قال أبو تمام:
الدار ناطقةٌ وليست تنطق لدثورها؛ إن الجديد سيخلق
وقال في مثل معناه:
وأبي المنازل إنها لشجون وعلى العجومة إنها لتبين
وهذا معنى شائع على ألسن العرب أن تقول لمن يعقل: وأبيك لقد أجملت، وكثرت على الألسن حتى تعدوا بها إلى مالا يعقل، قسمًا وغير قسم، وكذلك قالوا: لأمك الهبل، ولأمك الويل، ثم قالوا مثل ذلك لما لا أم له، وقال محرز بن المكعبر يرثي بسطام بن قيس:
لأم الأرض ويلٌ ما أجنت بحيث أضر بالحسن السبيل
فجعل للأرض أما.
[ ١ / ٤٥٥ ]
وقد قال البحتري:
لعمر أبي الأيام ما جار حكمها علي، ولا أعطيتها ثنى مقودي
فجعل للأيام أبًا، وقوله " شجون " جمع شجن، وما أفل ما يجمع فعلٌ على فعول، قالوا: أٍد وأسود، وليس هو بابه، والشجن: الحاجة، والشجن: الهم والحزن.
وقال أبو تمام:
من سجايا الطلول أن لا تجيبا فصوابٌ من مقلتي أن تصوبا
هذا البيت صدره جيد، وقوله " فصواب " ليست بالجيدة في هذا الموضع، وإنما أراد التجنيس.
وقال البحتري:
لا دمنةٌ بلوى خبتٍ ولا طلل ترد قولًا على ذى لوعةٍ بسل
وهذا بدأ جيد لفظه ومعناه.
وقال البحتريّ:
صب يخاطب مفحمات طول من سائل باك ومن مسئول
أراد أنه باكٍ والطلول باكية، وهذا ابتداء صالح.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وقال البحتري:
عزمت على المنازل أن تبيما وإن دمن بلين كما بلينا
أي: عزمت عليها أن توضح لنا، ويكون «تبين» بمعنى تفصح هي في نفسها، يقال: بأن الشيء وأبان، قوله «وإن دمن بلين كما بليان» أي: عزمت عليها أن تبين لنا القول وإن كانت قد بليت كما بلينا نحن، وهذا بيت ردئ العجز.
وقال البحتي:
أقم عليها أن ترجع القول أو على أخلف فيها بعض ما بي من الخبل
وهذا أيضًا بيت ردئ الصدر لفظه ومعناه؛ لأنه أراد أن يقول: قف لعلها أن ترجع القول أو على، فقال «أقم» مكان قف، وليس هذه اللفظة نائبة عن تلك؛ لأن الإقامة ليست من الوقوف في شيء، والدليل إلى أنه أراد أن يقول قف قوله بعد هذا:
فإن لم تقف من أجل نفسك ساعة فقفها على تلك المعالم من أجلي
وقال «علها أو على» وهما وإن كانتا لفظتين عربيتين فلعل أحسن من عل وأبرع، وزاد في تهجينها أنه كررها في مصارع، وقوله «أخلف بعض مابى من الخبل» عجز حسن، أي:
[ ١ / ٤٥٧ ]
أطرحه عني، أي: لعلي أبكي فأخفف بعض ما بي من البكاء، وإلى هذا المعنى ذهب، وإن لم يكن البكاء في البيت فقد ذكره من بعد.
وقال:
بالله يا ربع لما زدت تبيانا فقلت لي الحي لما بان لم بانا
وقا لأيضًا:
هب الدار ردت رجع ما أنت سائله وأبدى الجواب الربع عما تسائله
وهذا بيت غير جيد؛ لأن عجز البيت مثل صدره سواء ف يالمعنى، وكأنه بنى الأمر على أن الدار غير الربع، وأن السؤال إن وقع وقع في محلين اثنين، والبيت أيضا لا يقوم بنفسه؛ لأنه جعله معلقا بالبيت الثاني وهو قوله:
أفي ذاك برءٌ من جوى الهب الحشا توقده واستغزر الدمع جائله
وقال أيضًا:
هل الربع قد أمست خلاءً منازله مجيبٌ صداه أو يخبر سائله؟
[ ١ / ٤٥٨ ]
وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضًا:
عست دمنٌ بالأبرقين خوالي ترد سلامي أو تجيب سؤالي
وهذا ابتداء حسن.
فهذا ما وجدته لهما من الابتداءات في الباب، وليس لهما فيه بيت بارع، والجيد للبحتري قوله:
لا دمنةٌ بلوى خبتٍ ولا طلل
وقوله:
عست دمنٌ بالأبرقين خوالي
والجيد لأبي تمام بيتاه الأولان، ومعناهما غي رمعنى هذين البتين، وبيتا البحتري أجود لفظًا، وأصح سبكًا، وهما في هذا الباب متكافئان.
[ ١ / ٤٥٩ ]