بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا وآله وصحبه أجمعين قال أبو القاسم الحسن بن بشرٍ الامدي:
لما كنت قد خرجت مساوى أبي تمام وابتدأت بسرقاته وجب أن أبتدئ من مساوى البحتري بسرقاته؛ فإنه أخذ من معاني من تقدم من الشعراء وممن تأخر أخذًا كثيرًا.
وحكى أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه أن ابن أبي طاهر أعلمه أنه أخرج للبحتري ستمائة بيتٍ مسروق، ومنها ما أخذه من أبي تمام خاصة مائة بيت.
وكان ينبغي أن لا أذكر السرقات فيما أخرجه من مساوى هذين الشاعرين؛ لأنني قدمت القول في أن من أدركته من أهل العلم بالشعر لم يكونوا يرون سرقات المعاني من كبير مساوى الشعراء، وخاصة المتأخرين؛ إذ كان هذا بابًا ما تعرى منه متقدم ولا متأخر، ولكن أصحاب أبي تمام ادرعوا أنه أول سابق، وأنه أصل في الابتداع والاختراع؛
[ ١ / ٣١١ ]
فوجب إخراج ما استعاره من معاني الناس؛ ووجب من أجل ذلك إخراج ما أخذه البحتري أيضًا من معاني الشعراء، ولم أستقص باب البحتري، ولا قصدت الاهتمام إلى تتبعه؛ لأن أصحاب البحتري ما ادعوا ما ادعاه أصحاب أبي تمام لأبي تمام، بل استقصيت ما أخذه من أبي تمام خاصة؛ إذ كان من أقبح المساوى أن يتعمد الشاعر ديوان رجل واحد من الشعراء فيأخذ من معانيه ما أخذه البحتري من معاني أبي تمام، ولو كان عشرة أبيات، فكيف والذي أخذه منه يزيد على مائة بيت؟ فأما مساوى البحتري - من غير السرقات - فقد دققت واجتهدت أن أظفر له بشيء يكون بإزاء ما أخرجته من مساوئ أبي تمام في سائر الأنواع التي ذكرتها، فلم أجد في شعره - لشدة تحرزه، وجودة طبعه، وتهذيه لألفاظه - من ذلك إلا أبياتًا يسيرة أنا أذكرها عند الفراغ من سرقاته، فإن مر بي شيء منها ألحقته به، إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٣١٢ ]
* سرقات البحتري
١ - قال:
يخفى الزجاجة لونها فكأنها في الكأس قائمةٌ بغير إناء
أخذه من قول علي بن جبلة حيث يقول:
كأن يد النديم تدير منها شعاعًا لا يحيط عليه كاس
٢ - وقال البحتري:
كالرمح فيه بضع عشرة فقرةً منقادة تحت السنان الأصيد
أخذه من قول بشار:
خلقوا قادةً فكانوا سواءً ككعوب القناة تحت السنان
وأخذه أبو تمام فقال:
جمعت عرى أعماله بعد فرقةٍ إليك كما ضم الأنابيب عامل
[ ١ / ٣١٣ ]
٣ - وقال البحتري:
أعطيتني حتى حسبت جزيل ما أعطيتنيه وديعةً لم توهب
أخذه من قول الفرزدق:
أعطاني المال حتى قلت يودعني أو قلت أعطيت مالًا قد رآه لنا
وبيت البحتري أجود.
٤ - وقال البحتري:
أرد دونك يقظانًا ويأذن لي عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
أخذه من قول قيس بن الخطيم:
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه في النوم غير مصردٍ محسوب
٥ - وقال البحتري:
ملوكٌ يعدون الرماح مخاصرًا إذا زعزعوها والدروع غلائلا
وهذا مثل قول محمد بن عبد الملك الفقعسي، ولعله منه أخذه:
ولا لاقيًا كعب بن عمرو يقودهم أبو دهشم نسج الحديد ثيابها
٦ - وقال البحتري:
كوعول الهضاب رحن وما يم لكن إلا صم الرماح قرونا
[ ١ / ٣١٤ ]
وهذا من نوادر المعاني، وما عرف مثله إلا قول نصر بن حجاج بن علاط السلمى، ولعله منه أخذه:
ترى غاية الخطى فوق متونهم كما أشرفت فوق الصوار قرونها
٧ - وقال البحتري:
ينال الفتى ما لم يؤمل، وربما أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر
أخذه من قول الآخر، وأنشده ثعلبٌ:
وحذرت من أمر فمر بجانبي لم يلقني، ولقيت ما لم أحذر
٨ - وقال البحتري:
وإذا الأنفس اختلفن فما يغ نى اتفاق السماء والألقاب
أخذه من قول الفرزدق:
وقد تلتقي السماء في الناس والكنى كثيرًا، ولكن فرقوا في الخلائق
٩ - وقال البحتري:
لم تخط باب الدهليز منصرفًا إلا وخلخالها مع الشنف
أخذه من قول أب ينواس:
قد جمعوا آذانه وعقبه
[ ١ / ٣١٥ ]
١٠ - وقال البحتري:
ولست أعجب من عصيان قلبك لي عمدًا، إذا كان قلبي فيك يعصيني
أخذه من قول حسين بن الصحاك الخليع:
وتطمع أن يطيعك قلب سعدى وتزعم أن قلبك قد عصاكا!
وبيت البحتري أجود.
١١ - وقال محمد بن وهيب:
هل الدهر إلاغمرةٌ ثم تنجلي وشيكًا، وإلا ضيقةٌ فتفرج
أخذه البحتري فقال:
هل الدهر إلا غمرةٌ وانجلاؤها وشيكًا، وإلا ضيقةٌ وانفراجها
١٢ - وقال في وصف الذئب:
فأتبعتها أخرى وأضللت نصلها بحيث يكون اللب والرعب والحقد
وقال في هذا المعنى:
قومٌ ترى أرماحهم يوم الوغى مشغوفةً بمواطن الكتمان
أخذه من قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
والضاربين بكل أبيض مرهفٍ والطاعنين مجامع الأضغان
[ ١ / ٣١٦ ]
إلا أن قول عمرو " والطاعنين مجامع الأضغان " في غاية الجودة والإصابة؛ لأنهم إنما يطاعنون الأعداء من أجل أضغانهم، فإذا وقع الطعن موضع الضغن فذلك غاية كل مطلوب.
١٣ - وقال البحتري:
إلى فتىً يتبع النعمى نظائرها كالبحر يتبع أمواجًا بأمواج
أخذه من قول أبي دهبل الجمحي:
وليلةٍ ذات أجراس وأروقةٍ كالبحر يتبع أمواجًا بأمواج
وهذا إنما أراد قول امرئ القيس:
وليلٍ كمج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلى
١٤ - وقال البحتري:
محركًا رأسه توهمه من عطسةٍ قائمًا على شرف
يشبه قول الآخر:
كأن أبا السمى إذا تغنى يحاكي عاطسًا في عين شمس
١٥ - وقال البحتري:
سقمٌ دون أعين ذات سقمٍ وعذابٌ دون الثنايا العذاب
[ ١ / ٣١٧ ]
أخذه من قول بشار:
ذات الثنايا العذاب من دونهن عذاب
١٦ - وقال البحتري:
وكان في جسمي الذي في ناظريك من السقم
أخذه من قول منصور بن الفرج:
حل في جسمك ما كا ن بعينيك مقيما
١٧ - وقال البحتري:
تجد بدر الدجى يدنو بشمسٍ إلى من الرحيق الخسرواني
أخذه من قول الخليع:
قمرٌ يحمل شمسًا من رحيق الخسرواني
١٨ - وقال البحتري:
كأن سهيلًا شخص ظمآن جانح مع الأفق في نهى من الأرض يكرع
أخذه من قول محمد بن يزيد الحصني السلمي يصف النجوم:
[ ١ / ٣١٨ ]
حتى إذا ما الحوت في حوضٍ من الدلو كرع
١٩ - وقال البحتري:
قومٌ إذا شهدوا الكريهة صيروا كمم الرماح جماجم الأقران
أخذه من مسلم بن الوليد حيث يقول:
يكسو السيوف رؤوس الناكثين به ويجعل الهام تيجان القنا الذبل
وأخذه مسلم من قول جرير:
كان رؤوس القوم فوق رماحنا غداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا
٢٠ - وقال البحتري:
ولم لا أغالي بالضياع وقد دنا على مداها واستقام اعوجاجها
إذا كان لي ترييعها واغتلالها وكان عليكم عشرها وخراجها
أظنه - والله أعلم - حذا على قول شبيب بن البرصاء:
ترى إبل الجار الغريب كأنما بمكة بين الأخشبين مرادها
يكون عليه نقصها وضمانها وللجار، إن كانت تزيد، ازديادها
[ ١ / ٣١٩ ]
٢١ - وقال أبو صخر الهذلي:
أغر أسيديٌ تراه كأنه إذا جد يعطى ماله وهو لاعب
أخذه البحتري فقال:
وادعٌ يلعب بالدهر إذا جد في أكرومةٍ قلت هزل
٢٢ - وقال عبد الصمد بن المهذل:
ظبيٌ كأن بخصره من رقة ظمأ وجوعا
إني علقت لشقوتي يا قوم ممنوعًا منيعا
أخذه البحتري فقال:
من غادةٍ منعت وتمنع نيلها ولو أنها بذلت لنا لم تبذل
فزاد على عبد الصمد بقوله لو بذلت لنا لم تبذل.
٢٣ - وقال البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم محمرة فكأنهم لم يسلبوا
[ ١ / ٣٢٠ ]
وهذا مثل قول الحنتف بن السجف الضبي ويجوز أن يكون أخذه منه:
وفرقت بين أبني هميم بطعنةٍ لها عاندٌ يكسو السليب إزارا
قوله " لها عاند " يريد الدم.
٢٤ - وقال عبد الملك بن عبد الرحمن الحارثي:
وإنى ليدعونى لأن أستزيدها فؤادى وأخشى سخطها وأهابها
ونحوه قول البحترى ويجوز أن يكون أخذه منه:
وعتب من حبيك حتى إننى أخشى ملامك أن أبثك ما بى
٢٥ - وقال أبو نواس:
بح صوت المال مما منك يشكو ويصيح
[ ١ / ٣٢١ ]
أخذه البحترى فقال:
فكم لك فى الأموال من يوم وقعة طويل من الأهوال فيه عويلها
٢٦ - وقال جابر بن السليك الهمدانى:
أرمى بها الليل قدامى فيغشم بى إذ الكواكب مثل الأعين الحول
أخذه البحترى فقال:
وخدان القلاص حولا " إذا قا بلن حولا " من أنجم الأسحار
٢٧ - وقال عروة بن الورد:
مطلا " على أعدائه يزجرونه بساحاتهم زجر المنيح المشهر
فإن بعدوا لا يأمنون اقترابه تشوف أهل الغائب المتنظر
[ ١ / ٣٢٢ ]
ألم به البحترى فقال:
فترى الأعادى ما لهم شغل إلا توهم موقع يقعه
٢٨ - وقال البحترى:
على نحت القوافى من مقاطعها وما على إذا لم تفهم البقر
ذكر على بن يحيى المنجم أن البيت للمجثم الراسبى وكان شاعرا " اتصل بمحمد بن منصور بن زياد فككسب معه ألف درهم فلما مات اتصل بمحمد بن يحيى بن خالد البرمكى فأساء صحبته فهجاه فقال:
شتان بين محمد ومحمد حى أمات وميت أحيانى
فصحبت حيا فى عطايا ميت وبقيت مشتملا " على الخسران
فهذا ما مر بى من سرقة البحترى من أشعار الناس على غير تتبع فخرجتها ولعلى لواستقصيتها لكانت نحو ماخرجته من سرقات أبى تمام وتزيد عليها وعلى أننى قد بيضت فى آخر الكتاب فمهما مر بى شىْ ألحقته به إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٣٢٣ ]