قال أبو تمام:
ألم تر آرام الظباء كأنما رأت بي سيد الرمل والصبح أدرع
لئن جزع الوحشي منها لرؤيتي لإنسها من شيب رأسي أجزع (١)
وهذا غاية في حسنه وصحة معناه.
قوله: «سيد الرمل» يريد الذئب، وقوله: «والصبح أدرع» أي أوله مختلط بسواد الليل، يريد وقت طلوع الفجر، وكل ما اسود أوله، وابيض آخره فهو أدرع، وشاة درعاء للتي اسود رأسها وعنقها، وسائرها أبيض.
وإنما قال ذلك لأن الضباء تخاف الذئب في ذلك الوقت، لأن لونه يخفى فيه لغبشته، فلا تكاد تراه حتى يخالطها، وهو الوقت الذي تنتشر (٢) فيه الظباء، وتخرج من كنسها لطلب المرعى (٣)، والغنم يخرجها أهلها بعد هذا الوقت.
وقال أبو تمام:
لعب البين بالمفارق بل جد دفابكى تماضرًا ولعوبا (٤)
[ ٢ / ٢٠٢ ]
خضبت خدها إلى لؤلؤ العقـ ـد دمًا أن رأت شواتي خضيبا
كل داء يرجى الدواء له إلا الفظيعين ميتة ومشيبا
يا نسيب الثغام ذنبك أبقى حسناتي عند الحسان ذنوبا (١)
ولئن عبن ما رأين لقد أنـ ـكرن مستنكرًا وعبن معيبا
أو تصدعن عن قلى لكفى بالشـ ـيب بيني وبينهن حسيبا
لو رأى الله أن للشيب فضلًا جاورته الأبرار في الخلد شيبا
وهذا البيت الأخير من شعره الجيد المشهور.
ومن يتعصب عليه يقول: إنه ناقض في هذه الأبيات، لقوله: «فأبكى تماضرًا ولعوبا» وقوله: «خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد دمًا» ثم قال: يا نسيب الثغام ذنبك أبقى حسناتي عند الحسان ذنوبا
وقوله: «ولئن عبن ما رأين».
وقالوا كيف يبكين دمًا على مشيبه ثم يعبنه؟
وليس ها هنا تناقض؛ لأن الشيب إنما أبكى تماضرًا ولعوبًا أسفًا على شبابه، والحسان اللواتي عبنه غير هاتين المرأتين، فيكون من أشفق عليه من الشيب منهن وأسف على شبابه بكى، كما قال الأخطل:
لما رأت بدل الشباب بكت له إن المشيب لأرذل الأبدال (٢)
ولم تك هذه حال من عابه (٣) وهو مستقيم صحيح (٤)
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وقول الأخطل: بكت له أي الشباب، ولكن أبا تمام لم يرض أن يقول بكت فيكون أمرًا قريبًا مشبهًا، حتى قال: «بكت الدم» على مذهبه في الخروج عن الحد في كل شيء.
وقال:
راحت غواني الحي عنك غوانيا يلبسن نأيًا تارة وصدودا (١)
من كل سابغة الشباب إذا بدت تركت عميد القريتين عميدا (٢)
أرببن بالمرد الغطارف بدنًا غيدًا ألفنهم لدانًا غيدا
أحلى الرجال من النساء مواقعًا من كان أشبههم بهن خدودا
قوله: «أرببن بالمرد» هو من أرب بالشيء إذا لزمه وأقام عليه، يقال: أرب به، وألب إذا لزمه، يريد أنهن أرببن (٣) هوى المرد، وأقمن عليه.
ورواه قوم «أرببن بالمرد»، من الربا الذي معناه الزيادة يقال (٤): قد أربى الرجل إذا زاد، فيقول: «أربين بالمرد أي زدن علينا بهم، أي جعلن المرد زيادة اخترنها علينا (٥) فما يقبل الرجل الزيادة في الشيء
[ ٢ / ٢٠٤ ]
الذي يعطاه فاضلًا من حقه، ويرغب يقال: قد أربى، فإلى هذا ذهب من قال: أربين، لا إلى قولهم: أنا أربأ بك عن كذا، لأن هذا مهموز معناه: أنا أرتفع بك، أو أرفعك عن كذا، من الربيئة والارتباء وهو الذي يصعد لأصحابه إلى شرف عال فيرصد أعداءهم (١) إذا قصدوهم فيراهم من بعد فينذرهم بهم، فكأنه قوله: «أربين بالمرد» أي أخذن المرد ربًا علينا لما فيهم من الزيادة التي اخترن (٢) علينا وتركننا.
والمعنى الأول أقرب لفظًا.
وعلى أي الوجهين كانت اللفظة فهي غير حسنة، ولا لائقة، ولا هذا الموضع موضعها بالباء كانت أم بالياء.
وقيل: أخذ قوله (٣): «أحلى الرجال من النساء مواقعًا؛ من قول الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن أمرًا فقد الشباب وقد يصلن الأمردا (٤)
وقال منصور النمري:
كرهن من الشيب الذي لو رأينه بهن رأيت الطرف عنهن أزورا (٥)
ونحو هذا قول آخر:
أرى شيب الرجال من الغواني بموقع شيبهن من الرجال (٦)
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وقال البحتري:
تعيب الغانيات علي شيبي ومن لي أن أمتع بالمعيب (١)
ووجدي بالشباب وإن تقضى حميدًا دون وجدي بالمشيب
وهذا من فاخر هذا الباب وعجيب مذاهبه، ومن إحسان أبي عبادة المشهور.
وقال البحتري أيضًا:
أعداوة كانت فمن عجب الهوى أن يصطفي فيه العدو حبيبا (٢)
أم وصلة صرفت فعادت هجرة أن عاد ريعان الشباب مشيبا
أرأيته من بعد جثل فاحم جون المفارق بالنهار خضيبا (٣)
فعجبت من حالين خالف منهما ريب الزمان وما رأيت عجيبا
إن الزمان إذا تتابع خطوه سبق الطلوب وأدرك المطلوبا
قوله: «جون المفارق»، والجون ها هنا: الأبيض؛ فلذلك قال: «بالنهار خضيبا» وخضاب البياض غير معروف ولا جرت بمثله عادة، وإنما الخضاب بالسواد والصفرة، وذلك أن الخضاب إنما هو صبغ، والبياض ليس بصبغ ولكن هو المصبوغ، والبحتري إنما جعله خضابًا لأنه لون حدث بعد لون قبله فلهذا ما جعله كالخضاب.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وقال:
رأت فلتات الشيب فابتسمت لها وقالت: نجوم لو طلعن بأسعد (١)
أعاتك ما كان الشباب مقربي إليك فألحى الشيب إذ كان مبعدي
تزيدين هجرًا كلما ازددت لوعة طلابًا لأن أردى فها أنا ذا ردي (٢)
متى أدرك العيش الذي فات آنفًا إذا كان يومي فيك أحسن من غدي (٣)
وهذا معنى في غاية الحسن والحلاوة.
وقوله: «فابتسمت لها»، يريد استهزأت، وبهذا [جرت عادة النساء أن يضحكن من المشيب ويستهزئن لا أن] يبكين كما قال أبو تمام ولم يقنع إلا ببكاء الدم (٥).
وقال البحتري:
عنت كبدي قسوة منك ما إن تزال تجدد فيها ندوبا (٦)
وحملت عندك ذنب المشيـ ـب حتى كأني ابتدعت المشيبا
ومن يطلع شرف الأربعين يلاق من الشيب زورًا غريبا (٧)
عهدي بالشيوخ من أهل العلم بالشعر إذا تذاكروا ما قيل في الشيب لا يقدمون على قوله:
* وحملت عندك ذنب المشيب *
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وقال:
وقد دعانت ناهيًا فأسمعني وخط على الرأس مخلس شعره (١)
صغر قدري في الغانيات وما ضغر صبًا تصغيره كبره
وقال:
أيثني الشباب أم ما تولى منه في الدهر دولة ما تعود (٢)
لا أرى العيش والمفارق بيضٌ أسوة العيش والمفارق سود (٣)
وأعد الشقي جدًا ولو أعـ طي غنمًا حتى يقال سعيد
من عدته العيون وانصرفت عنـ ـه التفاتًا إلى سواهد الخدود
وقال:
راعني ما يروع من وافد الشيـ ـب طروقًا ورابني ما يريب (٤)
شعرات سود إذا حلن بيضًا حال عن وصلة المحب الحبيب (٥)
مر بعد السواد ما كان يحلو مجتناه من عيشنا ويطيب (٦)
وقال:
أجدك ما وصل الغواني بمطمع ولا القلب من رق الغواني بمعتق (٧)
وددت بياض السيف يوم لقينني مكان بياض الشيب كان بمفرقي (٨)
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وقال:
عمر الغواني لقد بين من كثب هضيمة في محب غير محبوب (١)
إذا مددن إلى أغراضه سببًا وقين من كرهه الشبان بالشيب
وقال:
خلياه وجدة اللهو مادا م رداء الشباب غضًا جديدا (٢)
إن أيامه من البيض بيض ما رأين المفارق السود سودا
وقال:
قدك مني فما جوى السقم إلا في ضلوع على جورى الحب تحنى (٣)
لو رأت حادث الخضاب لأنت وأرنت من احمرار اليرنا (٤)
كلف البيض بالمعمر قدرًا حين يكلفن والمصغر سنا (٥)
يتشاغفن بالغرير المسمى من تصاب دون الجليل المكنى
وقال:
ترك السواد للابسيه وبيضا ونضا من الستين عنه ما نضا (٦)
وشآه أغيد في تصرف لحظه مرض أعل به القلوب وأمرضا
وكأنه وجد الصبا وجديده دينًا دنا ميقاته أن يقتضى (٧)
[ ٢ / ٢٠٩ ]
أسيان أثرى من جوى وصبابة وأساف من وصف الحسان وأنفضا (١)
شآه: سبقه أغيد الشباب الناعم، وغلبه على ود الحسان.
وأساف الرجل إذا ذهب ما في يده فافتقر، وكذلك أنفض (٢).
وقال:
أخي إن الصبا استمر به سير الليالي فأنهجت برده (٣)
تصد عني الحسان مبعدة إذ أنا لا قربه ولا صدده (٤)
شيب على المفرقين بارضه يكثرني أن أبينه عدده
تطلب عندي الشباب ظالمة بعيد خمسين حين لا تجده (٥)
لا عجب إن مللت خلتنا فافتقد الوصل منك مفتقده
من يتطاول على مطاولة العيـ ـش تقعقع من ملة عمده
أنهجت برده: يريد بروده، وفعل لا يجمع على فعل.
والبارض: أول ما يطلع من النبات وهو غض، يريد أن أوائل الشيب قد زادت عليه في الكثرة حتى لا يقدر على عددها بعد أن كان يعد الشعرات البيض في أول طلوع الشيب.
[ ٢ / ٢١٠ ]
وقوله: «تقعقع من ملة عمده» أي عظامه يجيء لها صوت إذا قام أو قعد من الكبر والضعف (١).
وقوله: «من ملة»: أي من تملى العيش، يريد طوله ودوامه، ومنه تمليت حبيك (٢).
وأخذ قوله (٣):
تطلب عندي الشباب ظالمة بعيد خمسين حين لا تجده (٤)
من قول بشار:
يا منظرًا حسنًا رأيته من وجه جارية فديته
لمعت إلي تسومني شرخ الشباب وقد طويته (٥)
[ ٢ / ٢١١ ]