قال أبو تمام:
مضى الأملاك وانقرضوا وأمسى سراة وهم تجار (١)
وقوفًا في ظلال الذم تحمى دراهمهم ولا يحمى الذمار (٢)
فلو ذهبت سنات الدهر عنه وألقي عن مناكبه الدثار
لعدل قسمة الأرزاق فينا ولكن دهرنا هذا حمار
قوله: «وألقي عن مناكبه الدثار» لفظ رديء، وليس من المعنى الذي قصده في شيء، وصدر البيت لائق بالمعنى فلو كان أتبعه بما يكون في معناه بأن يقول: فلو ذهبت سنان الدهر عنه، واستيقظ من رقدته، أو انتبه من نومته، أو انكشف الغطاء عن وجهه، لكان المعنى يمضي مستقيمًا، وقد ذكرته فيما مضى من أغاليطه مشروحًا (٣).
وقال: وهو من إحسانه المشهور:
سأوطيء أهل العسكر اليوم عسكرا من الذنب محاءً لتلك المعالم (٤)
ومالي من ذنب إلى الدهر خلته سوى أملي إياكم للعظائم (٥)
وإني ما حورفت في طلب الغنى ولكنكم حورفتم في المكارم
[ ٢ / ٢٥٣ ]
ومن جيد معانيه في هذا النحو قوله:
إن شئت أن يسود ظنك كله فاجله في هذا السواد الأعظم (١)
وقال:
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ويكدي الفتى في دهره وهو عالم (٢)
ولو كانت الأقسام تجري على الحجا هلكن إذًا من جهلهن البهائم (٣)
وهذا معنى ما على صحته وحسنه من مزيد.
وقال:
وما القفر بالبيد القواء بل التي نبت بي وفيها ساكنوها هي القفر (٤)
ومن قامر الأيام عن ثمراتها فأحج بها أن تنجلي ولها القمر (٥)
وهذا أيضًا جيد بالغ، ومن إحسانه المشهور، ثم وصله بأن قال:
فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي أساء ففي سوء القضاء لي العذر
قضاء الذي ما زال في يده الغنى ثنى غرب آمالي وفي يدي الفقر
رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطي من الأمر ما فيه رضا من له الأمر
وأشجيت آمالي بصبر حلون لي عواقبه والصبر مثل اسمه صبر (٦)
[ ٢ / ٢٥٤ ]
قوله: «فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي أساء» يريد شخوصه إلى مصر؛ لأنها كانت عنده أحسن مطالبه فأخفق فيها، فذمها بأن قال:
وما القفر بالبيد القواء بل التي نبت بي وفيها ساكنوها هي القفر
وقوله: «رضيت وهل أرضى» من أغاليطه وإحالاته في المعاني، وإنما كان ينبغي أن يقول: «رضيت وكيف لا أرضى» وقوم يحتجون بأنه (١) قال: رضيت وقد أرضى، على ما فسر به قول الله ﷿: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر» بأن قالوا معناه: قد أتى على الإنسان.
وقد ذهب إلى هذا قوم في «قد» إذا وليت الفعل الماضي، أما وليت المستقبل فإنها تكون بمعنى «ربما» وتخرج عن هذا التأويل.
وأكثر أهل العربية، وجميع أهل اللغة يقولون: المعنى: ألم يأت على الإنسان، بمعنى التقرير والتوبيخ، ويدفعون أن تكون «هل» بمعنى «قد»؛ لأن ذلك لم في كلام العرب.
وقد بينت هذا في الجزء الذي جمعت فيه أغاليط أبي تمام من هذا الكتاب (٢).
وقال:
وحادثات أعاجيب خسًا وزكا ما الدهر في فعلها إلا أبو العجب (٣)
يملكن قود الكماة المعلمين لها ويستقدن لفرسان على القصب (٤)
الخسا: الفرد، والزكا: الزوج، وفرسان القصب: يعني الصبيان.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وهذه ألفاظ في غاية الخلوقة والسخافة، ولو قال: ويستقدن لأهل الجبن والرعب، أو الرهب كان أحسن وتعمل (١):
وقال فيها:
في كل يوم صواقيري مفللة تستنبط الصفر لي من معدن الذهب (٢)
ما كنت كالسائل الأيام مجتهدًا عن ليلة القدر في شعبان أو رجب
أي ما التمست إلا من حيث يجب الالتماس، ولكني خبت.
بل سافع بنواصي الأمر مشتمل على قواصيه في بدئي وفي عقبي (٣)
بغربة كاغتراب الجود إن برقت بأوبة ودقت بالخلف والكذب
إذا عمدت لشأو خلت أني قد أدركته أدركتني حرفة العرب (٤)
قوله: «سافع بنواصي الأمر» من قوله: جل اسمه: «لنسفعًا بالناصية» والسفع بالشيء هو أن يؤخذ ويجذب جذبًا فيه عنف.
وكان ينبغي أن يقول: بنواصي الحزم أو العزم، فأما الأمر فإنه (٥). . .
وقوله:
بغربة كاغتراب الجود إن برقت بأوبة ودقت بالخلف والكذب
فشبه غيابه بغيبة (٦) الجود الذي يقال يقدم ولا يقدم، يؤكد بهذا عدم الجود، وأنه كلما طمع فيه من أحد كان بعيدًا كالغائب الذي يقال:
يقدم ثم لا يقدم.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
ودقت من الودق، وهو قطر المطر.
يقول هذا وهو قد قدم (١) من غيباته إلا أنه جعل نفسه كمن لم يقدم؛ لأنه قدم بالخيبة؛ فلذلك قال بعد هذا:
ما آب من آب لم يظفر بحاجته ولم يغب طالب للنجح لم يخب
وهذا تعسف، والخرس أحسن منه.
وقوله: «إن برقت بأوبة» يعني الغيبة، واستعارة البرق لا تحسن إلا باستعارة (٢) السحاب معه، وكان الجيد أن يقول: برقت سحابها بأوبة، لو استقام له.
وقوله: «أدركتني حرفة العرب» معنى ما قاله غيره، ولا جعل أحد العرب محارفين سواه، ودليل عدم حرفتهم ما هو إلا أنهم قهروا الأمم حتى صار الملك فيهم، وهم على تلك العزة الجاهلية إلى هذا الوقت.
وما زال الناس ينكرون هذا المعنى عليه ويعيبونه ولو كان قال: «حرفة الأدب» كان أولى بالصواب، وبما يستعمله الناس، ولأنه أديب غير مدفوع، وليس في القصيدة أيضًا ذكر للأدب.
وقد رواه قوم الأدب إنكارًا لذكر العرب ها هنا، وغيره في عدة من النسخ القديمة، والذي في نسخة أبي سعيد السكري، وأبي العلاء محمد بن العلاء وغيرهما: «العرب».
وإنما ذاك لشدة عشقه بالعربية، وأن يقال طائي.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وقد أنكره عليه ابن عمار وغيره، وهذا دليل على أنه ما قال إلا حرفة العرب.
وقال البحتري:
أوجلتني بعد أمن غرتي واغترار الأم يستدعي الوجل (١)
لم أوهم نعمتي تغدر بي غدرة الظل سجا ثم انتقل
زمن تلعب بي أحداثه لعب النكباء بالرمح الخطل (٢)
وأرى العدم فلا تحفل به عقبة تقضى وكلما يندمل
أكبرت نفسي وقدمًا أكبرت أن تلقى النيل من كف الأشل (٣)
ومن المعروف مر مقر يلفظ الطاعم منه ما أكل (٤)
نطلب الأكثر في الدنيا وقد نبلغ الحاجة فيها بالأقل (٥)
وهذا من إحسان أبي عبادة المتداول.
وقال:
تغاضى رجال عن المكرمات وقد مثلت نصب أعيانها (٦)
ولم تلتفت لوجوب الحقوق وواجبها خلق آذانها
فتحت يدي ثاني العطف عن كذوب المودة خوانها
وقد علمت خلتي أنني أفارقها عند هجرانها
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وقال:
وعيرتني سجال العدم جاهلة والنبع عريان ما في فرعه ثمر (١)
وما الفقير الذي عيرت آونة بل الزمان إلى الأحرار يفتقر (٢)
عزى عن الحظ أن العجز يدركه وهون العسر علمي في من اليسر
لم تبق من جل هذا الناس باقية ينالها الوهم إلا هذه الصور (٣)
جهل وبخل وحسب المجد واحدة من تين حتى يعفى خلفه الأثر (٤)
إذا محاسني اللاتي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
على نحت القوافي من معادنها وما علي إذا لم تفهم البقر (٥)
ذكر علي بن يحيى المنجم عن شيوخه أن هذا البيت للمخيم (٦) الراسبي، أحد الشعراء في دولة الرشيد، وكان صحب محمد منصور بن زياد فكسب معه مالًا عظيمًا، ثم صحب محمد بن يحيى بن خالد البرمكي بعد موت ابن منصور (٧) فلم يحمده فهجاه.
وأخذ بيت بأسره قبيح لأبي عبادة، ومثله لا يضطر إلى هذا.
وقد كان علي بن يحيى انحرف عن (٨) البحتري لأن البحتري هجاه بأمر المتوكل بأبيات ليس مثلها يضر، ولكنه ذكر صورته فقال:
[ ٢ / ٢٥٩ ]
كل أخلاق علي ترتضيها وتذمه (١)
هو قرد حين يبدو غير أنا لا نكمه
مقلتاه وحجاباه وشدقاه وخطمه
فضحك المتوكل حتى استلقى وبلغ علي بن يحيى فعاب (٢) هذا على البحتري لما حدث بينهما من التباعد.
إلا أني لم أرهم ينكرون استعارة البيت الذي يجري مجرى المثل إذا جاء موضعه، إلا أن يكون في شوارد الأمثال التي لا يكاد يعرف قائلوها.
وقال:
أضيع في معشر وكم بلد يعد عود الكباء من حطبه (٣)
لن ينصر المجد حق نصرته إلا المكين المكان من رتبه (٤)
يخدع عن عرضه البخيل ولا يخدع وهو الغني عن نشبه (٥)
أوثق من يصطفى عراه وإن حل بعيدًا من حل في حسبه (٦)
لا يصرم المحدث الكهام ولو أخلصه الهالكي من جربه (٧)
ننسى أيادي الزمان فينا فما نذكر ممن دهرنا سوى نوبه
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وقال:
أيذهب هذا الدهر لم ير موضعي ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي (١)
ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد يبيع ثمينات المكارم والحمد (٢)
سوائر شعر جامع بدد العلى تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي
يقدر فيها صانع متعمل لأحكامها تقدير داود في السرد (٣)
خيلي لو في المرخ أقدح إذ أبى رجال مؤتاتي إذن لخبا زندي (٤)
وما عارضتني كدية دون مدحهم فكيف أرني دون معروفهم أكدي
أأضرب أكباد المطايا إليهم مطالبة مني وحاجاتهم عندي؟
وهذا صدق أبي عبادة عن نفسه، وما كان له بد من أن ينفث، وما قال قولًا هو أصدق من هذا.
وقال:
وما جهلت فلا تجهل محاجزتي لصاحب الباب يرمي عنه صاحبه (٥)
الأرض أوسع من دار ألظ بها والناس أكثر من خل أحاربه (٦)
أعاتب المرء فيما جاء واحدة ثم السلام عليه لا أعاتبه
[ ٢ / ٢٦١ ]
ولو أخفت لئيم القوم جنبني أذاته وصديق الكلب ضاربه
ولن تعين امرأ يومًا وسائله ما لم تعنه على حر ضرائبه (١)
وقال:
لنا في كل يوم أصدقاء تعود عدًا وحالات تحول (٢)
وقد تعفو الظنون بمن يرجى فتخلف مثل ما تعفو الطلول
وما فقد الجميل لقرب عهد فنسأل عنه بل نسي الجميل
ويلوم سائل البخلاء حرصًا وإسفافًا كما لوم البخيل (٣)
وقال:
لم ألق مقدورًا على استحقاقه في الحظ إما ناقصًا أو زائدا (٤)
وعجبت للمحدود يحرم ناصبًا كلفًا وللمجدود يغنم قاعدا
وتفاوت الأرزاق فيما بينهم لا يأتلين نوازلًا وصواعدا
ما خطب من حرم الإرادة وادعًا خطب الذي حرم الإرادة جاهدا (٥)
وهذا كله في غاية الجودة والحسن والصحة والبراعة والحلاوة.
فأقول في الموازنة بينهما: إنهما (٦) أحسنا جميعًا في هذا الباب وأجادا، وأجعلهما متكافئين مع ما فيه لأبي تمام من الإساءة.
[ ٢ / ٢٦٢ ]