بالشعر: زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء، وهي: جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى نهاية الصنعة من غير نقص منها ولا زيادة عليها.
وهذه الخلال الأربع ليست في الصناعات وحدها، بل هي موجودة ف يجميع الحيوان والنبات.
ذكرت الأوائل أن كل محدث مصنوعٍ محتاجٌ إلى أرعبة أشياء: علة هيولانية وهي الأصل، وعلة صورية، وعلة فاعلة، وعلة تمامية.
فأما الهيولى فإنهم يعنون الطينة التي يبتدعها الباري ﵎ ويخترعها ليصور ما شاء تصويره من رجل أو فرس أو جملٍ أو غيرها من الحيوان، أو برة أو كرمة أو نخلة أو سدرة أو غيرها من سائر أنواع النبات.
والعلة الفاعلة هي تأليف الباري ﷻ لتلك الصورة.
والعلة التمامية هو أن يتمها تعالى ذكره ويفرغ من تصويرها من غير انتقاص منها.
[ ١ / ٤٢٦ ]
وكذلك الصانع المخلوق في مصنوعاته التي علمه الله ﷿ إياها: لا تستقيم له وتجود إلا يهذه الأربعة، وهي: آلة يستجيدها ويتخيرها مثل خشب النجار وفضة الصائغ وآجر البناء وألفاظ الشاعر والخطيب، وهذه هي العلة الهيولانية التي قدموا ذكرها وجعلوها الأصل، ثم إصابة الغرض فيما يقصد الصانع صنعته، وهي العلة الصورية التي ذكرتها، ثم صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، وهي العلة الفاعلة، ثم أن ينتهي الصانع إلى تمام صنعته من غير نقص منها ولا زيادة عليها، وهي العلة التمامية.
فهذا قولٌ جامع لكل الصناعات والمخلوقات، فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته معنى لطيفا مستغربا كما قلنا في الشعر من حيث لا يخرج عن الغرض فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها.
وقد ذكر بزرجمهر فضائل الكلام ورذائله، وبعض ذلك دليل في الشعر، فقال: إن فضائل الكلام خمسٌ لو نقص منها فضيلة واحدة
[ ١ / ٤٢٧ ]
سقط فضل سائرها، وهي: أن يكون الكلام صدقا، وأن يوقع موقع الانتفاع به، وأن يتكلم به في حينه، وأن يحسن تأليفه، وأن يستعمل منه مقدار الحاجة. قال: ورذائله بالضد من ذلك؛ فإنه إن كان صدقا ولم يوقع موقع الانتفاع به بطل فضل الصدق منهن وإن كان صدقا وأوقع موقع الانتفاع به ولم يتكلم به في حينه لم يغنه الصدق ولم ينتفع به، وإن كان صدقا وأوقع موقع الانتفاع به وتكلم به في حينه ولم يحسن تأليفه لم يستقر في قلب مستمعه، وبطل فضل الخلال الثلاث منه، وإن كان صدقًا وأوقع موقع الانتفاع به وتكلم به في حينه وأحسن تأليفه، ثم استعمل منه فوق الحاجة خرج إلى الهذر، أو نقص عن التمام صار مبتورا وسقط منه فضل الخلال كلها.
وهذا إنما أراد به بزرجمهر الكلام المنثور الذي يخاطب به الملوك، ويقدمه المتكلم أمام حاجته، والشاعر لا يطالب بأن يكون قوله صدقًا، ولا أن يوقعه موقع الانتفاع به؛ لأنه قد يقصد إلى أنه يوقعه موقع الضرر، ولا أن يجعل له وقتًا دون وقت، وبقيت الخلتان الأخريان، وهما واجبتان في شعر كل شاعر، وذلك أن يحسن تأليفه، ولا يزيد فيه شيئًا على قدر حاجته؛ فصحة التأليف في لاشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه بعد صحة
[ ١ / ٤٢٨ ]