قال أبو تمام:
أراك أكبرت إدماني على الدمن وحملي الشوق من بادٍ ومكتمن
وهذا ابتداء صالح وقال أيضًا:
ما عهدنا كذا نحيب المشوق كيف والدمع آية المعشوق
هذا بيت ردئ جدًا، وقد ذكرت ما فيه في باب ما ذكرناه له في وسط الكلام في تعنيف الأصحاب على الوقوف على الديار، وهذا البيت ابتداء، وإنما ذكرته هناك لأن معناه يتضح بالأبيات التي بعده؛ فجعلته في ذلك الباب.
وليس لأبي تمام ابتداء صالح في لوم الأصحاب غير هذين البيتين.
فأما البحتري فإنه تصرف ف يابتداءاتٍ جيادٍ حسانٍ بارعةٍ حلوةٍ؛ فمن ذلك قوله:
فيم ابتداركما الملام ولوعا ابكيت إلا دمنةً وربوعا
وهذا بيت حسن، وفيه سؤال، وهو أن يقال: إنما لاموه على بكائه على الدمنة والربوع، فما وجه اعتذاره بأنه لم يبك إلا دمنة وربوعا؟
[ ١ / ٤٦٧ ]
والجواب أنه أراد أبكيت إلا ما مثله يبكي؟ وقد تقدمني الناس فيه ولم ينكر ذلك على أحد.
وقوله:
خذا من بكائي في المنازل أودعا وروحا على لومي بهن أو اربعا
وهذا بيت جيد.
وقوله أيضًا:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا مقصرًا من ملامتي أو مطيلا
وهذا بيت جيد حسن، بارع اللفظ والمعنى، وقد ذكرته أيضًا في باب الوقوف على الديار.
وقوله:
أحرى الخطوب بأن يكون عظيما قول الجهول: ألا تكون حليما
وقوله:
ما أنت للكلف المشوق بصاحب فاذهب على مهلٍ فليس بذاهب
وقوله:
في غير شأنك بكرتي وأصيلي وسوى سبيلك في السلو سبيلي
[ ١ / ٤٦٨ ]
وقوله:
بعض هذا العتاب والتفنيد ليس ذم الوفاء بالمحمود
ولهما في تأنيب العذال في غير الوقوف علىلديار ابتداءاتٌ ليس بضائرٍ ذكرها ههنا.
فمن ذلك قول أب يتمام:
تقى جمحاتي لست طوع مؤنبي وليس حبيبي إن عذلت بمصحبي
وقوله أيضًا:
دأب عيني البكاء، والحزن دابيفاتركيني وقيت ما بي لما بي
وقوله أيضًا:
كفى وغاك؛ فإنني لك قالى ليست هوادي عزمتي بتوالي
وقوله أيضًا:
لامته لام عشيرها وحميمها منها خلائق قد أبر ذميمها
[ ١ / ٤٦٩ ]
وقوله أيضًا:
متى كان سمعي خلسةً للوائم وكيف صغت للعاذلين عزائمي
وقوله أيضًا:
قدك اتئب أربيت في الغلواء كم تعذلون وأنتم سجرائي
وهذه كلها ابتداءاتٌ صالحة، إلا هذا البيت الأخير؛ فإن الناس عابوه، وذكر أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه أن مما عيب من ابتداءات الطائي قوله:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
وقوله:
خشنت عليه أخت بني خشين
فأما قوله " خشنت عليه " فهو لعمري من تجنيساته القبيحة، وعهدت مجان البغداديين يقولون: قليل نورة يذهب بالخشونة، وأما قوله " كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر " فليس بمعيب عندي، وقد ذكرته في ابتداءات المراثي، وأخبرت بمعناه، وأما قوله " قدك اتئب أربيت في الغلواء " فإنها ألفاظ صحيحة فصيحة من ألفاظ العرب، مستعملة في نظمهم ونثرهم، وليست من متعسف ألفاظهم، ولا وحشي كلامهم، ولكن العلماء بالشعر أنكروا عليه أن جمعها في مصراع
[ ١ / ٤٧٠ ]
واحد، وجعلها ابتداء قصيدة، ولم يرفق بينها بفواصل فقال: " قدك اتئب أربيت في الغلواء "؛ فصار قوله " قدك اتئب " كانهما كلمة واحدة على وزن مستفعلن، وضم إليه " أربيت في الغلواء " فاستهجنت، ولو جاء هذا في شعر أعرابي لما أنكروه؛ لأن الأعرابي إنما ينظم كلامه المنثورالذي يستعمله في مخاطباته ومحاوراته، ولو خاطب أبو تمام بهذا المعنى في كلامه المنثور لما قال لمن يخطبه إلاحسبك استح زدت وغلوت، وهذا كلام حسن بارع.
قال: فمن شأن الشاعر الحضري أن يأتي في شعره بالألفاظ العربية المستعملة في كلام الحاضرة؛ فإن اختارأن يأتي بما لايستعمله أهل الحضر فمن سبيله أن يجعله من المستعمل في كلام أهل البدو دون الوحشىّ الذي يقلّ استعمالهم إياه، وأن يجعله متفرقًا في تضاعيف ألفاظه، ويضعه في مواضيعه، فيكون قد اتسع مجاله بالاستعانة به، ودلّ على فصاحته وعلمه، وتخلصّ من الهجنة، كما أنالشاعر الأعرابي إذا أتى في شعره بالوحشىّ الذي يقل استعماله إياه في منثور كلامه وما يجري دائمًا في عادته هجنّه وقبّحه، إلا أن يضطر إلى اللفظة واللفظتين، ويقلل، ولايستكثر؛ فإن الكلام أجناس إذا أتى منه شئ مع غير جنسه باينه ونافره وأظهر قبحه.
وقد تصرف البحتري في هذا الباب أحسن تصرف وأبلغه وأعجبه؛
فمن ذلك قوله:
أتاركى أنت أم معرًى بتعذيي ولائمى في هوًى إن كان يرزىبي
وقوله أيضًا:
يفنّدون وهم أدنى إلى الفند ويرشدون وما العذّال في رشد
متى كان سمعى خلسةً وكيف صنعت للعاذلين عزائمى
وقوله أيضًا:
قدك اتئب أربيت في الغلواء كم تعذلون وأنتم سجرائى
وهذه كلها ابتداءات صالحة إلا هذا البيت الأخير؛ فإن الناس عابوه، وذكرأبوعبد الله محمد بن داود بن الجراح فى كتاب أن مما عيب من ابتداءات الطائى قوله:
كذافليجل الخطب وليفدح الأمر
وقوله:
خشنت عليه أخت بنى خشين
فأما قوله " خشنت عليه " فهو لعمرىمن تجنيساته القبيحة وعهدت مجان البغداديين يقول: قليل نورة يذهب بالخشونة، وأما قوله " كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر " فليس بمعيب عندى، وقدذكرته فىبتداءات المراثى، وأخبرت بمعناه، وأما قوله " قدك اتئب أربيت فى الغلواء " فإنها ألفاظ صحيحة فصيحة من ألفاظ العرب، مستعملة فى نظمهم ونثرهم، وليست من متعسف ألفاظهم، ولا وحشى كلامهم، ولكن العلماء بالشعر أنكروا عليه أن جمعها فى مصراع واحد، وجعلها ابتداء قصيدة، ولم يفرق بينها بفواصل فقال: " قدك اتئب أربيت فى الغلواء " فصار قوله " قدك اتئب " كانهما كلمة واحدة على وزن مستفعلن، وضم إليه " أربيت فى الغلواء " فاستهجنت، ولوجاء هذا فى شعر أعرابى لما أنكروه لأن الأعرابى إنما ينظم كلامه المنثور الذى يستعمله فىمخاطباته ومحاوراته، ولوخاطب أبوتمام بهذا المعنى فى كلامه المنثور لما قال لمن يخاطبه إلا حسبك استح زدت وغلوت، وهذاكلام حسن بارع.
قال: فمن شأن الشاعر الحضرى أن يأتى فى شعره بالألفاظ (العربية) المستعملة فىكلام الحاضرة، فإن اختار أن يأتى بما لا يستعمله أهل الحضر فمن سبيله أن يجعله من المستعمل في كلام أهل البدو دون الوحشى الذى يقل استعمالهم إياه، وأن يجعله متفرقا فى تضاعيف ألفاظه، ويضعه في مواضعه، فيكون قداتسع مجاله بالاستعانة به، ودل على فصاحته وعلمه، وتخلص من الهجنة، كما أن الشاعر الأعرابي إذا أتى فى شعره بالوحشى الذى يقل استعماله إياه فى منثور كلامه وما يجرى دائما فى عادته هجنه وقبحه، إلا أن يضطر إلى اللفظة واللفظتين، ويقلل، ولا يستكثر، فإن الكلام أجناس إذا أتى منه شىء مع غير جنسه باينه ونافره وأظهر قبحه.
وقد تصرف البحتري في هذا الباب أحسن تصرف وأبلغه وأعجبه؛
[ ١ / ٤٧١ ]
فمن ذلك قوله:
أتاركى أنت أم معرًى بتعذيي ولائمى في هوًى إن كان يرزىبي
وقوله أيضًا:
يفنّدون وهم أدنى إلى الفند ويرشدون وما العذّال في رشد
وقوله أيضًا:
إنما الغي أن يكون رشيدًا فانقصا من ملامه أو فزيدا
وقوله أيضًا:
ألم يك في وجدي وبرح تلددي نهاية نهىٍ للعذول المفند
وقوله أيضًا:
مرنت مسامعه على النفنيد فعصى الملام لاعينٍ وخدود
وقوله أيضًا:
شغلان من عذلٍ ومن تفنيد ورسيس حب طارفٍ وتليد
وقوله أيضًا:
أقصرا ليس شأني الإكثار وأقلا لن يغني الإكثار
[ ١ / ٤٧٢ ]
وقوله أيضًا:
قلت للائم في الحب أفق لا تهون طعم شيء لم تذق
وقوله أيضًا:
أما كان في تلك الدموع السوائل بيانٌ لناء أو جوابٌ لسائل
وقوله أيضًا:
أكثرت في لوم المحب فأقلل وأمرت بالصبر الجميل فأجمل
وقوله أيضًا:
رويدك إن شأنك غير شاني وقصرك لست طاعة من نهاني
وقوله أيضًا:
يكاد عاذلنا ف يالحب يغرينا فما لجاجك في لوم المحبينا
وقوله أيضًا:
عذيري فيك من لاحٍ إذا ما شكوت الحب قطعني ملاما
وقوله أيضًا:
طفقت تلوم ولات حين ملامه لا عند كرته ولا إحجامه
ولا خفاء بفضل البحتري أيضا على أبي تمام في هذا الباب، وقد مضت الموازنة بين الابتداءات بذكر الديار والآثار، وأنا الآن أذكر ما جاء عنهما من ذلك في وسط الكلام.
[ ١ / ٤٧٣ ]