على وشي الخدود صيانة وشي البرود بمسجف وممهد (٣)
البيت الأول حسن حلو، وأخذ قوله: «وثنوا على وشي الخدود صيانة
[ ٢ / ٨٥ ]
وشي البرود» من قول الكميت:
وأدنين البرود على خدود يزين الفداغم بالأسيل
أراد بالفداغم: الخدود اللحيمة، أي يزينها بأسالة خدودهن، أو أن يكون أراد بالفداغم المواضع الممتلئة من الجسد بالشحم، فيزين ما كان ممتلئًا بأسالة خدودهن، وهذا غير حسن، والأول أشبه بلفظ البيت.
ومعناه أيضًا غير جيد؛ لأن الخد الأسيل إذا اقترن بالخد اللحيم قبحه وشانه ولم يزنه؛ لبيان فضله عليه، وقد ذكرت هذا في أغاليطه مشروحًا (١).
وقال أبو تمام:
وفي الخدور مهًا لو أنها شعرت به طغت فرحًا، أو ألبست أسفا (٢)
لآليء كالنجوم الزهر قد لبست أبشارها صدف الإحصان لا الصدفا
من كل خود دعاها البين فابتكرت بكرًا ولكن غدا هجرانها نصفا (٣)
لا أظلم النأي قد كانت خلائقها من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا
غيداء جاد ولي الحسن سنتها فصاغها بيديه روضة أنفا (٤)
مصقولة سترت عنا ترائبها قلبًا بريئًا يناغي ناظرًا نطفا (٥)
[ ٢ / ٨٦ ]
(١) قوله: «صدف الإحصان لا الصدفا» ليس بالجيد؛ لأنه قال: قد لبست صدف الإحصان، فأراك أنها لابسته في الحال.
وقوله: «لا الصدفا» ليس له وجه؛ لأن اللؤلؤ قد فارق الصدف وليس هو لابسه في الحال.
والجيد الصحيح المعنى قول البحتري:
إذا نضون شفوف الريط آونة قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا (٢)
شبه أجسامهن في وقت تجردهن من الثياب، باللؤلؤ في الوقت الذي يقشر عنه الصدف.
والعذر لأبي تمام أن يقال: إنما أراد أنها خلقت لابسة صدف الإحصان لا الصدف، أي ليست كاللؤلؤ الذي خلق في الصدف.
وبيت البحتري أجود.
وقول أبي تمام: «صدف (٣) الإحصان» معنى لطيف.
وقوله: «لو شعرت به» أي لو شعرت بشدة وجده طغت فرحًا، أو «ألبست أسفًا على ما فات منه» وهذه طريقة ابن أبي ربيعة التي كانت تليق به، ومع ذلك يعاب بها.
وهذه أبيات متكلفة، وخاصة قوله: «فابتكرت بكرًا ولكن غدا هجرانها نصفا» فإنه غير شهي، ولا مريء اللفظ، ولا المعنى.
[ ٢ / ٨٧ ]
. ولله در أبي عبادة إذ يقول على هذا الوزن:
وفي الخدور بذور قلما طلعت إلا تصرم ضوء البدر أو كسفا
مقسومة بين أرداف مبتلة تدعو الهوىن وخصور أرهفت قصفا
قد كنت أشكو تمادي حبها حدثًا فالآن أطمع في إنصافها نصفا (١)
أكاد من كلف أعطي الحمام يدًا إذا الحمام على أغصانه هتفا
ما باشر النار مشبوبًا تضرمها من لم يضف تحت أحناء الحشا كلفا (٢)
أراجع من شبابي قيض مبتذل لو أنفقته في لبانات الصبا سرفا
لله أيامنا ما كان أحسنها لو أن دهرًا تولى ذاهبًا وقفا
لا تكذبن فما الدنيا براجعة ما فات من لذة الدنيا وما سلفا
وقال أبو تمام:
ورفيقة اللحظات يعقب رفقها بطشًا بمغتر القلوب عنيفا (٣)
حزن الصفات روادفًا وسوالفًا ومحاجرًا ونواظرًا وأنوفا (٤)
كن البدور الطالعات فأوسعت منا أفولًا بالنوى وكسوفا (٥)
آرام حي زعزعتهم نية تركتك من خمر الفراق نزيفا
كانوا رداء زمانهم فتصدعوا فكأنما لبس الزمان الصوفا (٦)
[ ٢ / ٨٨ ]
وهذه معان جيدة لائقة إلا قوله: «لبس الزمان الصوفا»؛ فإن الناس جميعًا استهجنوه، ولو كان اعتمد إن لا يترك قافية على الفاء إلا أوردها لما كلن ينبغي أن ذكر الصوف وخاصة على هذا الوجه.
وقال البحتري:
إن في السرب لو يساعفنا السر ب شموسًا يمشين مشيًا وئيدا (١)
يتدافعن بالأكف ويعرضـ ـن علينا عوارضًا وخدودا
يتبسمن عن شتيت أراه أقحوانًا مفصلًا أو فريدا
رحن والليل قد أقام رواقًا فأقمن الصباح فيه عمودا
بفتاة مثل المهاة أبت أن تصل الوصل، أو تصد الصدودا (٢)
ذات حسن لو استزادت من الحـ ـسن إليه لما أصابت مزيدا
فهي الشمس بهجة، والقصيب الـ ـغض لينًا والرئم! طرفًا وجيدا
وحسبك بهذا حسنًا، وصحة، وجودة، وخاصة هذا البيت الأخير وما جمع فيه من التشبيه بأبرع لفظ، وأحلى سبك، ولكن أفسده بقوله: «أبت أن تصل الوصل، أو تصد الصدودا»، [وإنما علقه من أبي تمام] (٣).
وقال أبو تمام:
سلبنا غطاء الحسن عن حر أوجه تظل للب السالبيها سوالبا (٤)
وجوه لو أن الأرض فيها كواكب توقد للساري لكانت كواكبا
[ ٢ / ٨٩ ]
وهذا معنى قديم متداول، وأحسن ما قيل فيه قول مزاحم العقيلي:
وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها صدعن الدجى حتى ترى الصبح ينجلي (١)
وهذا كثير.
وقال البحتري:
كالبدر إلا أنها لا تجتلى والشمس إلا أنها لا تغرب (٢)
فجاء بمعنى آخر فيه سؤال؛ وذلك أنه لما قال: «كالبدر إلا أنها لا تجتلى» كان هذا من أحسن معنى وألطفه؛ لأن عيون الناس كلهم ترى البدر وتجتليه، وهي لا تراها العيون، ولا تجتلى [ثم قال: «والشمس إلا أنها لا تغرب» وإنما قال لا تجتلى] (٣) لأنها (٤) محجوبة، وإذا كانت في حجاب فهي في غروب؛ لأن الشمس إذا غربت فإنما تدخل تحت حجاب، فظاهر المعنى: كالبدر إلا أن العيون لا تراها، والشمس إلا أن العيون لا تفقدها، وظاهر هذا (٥) القول -كما تراه- متناقض، وأظنه أنه أراد أنها وإن كنت في حجاب فإنه لا يقال غربت تغرب كما يقال للشمس، وإنما يقال لها إذا سافرت: بعدت، واغتربت، وغربت إذا توجهت نحو الغرب.
وقد يقال للرجل اغرب عنا أي ابعد، ولو استعار لها اسم الغروب عن الأرض التي تكون فيها إذا ظعنت عنها إلى أرض أخرى، كان ذلك حسنًا جدًا، لا سيما وقد جعلها شمسًا، كما قال إبراهيم بن العباس الصولي:
وزالت زوال الشمس عن مستقرها فمن مخبري في أرض غروبها (٦)
[ ٢ / ٩٠ ]
وقد يجوز أن يقول قائل: أنه أراد أنها لا تغرب تحت الأرض كما تغرب الشمس، وهذه معاذير ضيقة لأبي عبادة، فإن لم يك قد أخطأ فقد أساء [وإن لم يكن قد أساء فما أحسن] (١)
وقال أبو تمام:
قالت وقد أعلقت كفي كفها حلا وما كل الحلال بطيب (٢)
فنعمت من شمس إذا حجبت بدت من نورها فكأنها لم تحجب
وهذا معنى حسن، وقد تقدم الناس فيه وأكثروا.
قال قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها الـ ـخالق أن لا يكنها سدف (٣)
وأجود من هذا قول جرير:
كأنها مزنة غراء رائحة أو درة لا يواري ضوءها الصدف (٤)
ووصل أبو تمام ذلك بأن قال:
وإذا رنت خلت الظباء ولدنها ربعية، واسترضعت في الربرب
إنسية إن حصلت أنسابها جنية الأبوين ما لم تنسب
قوله: «ربعية» يريد أنها ولدت في الربيع أول النتاج فهي أحسن ما تكون وأقوى، «واسترضعت في الربرب» والربرب: القطيع من [بقر] (٥) كأنه يؤكد حسن عينها.
[ ٢ / ٩١ ]
وقوله:
إنسية إن حصلت أنسابها جنية الأبوين ما لم تنسب
فيه سؤال وهو أن يقال: قوله: «جنية الأبوين» هو كقوله: تممية الأبوين، أو قرشية الأبوين، وهذا أصح ما يكون من النسب، فكيف يقول: ما لم تنسب؟، والنسب إلى الجن كالنسب إلى الإنس، فكما تقول: إنسي فكذلك تقول: جني، فكيف يكون ذلك نسبًا، وهذا غير نسب.
فالجواب أنه أراد إن حصل نسبها فقيل فلانة بنت فلان من بني فلان علم أنها من الإنس، وإن أبصرها المبصر ولم يسأل عن نسبها ظن أنها من الجن من فرط حسنها الزائد على حسن الإنس المعهود، فإنما قال: «ما لم تنسب» أي ما لم ننسبها (١) إلى آبائها من الإنس، وقال المؤمل بن إميل المحاربي (٢):
جنية أو لها جن يعلمها رمي القلوب بسهم ماله وتر
وأحسن في هذا كل الإحسان؛ لأن الرمي عن غير وتر ليس من رمي الإنس وقال بشار (٣):
إنسية جنية أو فوق ذاك أجل قدرا
فجعلها لحسنها فوق الإنس والجن.
وقال حسان:
جنية أرقني حبها تذهب صبحًا وترى في المنام (٤)
[ ٢ / ٩٢ ]
فأما قول الشنفرى:
* فلو جن إنسان من الحسن جنت (١) *
فإني أظنه أراد: لو عرضت الجن لأحد من حسنه عرضت لها، وقد قيل فيه غير شيء، وكله رديء، وليس مثله يذكر.
وقال أبو تمام:
أين التي كانت إذا شاءت جرى من مقلتي دمع يعصفره دم (٢)
بيضاء تسري في الظلام فيكتسي نورًا وتبدو في الضياء فيظلم (٣)
يستعذب الرعديد فيها حتفه فتراه وهو المستميت المعلم (٤)
مقسومة في الحسن بل هي غاية فالحسن فيها والجمال مقسم
ملطومة بالورد أطلق طرفها في الخلق فهو مع المنون محكم
قوله: «بيضاء تسري في الظلام فيكتسي نورًا» هو مذهب الناس نحو قول امريء القيس:
تضيء الظلام بالعشاء كأنها [منارة ممسى راهب متبتل] (٥)
وقول مزاحم: «صدعن الدجى» وأشباه هذا.
وقوله: «تبدو في الضياء فيظلم» يريد أن نورها يغلب على ضوء
[ ٢ / ٩٣ ]
النهار حتى يصير كأنه مظلم، وهذا أيضًا معروف، من قولهم: لو برزت للشمس لكسفتها، والنهار عند نور وجهها ليل، وأشباه هذا.
وقال في موضع آخر:
ولهت فأظلم كل شيء دونها وأضاء منها كل شيء مظلم (١)
فقوله: «أظلم كل شيء دونها» ليس من هذا الباب، وإنما أراد أن أمر الفراق أولهها فأظلمت الأشياء في عينها؛ لعظم ما ورد عليها.
وهذا مثل قول الشاعر، وأنشد أبو تمام في الحماسة:
نعى لي أبا المقدام فاسود منظري من الأرض واستكت علي المسامع (٢)
قوله: و«أضاء منها كل شيء مظلم» مثل قوله: «تبدو في الظلام فيكتسي نورًا».
وقوله: «مقسومة في الحسن» أي محظوظة منه، كأنها قد قسم لها منه، والقسم: النصيب.
وقوله: «ملطومة بالورد» يريد حمرة خدها، فلم يقل: مصفوعة بالقار، ويريد سواد شعرها، ومخبوطة بالشحم يريد امتلاء لجسمها، ومضروبة بالقطن يريد بياضها، إن هذا لأحمق ما يكون من اللفظ، وأسخفه، وأوسخه.
وقد جاء مثل هذا في كلام العرب ولكن على وجه حسن، قال النابغة:
وقذوفة بدخيس اللحم بازلها [له صريف صريف القعو بالمسد] (٣)
[ ٢ / ٩٤ ]
يريد أنها قذفت بالشحم، أي كأنه رمي على جسمها رميًا.
وإنما ذهب أبو تمام إلى قول أبي نواس: «وتلطم الورد بعناب» (١)
وهذه كانت تلطم على الحقيقة في مأتم على ميت بأنامل مخضوبة الأطراف، فجعلها عنابًا تلطم به وردًا، فأتى بالظرف كله، والحسن أجمعه، والتشبه على حقيقته.
وجاء أبو تمام بالجهل على وجهه، والحمق بأسره، والخطأ بعينه.
وقال:
ومقدودة رود تكاد تقدمها أصابتها بالعين من حسن القد (٢)
تعصفر خديها العيون بحمرة إذا وردت كانت وبالًا على الورد
إذا زهدتني في الهوى خيفة الردى جلت لي عن وجه يزهد في الزهد
قوله: «من حسن القد» بضم السين، من أقبح لفظة وأهجنها.
ومثل قوله:
* «أعرضت عن الإعراض» * (٣)
وهذا إذا سمعه الأعراب ضحكوا منه، بل الجيد قوله:
لولا العيون وتفاح الخدود إذا ما كان يحسد أعمى من له بصر (٤)
[ ٢ / ٩٥ ]
وأول هذه القصيدة:
يا هذه أقصري ما هذه بشر ولا الخرائد من أترابها الأخر (١)
خرجن في خضرة كالروض ليس لها إلا الحلي على أعناقها زهر
بدرة حفها من حولها درر أرضى غرامي فيها دمعي الدرر
صب الشباب عليها وهو مقتبل ماء من الحسن ما في صفوه كدر
قوله: «خرجن في خضرة» فإن الخضرة ليست من ألوان ثياب نساء البادية ولا من صبغ نساء الأمصار إلا في الفرط، لا يلبس إلا أن يكون أصل لون الثوب أخضر.
وقد جعل (٢) أبو تمام جميع لباس هؤلاء النسوة الأخضر، وشبهه بالروض من أجل تشبيهه الحلي بالزهر، وهو نبت حسن، وغرضه في ذكر الخضرة غرض صحيح إلا أنه غير معروف.
وقال البحتري:
واخضر موشى البرود وقد بدا منهن ديباج الخدود المذهب (٣)
ذكر الخضرة لأنه لم يجد لونًا غيرها؛ وذلك أن البياض ليس مما توصف به ثياب النساء، والسواد ثياب الحزن والمصائب، وقد جعل خدودهن ديباجًا مذهبًا، والذهب يشتمل على لون الحمرة، والصفرة، والتوريد هو من ألوان الخد، والكحلي لا يلفظ به، والعرب لا تذكره في
[ ٢ / ٩٦ ]
الألوان، وكذلك الأزرق لا تستعمله إلا في صفة الماء والصبح، ويقولون: عدو أزرق، أي حديد النظر، وسنان أزرق أي حديده، ولم يبق من الألوان ما يخالف لون الخدود المذهبة كما قال إلا الخضرة، فهذا وجه ذكر البحتري الخضرة؛ لأنه لو قال:
واحمر موشى الخدود وقد بدا منهن ديباج الخدود المذهب
لكان مدحًا بلونين متفقين.
وقال البحتري:
هز منها شرخ الشباب فجالت فوق خصر كثير جول الوشاح (١)
وأرتنا خدًا يراح له الور د ويشتمه جنى التفاح
وشتيتًا يغض من لؤلؤ النظـ ـم ويزري على شتيت الأقاحي
فأضاءت تحت الدجنة للشر ب وكادت تضيء للمصباح
وأشارت على الغناء بألحا ظ مراض من التصابي صحاح
فطربنا لهن قبل المثاني وسكرنا منهن قبل الراح
قد تدير الجفون من عدم الألـ ـباب ما لا يدور في الأقداح
قوله: «فجالت فوق خصر» كلام حسن.
وقوله: «يراح له الورد» حسن أيضًا.
وقول أبي تمام: «كانت وبالًا على الورد» أحسن منه وألطف، وأشبه بما يستعمل في هذا المعنى.
[ ٢ / ٩٧ ]
وقوله: «ويشتمه جنى التفاح» ليس بالجيد، بل هو رديء؛ لأنه لا يدخل في الاستعارة أن يشتم التفاح خدها، ولكنه يحمل على أن لو كان مما يشتم لاشتم خدها، أو لو كان الورد مما يراح لراح له.
و«يراح» أسهل من «يشتم».
وهذا مثل قول [عوف بن عطية] (١) بن الخرع:
لها حافر مثل قعب الوليد يتخذ الفأر فيه مغارا (٢)
والفأر لا تتخذ في الحافر مغارًا، وإنما قال ذلك لعظم الحافر، ومثله أيضًا قولهم: جاء بجفنة يقعد فيها خمسة، وإنما أراد لو قعدوا فيها لو سعتهم.
وهذا على كل حال أقرب من استعارة البحتري.
وقوله: «وشتيتًا يغض من لؤلؤ النظم» بيت في غاية الجودة، والصحة، والبراعة.
وكذلك قوله: «وكادت تضيء للمصباح» وهو أجود من قول أبي تمام:
«وتبدو في الضياء فيظلم»، وأوضح وأليق، وأشد مبالغة في الضوء.
وقال (٣) البحتري:
وبنفسي مستغرب الحسن فيه حيد عن محبه ونفار (٤)
فاتر الناظرين ينتسب الور د وجنتيه والجلنار (٥)
مذنب يكثر التجني فمنه الذ نب ظلمًا ومني الاعتذار
[ ٢ / ٩٨ ]
وهذا من قول المؤمل بن أميل المحاربي:
* وتذنبون فنأتيكم فنعتذر (١) *
وقال البحتري:
وقد نهيت فؤادي لو يطاوعني عن ذي دلال غريب الحسن مفرده (٢)
عن حب أحوى أسيل الخد أبيضه ساجي الجفون كحيل الطرف أسوده
مثل الكثيب تعالى في تراكمه مثل القضيب تثنى في تأوده
فجعل الخد ههنا أبيض من أجل قوله: «كحيل الطرف أسوده».
وابيضاض الخد عند كثير من الناس -إذا كان له ماء ورونق- أحسن من احمراره.
وقوله: «أحوى» إنما ذهب به إلى الظبي، وهو الذي في ظهره خط أسود، فقال «أحوى» مكان قوله «ظبي» لو قاله.
وهذا لفظ ومعنى في غاية الحسن.
وقال:
بيضاء أوقد خديها الصبا وسقى أجفانها من مدام الراح ساقيها (٣)
في حمرة الورد شكل من تلهبها وللقضيب نصيب من تثنيها
قوله: «أو قد خديها الصبا» يريد احمرارها، وهذا لفظ حسن ومعنى مستقيم.
[ ٢ / ٩٩ ]
وقوله: «وسقى أجفانها من مدام الراح ساقيها» يريد تفتير ألحاظها، وانكسار أجفانها من الغنج، كما تتكسر أجفان السكران.
وهذا كقوله:
تحسبه نشوان إما رنا للـ فتر من أجفانه وهو صاح (١) والأشهر (٢) الأكثر في كلامهم تشبيههم أجفان المحبوب بطرف الوسنان لا بطرف السكران، فذلك نحو قول الشاعر:
وكأنها بين النساء أعارها عينيه أحور من جآذر جاسم (٣)
وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم (٤)
ويجعلون طرف المحبوب هو الذي يسكر، ويقيمونه مقام الراح، وقد أكثر البحتري من هذا الوصف، وذلك قوله:
أرسلت شغلين: من لفظ محاسنه تدوي الصحيح ولحظ يسكر الصاحي (٥)
حييت خديك بل حييت من طرب وردًا بورد وتفاحًا بتفاح
[وقوله:
قد تدير الجفون من عدم الألـ ـباب ما لا يدور في الأقداح] (٦)
[ ٢ / ١٠٠ ]
وقوله:
وما أسكرتني الراح لكن أعانها علي بعينيه الغداة ومديرها (١)
وقوله:
سقاني بكأسيه وعينيه قادرًا بألحاظه دون المدام على سكري (٢)
وقوله:
مسكري إن شربت منه بعيني أرجوان من خمر خديه صرف (٣)
ولو قال: «خندريس من خمر عينيه» كان ذلك صحيحًا مستقيمًا، ولكن «أرجوان من خمر خديه» أحسن وألطف.
ولما قيل: «بيضاء أوقد خديها الصبا» كان يجب أن يقول: في حمرة الورد شكل من تلهبها، فلم يقل، ونسب التلهب إليها، وإن كان للخدين، وذلك من أجل قوله:
* وللقضيب نصيب من تثنيها *
ويجوز أن يكون ذهب بقوله من تلهبها إلى تلهب نار الخدين؛ لأنه قد دل عليها بالإيقاد.
وقال أبو تمام في حمرة الخد:
إن في خيمهم لمطعمة الحجـ ـلين والمتن متن خوط وريق (٤)
وكأن الجريال شيب بماء الد ر في خدها بماء العقيق
[ ٢ / ١٠١ ]
كذا رواية هذا البيت: «شيب بماء الدر في خدها (١) بماء العقيق» [وهو الصحيح] (٢).
والجريال: اللون الأحمر، وأراه أراد لون الخمر، كما قال الأعشى:
«سلبتها جريالها» (٣)، أي حمرتها، وقد سئل عن هذا فقال:
شربتها حمراء وبلتها بيضاء!.
واستقامة اللفظ أن يكون أراد: وكأن الجريال بماء العقيق شيب بماء الدر في خدها، كما قال في نحو هذا اللفظ:
وأخلاق كأن المسك فيها بصفو الراح بالنطف العذاب (٤)
فإن كان هذا أراد فقد كان ماء العقيق يغني عن الجريال؛ لأن الدر والعقيق جوهران، واختلاط مائهما على الاستعارة حتى يشبه الخد المورد سائغ.
وإن كان أراد بالجريال الخمر نفسها كما قال الشاعر:
* وتكلمت بلسانها الجريال *
فإن الخمرة بحمرة لونها مستغنية عن ماء (٥) العقيق؛ لأنها أنصع وأحسن.
وهو أيضًا جمع بين شيئين لا يتشابهان:
[ ٢ / ١٠٢ ]
والعادة الجارية في مثل هذا أن يقال: كأن خدها الخمر والماء، أو كأنها في خدها الخمر والماء، فأما الخمر ممزوجة أو مشوبة بماء العقيق فإنه خطل من القول.
وقال أبو تمام:
رود أصابتها النوى في خرد كانت بدور دجنة وشموسا (١)
وكأنما أهدى شقائقه إلى وجناتهن ضحى أبو قابوسا
بيضًا يدرن عيونهن إلى الصبا فكأنهن بها يدرن كؤوسا (٢)
وهذه أبيات صالحة.
ثم جن بعد هذا فقال:
لولا حداثتها وأني لا أرى عرشًا لها لظننتها بلقيسا (٣)
فأي شيء يزيد على هذه الحماقة.
وقال البحتري:
سفرت كما سفر الربيع الطلق عن ورد يرقرقه الضحى مصقول (٤)
[ ٢ / ١٠٣ ]
وتبسمت عن لؤلؤ في رصفه برد يرد حشاشة المتبول
أي شيء يزيدك على هذا الإحسان (١)؟
وأجود من هذا وأحلى قول كثير:
ويوم الخيل قد سفرت وكفت رداء العصب عن رتل براد (٢)
وعن نجلاء تدفع في بياض إذا دمعت وتنظر في سواد (٣)
وعن متكاوس في العقص جثل أثيث النبت ذي غدر جعاد
متكاوس: شعر كثير قد ركب بعضه بعضًا.
[ ٢ / ١٠٤ ]