وهذا ما أخذه البحتري من معاني أبي تمام خاصة مما نقلته من صحيح ما خرجه أبو الضياء بشر بن تميم الكاتب؛ لأنه استقصى ذلك استقصاء بالغ فيه حتى تجاوز إلى ما ليس بمسروق، فكفانا مؤونة الطلب.
١ - قال أبو تمام:
فسواءٌ إجابتي غير داعٍ ودعائي بالقفر غير مجيب
فقال البحتري:
وسألت مالا يستجيب، وكنت في اس تخباره كمجيب من لا يسأل
٢ - وقال أبو تمام:
فكادج بأن يرى للشرق شرقًا وكاد بأن يرى للغرب غربا
فقال البحتري:
فأكون طورًا مشرقًا للمشرق ال أقصى، وطورًا مغربًا للمغرب
٣ - وقال أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ طويت أتاح لها لسان حسود
[ ١ / ٣٢٤ ]
فقال البحتري:
ولن تستبين الدهر موضع نعمةٍ إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
٤ - وقال أبو تمام:
فإن تكن وعكةٌ قاسيت سورتها فالورد حلفٌ لليث الغابة الأضم
إن الرياح إذا ما أعصفت عيدان نجدٍ ولم يعبأن بالرتم
فقال البحتري:
فلست ترى شوك القتادة خائفًا سموم الرياح الآخذات من الرند
ولا الكلب محمومًا وإن طال عمره ألا إنما الحمى على الأسد الورد
٥ - وقال أبو تمام:
رأيت رجائي فيك وحدك همةً ولكنه في سائر الناس مطمع
فقال البحتري:
ثنى أملى فاحتازه عن معاشرٍ يبيتون والآمال فيهم مطامع
[ ١ / ٣٢٥ ]
٦ - وقال أبو تمام:
بمحمدٍ ومسودٍ ومحسدٍ ومكفرٍ وممدحٍ ومعذل
فقال البحتري: ذاك المحمد والمسو - د والمكرم والمحسد ٧ - وقال أبو تمام:
وقد قرب المرمى البعيد رجاؤه وسلت الأرض العزاز ركائبه
فقال البحتري:
أدار رجاه فاغتدى جندل الفلا ترابًا، وقد كان التراب جنادلا
٨ - وقال أبو تمام:
رافعٌ كفه لسبرى فما أح سبه جاءني لغير اللطام
فقال البحتري: ووعدٌ ليس يعرف من عبوس ان - قباضهم أوعدٌ أم وعيد
[ ١ / ٣٢٦ ]
٩ - وقال أبو تمام:
ونغمة معتفٍ جدواه أحلى على أذنيه من نغم السماع
فقال البحتري:
نشوان من طرب السوال كأنما غناه مالك طيءٍ أو معبد
١٠ - وقال أبو تمام:
ومجربون سقاهم من بأسه فإذا لقوا فكأنهم أغمار
فقال البحتري:
ملكٌ له في كل يوم كريهةٍ إقدام غرٍ واعتزام مجرب
١١ - وقال أبو تمام:
لا المنطق اللغو يزكو في مقامه يومًا، ولا حجة الملهوف تستلب
فقال البحتري:
إن أغفلوا حجةً لم يلف مسترقًا لها، وإن يهموا في القول لم يهم
١٢ - وقال أبو تمام:
مجدٌ رعى تلعات الدهر وو فتى حتى غدا الدهر يمشي مشية الهرم
[ ١ / ٣٢٧ ]
فقال البحتري:
صحبوا الزمان الفرط، إلا أنه هرم الزمان وعزهم لم يهرم
١٣ - وقال أبو تمام:
كريمٌ متى أمدحه والورى معي، وإذا ما لمته لمته وحدي
فقال البحتري:
أأشكو نداه بعد أن وسع الورى ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم
١٤ - وقال أبو تمام:
البيد والعيس والليل التمام معًا ثلاثةٌ أبدًا يقرن في قرن
فقال البحتري:
أطلبا ثاثًا سواي فإني رابع العيس والدجى والبيد
١٥ - وقال أبو تمام:
وما نفع من قد باي بالأمس صاديًا إذا ما السماء اليوم طال انهمارها
فقال البحتري:
واعلم بأن الغيث ليس بنافعٍ للناس ما لم يأت في إبانه
[ ١ / ٣٢٨ ]
١٦ - وقال أبوتمام:
تكاد مغانيه تهشّ عراصها فتركب من شوقٍ إلى كلّ راكب
فقال البحتري:
ولو أنّ مشتاقا تكلّف غير ما فيوسعه لمشى إليك المنبر
١٧ - وقال أبو تمام:
وكيف احتمالىللّسحاب صنيعةً بإسقائها قبرًاوفي لحده البحر
فقال البحتري:
ملآن من كرمٍ؛ فليس يضّره مرّ السّحاب عليه وهو جهام
١٨ - وقال أبو تمام:
فليشكروا جنح الظّلام ودروزًا فهم لدروز والظّلام موالى
فقال البحتري:
نجا وهو مولى الرّيح يشكر فضلها عليه، ومن يول الصّنيعة يشكر
[ ١ / ٣٢٩ ]
١٩ - وقال أبو تمام:
أنت المقيم فما تعدو رواحله وعزمه أبدًا منه على سفر
فقال البحتري:
مسافرٌ ومطاياه محللةٌ غروضها، ومقيمٌ وهو مر تحل
٢٠ - وقال أبو تمام:
وسرّف العليا، وهل بك مذهبٌ عنهاوأنت علىلمكارم قيّم؟
فقال البحتري:
متقلقل العزمات في طلب العلا حتّىيكون على المكارم قيمّا
٢١ - وقال أبو تمام:
فلم يجتمع شرقٌ وغربٌ لقاصدٍ ولا المجد في كف امرئ والرام
فقال البحتري:
ليفر وفرك الموفى وإن أع وز أن يجمع الندى ووفوره
[ ١ / ٣٣٠ ]
٢٢ - وقال أبو تمام:
فوفرت يافوخ الجبان على الردى وزدت غداة الروع في نجدة النجد
فقال البحتري:
ويغدو ونجدته في الوغى تدرب نجدات فرسانه
٢٣ - وقال أبو تمام:
ما زال وسواسي لعقلي خادعًا حتى رجا مطرًا وليس سحاب
فقال البحتري:
وعجيبٌ أن الغيوم يرجي هن من لا يرى مكان الغيوم
٢٤ - وقال أبو تمام:
بكل صعب الذرى من مصبٍ يقظٍ أقام متئدًا أن سار معتزما
فقال البحتري:
لايبرح الحزم يستوفى صريمته أقام متئدًا أم سار معتزما
٢٥ - وقال أبو تمام:
لرددت تحفته عليه وإن علت عن ذاك واستهديت بعض خصاله
[ ١ / ٣٣١ ]
وقال أبو تمام أيضًا:
وانفح لنا من طيب خيمك نفحةً إن كانت الأخلاق مما توهب
فقال البحتري:
لا تسل ربك الكثير وسله خصلةً تستفيدها من خصاله
٢٦ - وقال أبو تمام:
غريبةٌ تؤنس الآداب وحشتها فما تحل على قومٍ وترتحل
فقال البحتري:
ضوارب في ألافاق ليس بنازحٍ بها من محلٍ أوطنته ارتحالها
٢٧ - وقال أبو تمام:
كأنما خارمه أولقٌ أو غازلت هامته الخندريس
فقال البحتري:
وتخال ريعان الشباب يروعه من جنةٍ أو نشوةٍ أو أفكل
[ ١ / ٣٣٢ ]
٢٨ - وقال أبو تمام:
حمدٌ حبيت به وأجرٌ حلقت من دونه عنقاء ليلٍ مغرب
فقال البحتري:
فأنت تصيب الحمد حيث تلألأت كواكبه إن أنت لم تصب الأجرا
٢٩ - وقال أبو تمام:
تدعي عطاياه وفرًا وهي إن شهرت كانت فخارًا لمن يعفوه مؤتنفا
فقال البحتري:
وإذا اجتداه المجتدون فإنه يهب العلى في سيبه الموهوب
٣٠ - وقال أبو تمام:
وتلبس أخلاقًا كرامًا كأنها على العرض من فرط الحصانة أدرع
فقال البحتري:
قومٌ إذا لبسوا الدروع لموقفٍ لبسوا من الأحساب فيه دروعا
[ ١ / ٣٣٣ ]
٣١ - وقال أبو تمام:
لما أظلتني غمامك أصبحت تلك الشهود على وهي شهودي
فقال البحتري:
ومعترضون إن حاولت أمرًا بهم شهدوا على وهم شهودي
٣٢ - وقال أبو تمام:
أنضرت أيكتي عطاياط جتى صار ساقًا عودي وكان قضيبا
فقال البحتري:
حتى يعود الذئب ليثًا ضيغمًا والغصن ساقًا والقرارة نيقا
٣٣ - وقال أبو تمام:
فما تصطاد غير الصيد
فقال البحتري:
وتصطاد الفوارس صيدها
[ ١ / ٣٣٤ ]
٣٤ - وقال أبو تمام:
الآن حين غرست في كرم الندى تلك المنى وبنيت فوق أساس
فقال البحتري:
غفل الرجال بنوا على جدد الثرى لما بنوا، وبنيت فوق أساس
٣٥ - وقال أبو تمام:
فعلام الصدود من غير جرمٍ والصدود الفراق قبل الفراق
فقال البحتري:
على أن هجران الحبيب هو النوى لدى، وعرفان المشيب هو العذل
٣٦ - وقال أبو تمام:
وفتىً إذا جنف الزمان فما يرى إلا إلى عزماته يتظلم
فقال البحتري:
ولو أنصفتني سر مراءٌ لم أكن إلى العيس من قطانها أتظلم
[ ١ / ٣٣٥ ]
من دوحة الكلم الذي لم ينفكك وقفًا عليك رصينه محبوسًا
فقال البحتري:
ولك السلامة والسلام؛ فإنني غادٍ، وهن على علاك حبائس
٣٨ - وقال أبو تمام:
وكذاك لم تفرط كآبة عاطلٍ حتى يجاورها الزمان بحال
فقال البحتري:
وقد زادها إفراط حسنٍ جوارها خلائق أصفارٍ من المجد خيب
٣٩ - وقال أبو تمام:
وما العرف بالتسويف إلا كخلةٍ تسليت عنها حين شط مزارها
فقال البحتري:
وكنت وقد أملت مرًا لحاجتي كطالب جدوى خلةٍ لا تواصل
٤٠ - وقال أبو تمام:
آساد موتٍ مخدراتٌ ما لها إلا الصوارم والقنا آجام
[ ١ / ٣٣٦ ]
فقال البحتري:
حشدت حولها سباع الموالي والعواي غابٌ لتلك السباع
٤١ - وقال أبو تمام:
ولاذت بحقويه الخلافة، والتقت على خدرها أرماحه ومناصله
فقال البحتري:
لاذت بحقويه الخلافة؛ إنها قسمٌ لأفضل هاشمٍ فالأفضل
٤٢ - وقال أبو تمام:
قد جاءنا الرشأ الذي أهديته خرقًا، ولو شئنا لقلنا المركب
فقال البحتري:
حملت عليه في سبيل فتوةٍ هي الثغر خلف المجدبل تفضل الثغرا
٤٣ - وقال أبو تمام:
وقد تألف العين الدجى وهو قيدها ويرجى شفاء السم والسم قاتل
[ ١ / ٣٣٧ ]
فقال البحتري:
ويحسن دلها والموت فيه وقد يستحسن السيف الصقيل
٤٤ - وقال أبو تمام:
أورقت لي وعدًا وثقت بنجحه بالأمس، إلا أنه لم يثمر
فقال البحتري:
والوعد كالورق الجنى تأودت منه الغصون ونجحه أن يثمرا
٤٥ - وقال أبو تمام:
إنّ الهلال إذارأيت نموّه أيقنت أن سيكون بدرًا كاملًا
فقال البحتري:
مثل الهلال بدا؛ فلم يبرح به صوغ الليالي فيه حتّىقمرا
٤٦ - وقال أبو تمام:
نرمى بأشباحنا إلى ملكٍ نأخذ من ماله ومن أدبه
فقال البحتري:
نغدو فإمّا استمحنا من مواهبه فضلًا، وإما استفدنا منه آداب
[ ١ / ٣٣٨ ]
٤٧ - وقال أبو تمام:
وما خير برقٍ لاح في غير وقته ووادٍ غدات ملآن قبل أوانه
فقال البحتري:
واعلم بأن الغيث ليس بنافعٍ للناس ما لم يأت في إبانه
٤٨ - وقال أبو تمام:
لا يكرم النائل المعطى وإن أخذت به الرغائب حتى يكرم الطلب
فقال البحتري:
علمتني الطلب الشريف، وإنما كنت الوضيع من اتضاع مطالبي
٤٩ - وقال أبو تمام:
أرسى بناديك الندى، وتنفست نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا
فقال البحتري:
راحت لأربعك الرياح ضعيفةً وأصاب مغناك الغمام الصيب
[ ١ / ٣٣٩ ]
٥٠ - وقال أبو تمام:
الود للقربى ولكن رفده للأبعد الأوطان دون الأقرب
فقال البحتري:
بل كان أقربهم من سيبه سيبًا من كان أبعدهم من جذمه رحما
٥١ - وقال أبو تمام:
شرخٌ من الشرف المنيف يهزه هز الصفيحة شرخ غمرٍ مبقل
فقال البحتري:
أدركت ما فات الكهول من الحجى في عنفوان شبابك المستقبل
٥٢ - وقال أبو تمام:
بعثن الهوى في قلب من ليس هائمًا فقل في فؤادٍ رعنه وهو هائم
[ ١ / ٣٤٠ ]
فقال البحتري:
فبعثن وجدًا للخلى، وزدن في برحاء وجد الهائم المستهتر
٥٣ - وقال أبو تمام:
غرةٌ بهمةٌ، ألا إنما كن ت أغرا أيام كنت بهيما
فقال البحتري:
عجبت لتفويف القذال، وإنما تفويفه لء كان غير مفوف
٥٤ - وقال أبو تمام:
وما زالت تجد أسى وشوقا " له وعليه أخلاق الرسوم
فقال البحترى:
فهيج وجدى ربعها وهوساكن وجدد شوقى رسمها وهومخلق
٥٥ - وقال أبو تمام:
تراه يذب عن حرم المعالى فتحسبه يدافع عن حريم
فقال البحترى:
حامى عن المكرمات مجتهدا " ذب المحامى عن ماله ودمه
[ ١ / ٣٤١ ]
٥٦ - وقال أبو تمام:
تنصل ربها من غير جرم إليك سوى النصيحة والوداد
فقال البحترى:
أقر بما لم أجنه متنصلا " إليك على أنى إخا لك ألوما
٥٧ - وقال أبو تمام:
وتند عندهم العلى إلا على جعلت لها مرر القصيد قيودا
فقال البحترى:
والمجد قد يأبق عن أهله لولا عرى الشعر الذى قيده
٥٨ - وقال أبو تمام:
شك حشاها بخطبة عنن كأنها منه طعنة خلس
فقال البحترى:
فرجت جونتها بخطبة فيصل مثل لها فى الروع طعنة فيصل
[ ١ / ٣٤٢ ]
٥٩ - وقال أبو تمام:
جم التواضع والدنيا بسودده تكاد تهتز من أقطارها صلفا
فقال البحترى:
أبدى التواضع لما نالها رعة عنها، ونالته فاختالت به تيها
٦٠ - وقال أبو تمام:
إذا أطلقواعنه جوامح غله تيقن أن المن أيضا " جوامح
فقال البحترى:
وفى عفوه لو يعلمون عقوبة تقعقع فى الأعراض إن لم يعاقب
٦١ - وقال أبو تمام:
قصر ببذلك عمر وعدك تجولى شكرا " يعمر عمر سبعة أنسر
[ ١ / ٣٤٣ ]
فقال البحترى:
وجعلت فعلك تلو وعدك قاصرا " عمر العدو به وعمر الموعد
٦٢ - وقال أبو تمام:
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة فلباه طل الدمع يجرى ووابله
فقال البحترى:
نصرت له الشوق اللجوج بعبرة تواصل فى أعقاب وصل تصرما
٦٣ - وقال أبوتمام:
من ليلة فى وبلها ليلاء فلو عصرت الصخر صار ماء
فقال اليحترى:
أشرقن حتى كاد يقتبس الدجى ورطبن حتى كاد يجرى الجندل
٦٤ - وقال أبو تمام:
بر بدأت به ودار بابها للخلق مفتوح ووجه مقفل
فقال البحترى:
إلام بابك معقود على خلق وراءه مثل مد النيل محلول
هذا ما أخذه البحترى من أبى تمام.
[ ١ / ٣٤٤ ]