فجعل هذه المقدمة توطئةً لما اعتمده من الإطالة والحشد، وأن يقبل منه كل ما يورده، ولم يستعمل مما وصى به - من التأمل وإعمال الفكر - شيئًا، ولو فعل ذلك لرجوت أن يوفق لطريق الصواب؛ فيعلم أن السرق إنما هو في البديع المخترع الذي يختص به الساعر، لا في المعاني المشتركة بين الناس التي هي جارية في عاداتهم، ومستعملة في أمثالهم ومحاوراتهم، مما ترتفع الظنة فيه عن الذي يورده أن يقال: أخذه من غيره.
غير أن أبا الضياء استكثر من هذا الباب، وخلط به ما ليس من السرق في شيء، ولا بين المعنيين تناسبٌ ولا تقارب، وأتى بضربٍ آخر ادعى فيه أيضًا السرق والمعاني مختلفة؛ وليس فيه إلا اتفاق ألفاظ ليس مثلها مما يحتاج واحد أن يأخذه من آخر؛ إن كانت الألفاظ مباحةً غير محظورة، فبلغ غرضه في توفير الورق وتعظيم حجم الكتاب.
وأنا أذكر في كل بابٍ من هذه الأبواب أمثلة تدل على صحة ما ذكرناه، ونجعلها قياسًا على ما لم نذكره؛ فإن في البعض غنى عن الإطالة بذكر الكل.
١ - فمما أورده أبو الضباء من المعاني المستعملة الجارية مجاري
[ ١ / ٣٤٦ ]
الأمثال وذكر أن البحتري أخذه من أبي تمام قول أبي تمام:
جرى الجود مجرى النوم منه؛ فلم يكن بغير سماحٍ أو طعانٍ بحالم
وقال البحتري:
ويبيت يحلم بالمكارم والعى حتى يكون المجد جل منامه
وهذا الكلام موجود في عادات الناس، ومعروف في معاني كلامهم، وجارٍكالمثل علىلسنتهم، بأن يقولوا لمن أحبّ شيئًاأو استكثر منه: فلان لايحلم إلا بالطعام، وفلان لايحلم إلا بفلانه من شدة وجده بها، وهذا الزنحبى ما حلمه إلا بالتمر؛ ولا يقال لمن كانت هذه سبيله: سرق، وإنما يقال له: اتفاق؛ فإن كان واحد سمع هذا المعنى أو مثله من آخر فاحتذاه فإنما ذكر معنى قد عرفه واستعمله، لا أنه أخذه سرقة.
٢ - وأنشد لأبي تمام:
إذا القصائد كانت من مدائحهم يومًا فأنت لعمري من مدائحها
فذكر أن البحتري أخذه فقال:
[ ١ / ٣٤٧ ]
ومن يكن فاخرًا بالشعر يذكر في أضعافه فبك الأشعار تفتخر
وهذا غلط على البحتري؛ لأن الناس لا يزالون يقولون: فلان يزين الثياب ولا تزينه، ويجمل الولاية ولا تجمله، وفلانة تزيد في حسن الحلى ولا يزيد في حسنها، وفلان تفتخر به الأنساب ولا يفخر بها، وهذا ليس من المعاني التي يجوز أن يدعى أحد من الناس أنه ابتدعها واخترعها أو سبق إليها، ولا يجوز أن يكون مثل هذا - إذا اتفق فيه خطيبان، أو شاعران - أن يقال: إن أحدهما أخذه من الآخر.
٣ - وأنشد لأبي تمام:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
وذكر أن البحتري أخذه فقال:
وأيامنا فيك اللواتي تصرمت مع الوصل أضغاثٌ وأحلام نائم
وكأنه ما سمع الناس يقولون: ماكان الشباب إلا حلمًا، وما كانت أيامه إلا نومة نائم، وما أشبه ذلك من اللفظ، فكيف يجوز أن يكون ذلك مسروقًا؟ ٤ - وذكر أن من ذلك قول أب يتمام:
قد يقدم العير من دعرٍ على الأسد
[ ١ / ٣٤٨ ]
وقول البحتري:
فجاء مجيء العير قادته حيرةٌ إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره
أو لم يسمع ما هو كالمجمع عليه من أن العير إذا رأى السبع أقبل إليه من شدة خوفه منه، حتى صار مثلا يتمثل به، كما يتمثل بالفراشة إذا تهافتت في الناء، وفي ذلك أمثال وأشعار كثيرة، فما أظن علمها سقط عن البحتري.
٥ - ومن ذلك قول أبي تمام:
هيهات لم يعلم بأنك لو ثوى بالصين لم تبعد عليك الصين
وقول البحتري:
يضحى مطلا على الأعداء لو وقعوا في الصين في بدها ما استبعد الصينا
وهذا جار على أفواه العامة والخاصة والنساء والصبيان أن يضربوا المثل ف يالبعد بالصين، وأن يوقعوا التهديد به؛ فيقولوا: لو أنك بالصين لما بعدت على، فكيف لا يهتدي البحتري إلى مثل هذا؟ ٦ - ومن ذلك قول أب يتمام:
كأن بني نبهان يوم وفاته نجوم سماء خر من بينها البدر
[ ١ / ٣٤٩ ]
وقول البحتري:
فإذا لقيتهم فموكب أنجمٍ زهرٍ وعبد الله بدر الموكب
وهذا معنى متقدم مبتذل: جاء به النابغة وغيره، وكثر على الألسن حتى صار أشهر من كل مشتهر، وبيت أب يتمام خاصة فإنما سرقة على سياقه من مريم بنت طارق ترثي أخاها:
كنا كأنجم ليلٍ بينها قمرٌ يجلو الدجى فهوى من بيننا القمر
أو من قول جرير يرثي الوليد بن عبد الملك:
أمسى بنوه وقد جلت مصيبتهم مثل النجوم هوى من بينها القمر
٧ - ومن ذلك قول أبي تمام:
همةٌ تنطح النجوم وجدٌ آلفٌ للحضيض فهو حضيض
وقل البحتري:
متحيرٌ يغدو بعزمٍ قائمٍ في كل نائبةٍ وجدٍ قاعد
وهذان المعنيان جنسهما واحد، ولفظهما مختلف، وهما شائعان في الكلام، وجاريان في الأمثال، يقال: فلان علي الهمة، وهمته في
[ ١ / ٣٥٠ ]
الثريا وحاله في الحضيض، وفلان يسامي بهمته النجم ولكن قعد به حظه، ونحو هذا من اللفظ؛ فليس يجوز أن يعتور هذا المعنى شاعران فيقال: أحدهما أخذه من الآخر.
٨ - ومن ذلك قول أب يتمام:
وليست فرحة الأوبات إلا لموقوفٍ على ترح الوداع
وقول البحتري:
ما لشيء بشاشةٌ بعد شيءٍ كتلاق مواشكٍ بعد بين
وهذا معنى مستفيض معروف، ومنه قول الحجاج بن يوسف: لولا فرحة الأوبات لما عذبتهم إلا بالأسفار، وغرض كل واحد من هذين الشاعرين في هذين البيتين مخالف لغرض صاحبه؛ لأن أبا تمام ذكر أنه لا يفرح بالقدوم إلا من شجاه وأحزنه التوديع، وأراد البحتري أنه ليس شيء من المسرة والجذل إذا جاء في أثر شيء ما كالتلاقي بعد التفرق؛ فليس - وإن كان جنس المعنيين واحدًا - يصح أن يقال: إن أحدهما
[ ١ / ٣٥١ ]
أخذ من الآخر؛ لأن هذا قد صار جاريًا في العادات وكثيرًا على الألسن؛ فالتهمة ترتفع عن أن يأخذ أحد عن آخر.
٩ - ومن ذلك قول أبي تمام:
لهم نشبٌ، وليس لهم سماحٌ وأجسامٌ، وليس لهم قلوب
وقول البحتري:
خلقٌ ممثلةٌ بغير خلائقٍ ترجى، وأجسامٌ بلا أرواح
وهذا الكلام أيضًا هو أعرف في كلامهم وأشهر من أن يحتاج شاعرٌ أن يأخذه من الآخر، وهم دائمًا يقولون: ما فلان إلا شبحٌ من الأشباح، وما هو إلا صورة في حائط، أو جسدٌ فارغ؛ ونحو هذا من القول الشائع المشتهر.
١٠ - ومن ذلك قول أبي تمام:
لا تدعون نوح بن عمرو دعوةً للخطب إلا أن يكون جليلا
وقول البحتري: يا أبا جعفرٍ! وما أنت بالمد - عو إلا لكل أمرٍ كبار ونسى قول الناس: اختر لعظيم الحوائج العظيم من الناس، ولكبير الأمور كبيرهم، وقال رجل لابن عباس: إن لي إليك حاجةً صغيرة، فقال: اطلب لها رجلا صغيرًا.
[ ١ / ٣٥٢ ]
١١ - ومن ذلك قول أبي تمام:
بيضٌ فهن إذا رمقن سوافرًا صورٌ، وهن إذا رمقن صوار
وقول البحتري:
أنى لحظت فأنت جوذر رملةٍ وإذا صددت فأنت ظبي كناس
وهذا تسبيه أعين النساء بأعين البقر، وتمثيلهن بالصوار، وبالظباء؛ وجل كلام العرب عليه يجري، فلا تكون الشعراء فيه إلا متفقين.
١٢ - ومن ذلك قول أبي تمام:
ولقد جهدتم أن تزيلوا عزه فإذا أبانٌ قد رسا ويلملم
وقول البحتري:
ولن ينقل الحساد مجدك بعدما تمكن رضوى واطمأن متالع
وهذا المعنى أيضًا شائع من معانيهم، وكثير من أشعارهم، ومنه قول الفرزدق:
فادفع بكفك إن أردت بناءنا ثهلان ذا الهضبات، هل يتحلحل
[ ١ / ٣٥٣ ]
وقوله يخاطب جريرا أيضًا:
فرم حضنًا فانظر متى أنت ناقله
أفترى البحتري ما سمع هذا من قول الفرزدق ولا من قول غيره فنقله كما سمعه أبو تمام فنقله؟ ١٣ - ومن ذلك قول أبي تمام:
وفي شرف الحديث دليل صدقٍ لمختبرٍ على شرف لاقديم
وقول البحتري:
على أنا نوكل بالأداني وتخبرنا الفروع عن الأصول
وهذا معنىٍ شائعٌ في الكلام أيضًا، مشهور كثير على الأفواه أن يقولوا: إن العروق عليها ينبت الشجر، ومن أشبه أباه فما ظلم، والعصى من العصية، والغصن من الشجرة، ودلت على الأم السخلة، ومثل هذا لا يكون مأخوذًا مستعارًا ١٤ - ومن ذلك قول أبي تمام:
ولذاك قيل: من الظنون جليةٌ صدقٌ، وفي بعض القلوب عيون
وقول البحتري:
وإذا صحت الروية يومًا فسواء ظن امرئ وعيانه
[ ١ / ٣٥٤ ]
وهذا أيضًا من الأمثال المشهورة المتداولة السائرة، وهو قولهم: ظن العاقل كيقين غيره، ومن ذلك قول أوس بن حجر:
الألمفي الذي يظن بك الظ ن كأن قد رأى وقد سمعا
١٥ - وقال أبوتمام:
لا نجم من معشرٍ إلا وهمته عليك دائرةٌ يأيها القطب
بقي بيت البحتري لم يذكره، وهو هذا:
ودارت بنو ساسان طرا عليهم مدار النجوم السائرات على القطب
وكأنه ما سمع قول الناس: فلان قطب هذا الأمر، وعلى فلان مدار القصة، ونحو هذا من القول الذي يستغنى الإنسان بما جرى منه في عاداته أن يستعبره من غيره.
١٦ - ومن ذلك قول أبي تمام:
وأقل الأشياء محصول نفعٍ صحة القول والفعال مريض
وقول البحتري:
وما لمثلي في القول منك رضًا والقول في المجد غير محسوب
[ ١ / ٣٥٥ ]
وأبو تمام زعم أن رونق القول بالمواعيد لا يتحصل منه نفع إذا لم يكن فعال، وجعل الصحة ف يالقول والمرض في الأفعال مثلن في الاستعارة، والبحتري إنما ذكر أنه لا يرضى بالقول؛ لأن القول لا يحتسب به للماجد بغير فعل؛ فالغرضان مختلفان، والمعنى معنى واحد شائع جار في عادات الناس أن يقولوا: إنما زيد كلام، وإنما عمرو قول بلا فعل، ومثل هذا - مع كثرته على الألسن - لا يقال: إنه مسروق.
١٧ - ومن ذلك قول أبي تمام:
ستر الصنيعة واستمر ملعنًا يدعو عليه النائل المظلوم
وقول البحتري:
أكافرٌ منك فضل نعمى وستر نعمى الكريم كفر
فذكر أبو تمام رجلا ذمه بستر الصنيعة، وجعله ملعنًا يدعو عليه النائل المظلوم، على الاستعارة، والبحتري ذكر أن ستر النعمى كفر، وكلا اللفظين مستعملان شائعان على الألسن؛ فلا يقال لمن تكلم بأحد اللفظين: إنه استعاره من الآخر.
[ ١ / ٣٥٦ ]
١٨ - ومن ذلك قول أبي تمام:
شهدت جسيمات العلى وهو غائبٌ ولو كان أيضًا شاهدًا كان غائبا
وقول البحتري:
بشيرًا لكم فيها، نذيرًا لغيركم له شاهدٌ عن موضع الفهم غائب
وهذا المعنى أيضًا جارٍ على الأفواه، ومستعمل في الكلام، تعرفه العامة كما تعرفه الخاصة، وذلك قولهم: فلان شاهد كغائب، وحاضر كمن لم يحضر، وفلان سواء والعدم.
١٩ - ومن ذلك قول أبي تمام:
دعيني على أخلاقي الصم للتي هي الوفر أو سربٍ ترن نوادبه
وقول البحتري:
وخد القلاص يردني لك بالغنى في بعض ذا التطواف أو يرديني
وهذان المعنيان أصلهما واحد، وهو قول امرئ القيس:
نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا
[ ١ / ٣٥٧ ]
وشهرته وكثرة استعمال الناس إياه يغنى البحتري عن أن يقال: إنه استعاره، أو أخذه.
٢٠ - ومن ذلك قول أبي تمام:
كحلت بقبح صورته فأمسى لا إنسان عيني في السياق
وقول البحتري:
شكوت قذى بعينك بات يدمى كأنك قد نظرت إلى طماس
وهذا أيضًا من المعاني التي تمنع شهرتها وابتذال العامة والخاصة لها من أن يقال: إنها مسروقة، وإن واحدًا ائتم فيها بآخر.
٢١ - ومما جاء به أبو الضياء على أنه مسروق، والمعنيان مختلفان ليس بينهما اتفاق ولا تناسب، قول أب يتمام:
فاقسم اللحظ بيننا؛ إن في اللحظ لعنوان ما يجن الضمير
وقال البحتري:
سلامٌ وإن كان السلام تحية فوجهك دون الرد يكفي المسلما
وأبو تمام سأل من يخاطبه أن يقبل عليه، ويجعل له قشطًا من النظر؛ فإن إدامة النظر تدل على المودة، كما أن الإعراض يدل على البغض.
[ ١ / ٣٥٨ ]
والبحتري إنما سلم على الهيثم الغنوى، وذكر أن السلام تحية، وأن وجهه لجماله وطلاقته يكفي المسلم قبل رده، والمعنيان مختلفان، وليس لواحد منهما من الرقة والغرابة ما ينسب أحدهما إلى انه محذوٌ على ألآخر أو مسروق منه.
٢٢ - ومن ذلك قول أبي تمام:
ورحب صدرٍ لو أن الأرض واسعةٌ كوسعه لم يضق عن أهله بلد
وقول البحتري:
مفازة صدرٍ لو تطرق لم يكن ليسلكها فردًا سليك المقانب
وأبو تمام ذكر أن رحب صدر الممدوح وسعته تزيد على سعة الأرض، فأسرف، وأخطأ ف يالمعنى بما قد ذكرته في باب خطائه في المعاني، والبحتري ذكر سعة صدر الممدوح، وجعل له مفازة على اللاستعارة، وذكر أنه لو تطرق لم يكن ليسلكها سليكٌ الذي لم يكن ليكبر عليه سلوك الأرض وإن عرضت وطالت، وإنما أراد جميعًا سعة صدر الممدوح، كما جرت العادة بهذا الضرب
[ ١ / ٣٥٩ ]
من المدح، فأفرطا، ولكن سلك كل واحد منهما معنىً غير معنى صاحبه كما ترى.
٢٣ - ومن ذلك قول أبي تمام:
إنما البشر روضةٌ؛ فإذا ما كان برٌ فروضةٌ وغدير
وقول البحتري:
فإن العطاء الجزل ما لم تحلهببشرك مثل الروض غير منور
فأراد أبو تمام البشر مع البر كالروضة والغدير، وأراد البحتري أالعطاء ما لم يكن معه بشر كان كالروض غير منور؛ فليس بين المعنيين اتفاق إلا في ذكر البشر والروض، والألفاظ غير محظورة على واحد.
٢٤ - ومن ذلك قول أبي تمام:
وغني ما حورفت في طلب الغنى ولكنما حورفتم في المكارم
فقال البحتري:
إذا ابتدا بخلاء الناس عارفةً يتبعها المن فالمرزوق من حرما
فأراد أبو تمام أنه ليس بمحدود ولا محارفٍ في ملتمساته ومطالبه،
[ ١ / ٣٦٠ ]
ولكن الذين أملهم وطلب ما عندهم حورفوا ف يمكارمهم؛ فأحسن في المعنى واللفظ كل الإحسان؛ وأراد البحتري أن البخيل إذا امتن بمعروفه فالمرزوق من حرم ذلك المرعوف؛ فهذا المعنى غير معنى أب يتمام، وليس بينهما اتفاق ولا تقارب.
٢٥ - ومن ذلك قول أبي تمام:
إذا شب نارًا أقعدت كل قائم وقام لها من خوفه كل قاعد
وقول البحتري:
ومبجلٌ وسط الرجال، خفوفهم لقيامه، وقيامهم لقعوده
وليس أحد المعنيين من الآخر في شيء؛ لأن أبا تمام أراد أن الممدوح إذا شب نار الحرب أقعدت كل قائم لقتاله ومنابذته: أي تزعج كل واحد خوفًا وفرقًا؛ وذلك مأخوذ من قول الفرزدق:
أتاني ورحلي بالمدينة وقعةٌ آل تميمٍ أقعدت كل قائم
وقوله " وقام لها من خوفه كل قاعد " أي: زال عن الطمأنينة والهدو والقرار فقام، وإنما يريد انزعاج الخائف؛ فجعل ذلك قيامًا له، والبحتري إنما ذكر أن الرجال يخفون لقيام ممدوحه، أي:
[ ١ / ٣٦١ ]
يسرعون بين يديه إذا قام، فإذا قعد قاموا إجلالا وهيبة، وأن من شأنه أن لا يجلس أحد بجلوسه وأن يكون الناس كلهم قيامًا إذا جلس، والمعنيان مختلفان، وليس بينهما اتفاق إلا في ذكر القيام والقعود، والألفاظ مباحة.
٢٦ - ومن ذلك قول أبي تمام:
ورب يومٍ كأيامٍ، تركت به متن القناة ومتن القرن منقصفا
وقول البحتري:
من معركٍ ضنكٍ تخال به القنا بين الضلوع إذا انشنين ضلوعا
وليس بين المعنيين اتفاق إلا في أن الشاعرين وصفا حال الطعن بالقنا كيف يقع؛ فذكر ذلك أن ممدوحه يقصف متن القرن ومتن القناة، وشبه هذا انطواء الرماح واعوجاجها - إذا وقعت بضلوع القوم - باعوجاج ضلوعهم، وهذا من التشبيهات الظريفة العجيبة، وهو المعنى الذي استغربه واستحسنه أبو تمام لما أنشد البحتري محمد بن يوسف القصيدة، وذلك أول اجتماعهما وتعارفهما على ما يرويه الشاميون.
٢٧ - ومن ذلك قول أبي تمام:
بين البين فقعدها، قلما يع رف فقدٌ للشمس حتى تغيبا
[ ١ / ٣٦٢ ]