قال أبو تمام:
أتظنني أجد السبيل إلى العزا وجد الحمام إذًا إليَّ سبيلا (١)
الصبر أجمل غير أن تلددًا في الحب أحرى أن يكون جميلا
وهذا معنى حسن.
وقد قال نحوه في مرثية إدريس بن بدر السامي (٢).
وقد كان يدعى لابس الصبر حازمًا فأصبح يدعى حازمًا حين يجزع (٣)
أخذ الجميع من قول العتبي:
أضحت بخدي للدموع رسوم أسفًا عليك، وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم (٤)
وقال أبو تمام:
وما أحد طار الفراق بقلبه بجلد ولكن الفراق هو الجلد (٥)
وهذا معنى سخيف جدًا.
ولكن قد أحسن، وألطف، وأجاد في قوله حين قال:
يصبرني أن ضقت ذرعًا بحبه ويجزع أن ضاقت عليه خلاخله (٦)
[ ٢ / ٤٨ ]
وقال أيضًا:
رحل العزاء مع الرحيل كأنما أخذت عهودهما عل ميعاد (١)
وكأن أفئدة النوى مصدوعة حتى تصدع بالفراق فؤادي
و«أفئدة النوى مصدوعة» يشبه قوله:
وكم أبرزت منكم على قبح خدها صروف النوى من مرهف حسن القد (٢)
وما أظن أحدًا انتهى في الجهل، والعي، واللكنة، وضيق الحيلة في الاستعارة إلى أن جعل لصروف النوى قدًا، وأفئدة مصدوعة غير أبي تمام.
وقال البحتري:
ويأمرني بالصبر من ليس وجده كوجدي، ولا إعلان حالي كحاله (٣)
فإن أفقد العيش الذي فات باللوى فقدمًا فقدت الظل عند انتقاله
وهذا -لعمر الله- لفظ ومعنى في غاية الحسن والبراعة.
ومثله قول أبي الشيص:
يصبرني قوم براء من الهوى وللصبر تارات أمر من الصبر
وقال أبو تمام:
تحمل عنه الصبر يوم تحملوا وعادت صباه في الصبا وهي شمأل (٤)
بيوم كطول الدهر في عرض مثله ووجدي من هذا وهذاك أطول
[ ٢ / ٤٩ ]
جعل الصبا شمالًا؛ لأن الشمال تفرق، وقد تقدم ذكر هذا في الابتداآت (١).
ثم انظر إلى هذا السخف: كيف جعل للدهر عرضًا على هذا اللفظ الذي كأنه به يمسح أرضًا، أو يذرع ثوبًا.
وقال أبو تمام أيضًا:
لم يعط نازلة الهوى حق الهوى دنف أطاف به الهوى فتجلدا (٢)
صب تواعدت الهموم فؤاده إن أنتم أخلفتموه موعدا
لم تنكرين مع الفراق تلددي وبراعة المشتاق أن يتبلدا (٣)
وهذا المعنى مأخوذ من قول قيس بن ذريح:
بليغ إذا يشكو إلى غيرها الهوى فإن هو لاقاها فغير بليغ
وقال البحتري
هل أنت مصطبر على مضض الأسى إذ كان بينهم ورحلتهم غدا (٤)
لا تكذبن؛ فما أمارات النوى للصب إلا من أمارات الردى
لؤم بعيني أن يلائمها الكرى عن سلوة، وبمائها أن يجمدا
قد أتى هذا البيت الأخير على غرض أبي تمام في بيته الأول.
وأبو تمام في أبياته مع ما فيها من السرق (٥) أشعر من البحتري في أبياته.
[ ٢ / ٥٠ ]