قال أبو تمام:
عندي من الأيام ما لو أنه أضحى بشارب مرقد ما غمضا (١)
لا تطلبن الرزق بعد شماسه فترومه سبعًا إذا ما غيضا
ما عوض الصبر امرؤ إلا رأى ما فاته دون الذي قد عوضا
«شارب مرقد» مثل غير جيد ولا حسن، ولا زال الناس يعيبونه.
وقال:
لا تأخذيني بالزمان فليس لي تبعًا ولست على الزمان كفيلا (٢)
من زاحف الأيام ثم عبا لها غير القناعة لم يزل مفلولا
من كان مرعى عزمه وهمومه روض الأماني لم يزل مهزولا
لو جاز سلطان القنوع وحكمه في الخلق ما كان القليل قليلا (٣)
الرزق لا تكمد عليه فإنه يأتي ولم تبعث إليه رسولا (٤)
يريد من لم يقنع وكان أبدًا يتمنى لم يزل مهزولا.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وقوله: «لو جاز سلطان القنوع»، وهو يريد القناعة؛ لأن المتأخرين في هذا الموضع يستعملون القنوع.
«ما كان القليل قليلا» أي لو كان حكم القناعة جائزًا نافذًا في الخلق، أي لو قنع الخلق ما كان القليل قليلا، أي ما كان أحد يستقل القليل، بل كان عنده بالقناعة كثيرًا، أفصح بمدح القناعة فقال:
الرزق لا تكمد عليه فإنه يأتي ولم تبعث إليه رسولا
وإنما أخذ هذا من قول عروة بن أذينة:
أسعى إليه فيعييني تطلبه ولو قعدت أتاني لا يعنيني (١)
ثم نقض أبو تمام هذا كله بأن قال في إثر هذا البيت بغير فاصلة تفصل بينهما يصف الناقة وقطعه الفلاة إلى الممدوح، فقال:
لله درك أي معبر قفرة لا توحش ابن البيضة الإجفيلا
بنت الفضاء متى تخد بك لا تدع في الصدر منك على الفلاة غليلا (٢)
أو ما تراها لا تراها هزة تشأى العيون ذوالقًا وذميلا (٣)
لو كان كلفها عبيد حاجة يومًا لزنى شدقمًا وجديلا (٤)
«ابن البيضة»: الظليم، والإجفيل: السريع الانجفال يعني الذهاب يقول: لا توحشه هذه الناقة لكثرة قطعها الفيافي وإلف الظلمان (٥) لها.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
ودل على أنه الظليم بقوله: «ابن البيضة» ولو كان جرى له ذكر لما كان لذكر البيضة معنى، إذ كل ظليم فهو ابن البيضة.
وقوله: «أو ما تراها هزة» أي من سرعة مرها واهتزازها في سيرها لا تكاد ترى صورتها.
تشأى العيون: تسبقها، ذوالقًا: جمع ذليقة، والذلاقة: السرعة والمضاء.
ويروى: «دوالقًا» بالدال غير معجمة، وجمع دالقة، والدالق: الخارج، يقال: سيف دالق إذا كان خارجًا من غمده.
وكان ينبغي أن يقول: تشأى العيون اندلاقًا وذميلًا، أو ذلاقة معجمة الذال وذميلًا؛ لأن قوله: «وذميلًا» لا يكون منسوقًا على ذوالق، وأظنه جعل الذميل منسوقًا على هزة.
والذميل ها هنا رديء؛ لأنه ضرب من سير الإبل لين، وهو يصف السرعة.
وعبيد: يعني البيطار الذي ذكره الأعشى في شعره، فقال يصف ناقة (١):
لم تعطف على حوار ولم يقـ ـطع عبيد عروقها من خمال (٢)
وكان يعالج الإبل، أي لو كلفها عبيد حاجة، أي سيرًا عليها لحاجة «لزنأ شدقمًا وجديلا» وهما فحلان من فحول العرب النجيبة المذكورة، لما يرى من سرعتها ونجابتها.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وهذا غاية ما يكون من سخف المعنى وركاكته؛ لأن زنأ من ألفاظ الجهال والصبيان، وإنما أراد لو سار عليها عبيد، هذا العالم بأمر الإبل، في بعض حاجة لصغر عنده، أو لهانن عليه أمر شدقم وجديل، فلم يهتد بلفظ من هذا النحو فقال: «لزنأ شدقمًا وجديلا» أتراه كان يقول لهما: يا زانيين، أو يا بني الزانيين، إن هذا من حماقات الطائي المحكمة، وسخفه العجيب مع ما في أبياته هذه من نقض المعنى الذي ذكره في الأبيات قبلها من الحث على القناعة، والقعود عن الحركة والاضطراب.
وقال البحتري:
لعمرك كيف نرصف ما عدانا من الدنيا ونسخط ما يجينا (١)
عنانا ما عساه يزول عنا وأنصبنا تكلف ما كفينا (٢)
يقيض للحريص الغيظ بحتًا وتتجه الحظوظ لمن قضينا
وما هو كائن وإن استطلنا إليه النهج يوشك أن يكونا
فلا تغرر من الأيام وانظر إلى أقسامها عمن زوينا (٣)
وقال:
نسعى وأيسر هذا السعي يكفينا لولا تكلفنا ما ليس يعنينا
نروض أنفسنا أقصى رياضتها على مواتاة دهر لا يواتينا
فليت مسلفنا الأعمار أنظرنا مجاملًا فتأتي في تقاضينا
وهذا كله لا مزيد على حسنه وصحته وحلاوته.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وقال:
ضيق العذر في الضراعة أنا لو قنعنا بقسومنا لكفانا (١)
ما لنا نعبد العباد إذا كا ن إلى الله فقرنا وغنانا
وقال:
لو أنني أوفي التجارب حقها فيما أرت لرجوت ما أخشاه (٢)
والشيء تمنعه تكون بفوته أجدى من الشيء الذي تعطاه
خفض أسى عما شآك طلابه ما كل شائم بارق يسقاه
وقال:
وكيف تعاطي الراح والرأس مخلس مشيبًا وشرب الراح من بعد جعفر (٣)
قنعت وجانبت المطامع لابسًا لباس محب للنزاهة مؤثر
وأيأسني علمي بألا تقدمي مفيدي ولا مزر بحظي تأخري (٤)
ولو فاتني المقدور مما أرومه بسعي لأدركت الذي لم يقدر
وقال:
أجدك ما تنفك تشكو قضية ترد إلى حكم من الدهر جائر (٥)
ينال الفتى ما لم يؤمل وربما أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر (٦)
وهذا في غاية الحسن والصحة والبراعة، وإنما أخذه والله أعلم من قول أبي العتاهية:
[ ٢ / ٢٤٨ ]
قد يسلم المرء مما قد يحاذره وقد يصير إلى المكروه بالحذر (١)
وأخذه أبو العتاهية من قول الآخر:
وحذرت من أمر فمر بجانبي متنكبًا ولقيت ما لم أحذر
وقال البحتري:
إن تجرب بني الزمان تجدهم إخوة فيه للشفار الكليلة (٢)
والفتى كادح لفعلة دهر يرتضيها أو عشية مملولة (٣)
خائف آمل لصرف الليالي والليالي مخوفة مأموله
راح أهل الآداب فيها قليلًا وحظوظ الأقسام فيها قليلة (٤)
فعليك الرضا بما رضيته لك هذي المطالب المجفوله (٥)
لن تنال المزور عنك بتدبيـ ـر ولن تصعد السماء بحيله (٦)
إذا ما اعتبرت ظاهر حالي كان أمرًا من الأمور الجليله (٧)
كم تكرهت غب أمر فكانت نعمة الله فيه عندي جميله (٨)
ليس إلا فضل العزيمة تمضيـ ـها وإلا المطية المرحوله
وهذا كلام يجري من رقته وحسنه.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
قوله: «فعليك الرضا» مدح للقناعة، ولم يحث على القعود عن المطالب، وإنما أراد عليك الرضا بما رضيته لك مطالبك، هذه الماطالب التي أنت بسبيلها، ولن تقدر على نيل ما ازور عنك ولذلك قال:
ليس إلا فضل العزيمة تمضيـ ـها وإلا المطية المرحوله
وعلى أنه قال:
كم تكرهت غب أمر فكانت نعمة الله فيه عندي جميله
يجوز أن يكون أراد غب أمر من تجشم الأسفار، وبعد المطالب، فأحمدت عاقبته فحسن أن يقول: «ليس إلا فضل العزيمة».
وأبو تمام صريح بذكر القعود عن المطلب بقوله:
الرزق لا تكمد عليه فإنه يأتي ولم تبعث إليه رسولا
فكان ذكره للناقة والرحيل عليها مناقضة ظاهرة قبيحة في أبيات متصل بعضها ببعض.
وقال البحتري:
تطلب الأكثر في الدنيا وقد تبلغ الحاجة فيها بالأقل (١)
وقال:
أسيف إذا أسففت أدنوا لمطمع خف وأراني مثريًا يوم أقنع (٢)
إذا شئت حاز الحظ دونك واهن ونازعك الأقسام عبد مجدع
[ ٢ / ٢٥٠ ]
أجدك ما المكروه إلا ارتقابه وأبرح مما حل ما يتوقع
وقد تتناهى الأسد من دون صيدها شباعًا وتغشى صيدها وهي جوع (١)
قوله: «أسيف إذا أسففت» يقال: أساف الرجل يسيف: إذا ذهب ماله.
يقول: إنه (٢) يفتقر إذا دنا لمطمع، ويستغني إذا قنع.
وقوله: «وقد تتناهى الأسد من دون صيدها شباعًا» يمدح القناعة، وأن من سبيل الإنسان إذا وجد البلغة اكتفى إلى أن يحتاج.
وقال:
حلي سعاد غروض العيس أو سيري وأنجدي في التماس الحظ أو غوري (٣)
كل الذي نترجاه ونأمله مضمن في ضرورات المقادير
فما يقرب تقديمي شواسعها ولا يباعد ما أدنين تأخيري
تغدو الكلاب ولا فضل يعد لها سوى الذي بان من نقص الخنازير
وقال أبو تمام:
ما يحسم العقل والدنيا تساس به ما يحسم الصبر في الأحداث والنوب (٤)
الصبر كاس وبطن الكف عارية والعقل عار إذا لم يكس بالنشب
كم ذقت في الدهرين من عسر ومن يسر وفي بني الدهر من رأس ومن ذنب
[ ٢ / ٢٥١ ]
بأي وخد قلاص واجتناب فلا إدراك رزق إذا مالج في الهرب (١)
ذكر أنه لا يحسم العقل ما يحسم الصبر، والصبر على شدة الزمان وأحداثه لا يكاد يقع إلا بالعقل، وكل الأخلاق الشريفة فبالعقل تكون.
وقوله: «الصبر كاس وبطن الكف عارية» من حماقاته في الطباق يريد أن الصبر مجانب لخلو اليد، وأنا ضد الفقر والعدم؛ لأن الفقر والعدم لا يكون معهما صبر، (٢) فجعل كاسيًا من أجل ذكر بطن الكف بالعري، ثم جعل العقل أيضًا عاريًا إذا لم يكن مكسوًا بالنشب، وكسوة الصبر والعقل استعارة تتجاوز كل فحش.
وأعجب من هذا ذوقه الرأس والذنب في بني الدهر، وما علمنا أحدًا ذاق ذنب غيره ولا رأسه (٣).
وأراد بالذوق الاختبار، واستعمله في أقبح موضع وأشنعه.
ولا خفاء بفضل البحتري في هذا الباب على أبي تمام.
[ ٢ / ٢٥٢ ]