وقول البحتري:
فاضل بين الإخوان عسرى في ظلماء ليلٍ تفاضلت شهبه
وليس بين المعنيين تناسبٌ؛ لأن أبا تمام ذكر أن موضع فقدها بان، وأنه قلما يعرف فقد الشمس إلا بعد غروبها، وهذا جارٍ ف يعادات الناس واستعمالهم أن يقولوا: لا يعرف فضل الإنسان حتى يفقد، ولا يعرف فضل العافية إلا عند البلية، ولا قدر الدرهم إلا عند الحاجة إليه؛ والبحتري أراد أن عسره بين له عن مراتب إخوانه، وفضل بعضهم على بعض في معونته وبره، كما يتفاضل الشهب في ظلمة الليل، وأراد بالشهب الكواكب، وهذا المعنى لطيف جدًا، وليس من معاني أب يتمام في شيء.
هذا، ومما دعى أبو الضياء على البحتري فيه السرق، والاتفاق في أكثر ذلك إنما هو في الألفاظ التي ليست محظورة على أحد، وقد مضى فيما قبل من هذا الباب أبيات.
٢٨ - فمن ذلك قول أبي تمام:
إن الصفائح منك قد نضدت على ملقى عظامٍ لو علمت عظام
[ ١ / ٣٦٣ ]
وقول البحتري:
مساعٍ عظامٌ ليس يبلى جديدها وإن بليت منهم رمائم أعظم
فأراد أبو تمام أن عظام الرجل الذي رثاه عظام القدر، وأراد البحتري أن مساعي القوم عظام لا يبلى جديدا وإن بليت عظامهم، وليس ههنا اتفاق إلا في لفظ العظام لا غير.
٢٩ - ومن ذلك قول أبي تمام:
لا يدهمنك من دهمائهم عددٌ فإن أكثرهم أو جلهم بقر
وقول البحتري:
على نحت القوافي من مقاطعها وما على لهم أن تفهم البقر
فأراد أبو تمام أنه لا يجب أن ينظر إلى كثرة عددهم؛ فإن أكثرهم بقر، وذكر البحتري أن عليه أن يجيد القول، وليس عليه أن تفهمه البقر، وما ههنا اتفاق إلا في لفظة البقر.
٣٠ - ومن ذلك قول أبي تمام:
لهان علينا أن نقول وتفعلا
[ ١ / ٣٦٤ ]
وقول البحتري:
إن الخليفة ليس يرقب في لاذي حاولت إلا أن نقول ويفعلا
والاتفاق ههنا إنما هو في القول والفعل.
٣١ - ومن ذلك قول أبي تمام:
وما يوم زرت اللحد يومك وحده علينا، ولكن يوم زيدٍ وحاتم
وقول البحتري:
بأبيض وضاحٍ كأن قميصه يزر على الشيخين زيدٍ وحاتم
أفترى البحتري ما سمع بذكر زيد الخيل ولا حاتم الطائي اللذين يفخر بهما اليمن كلها فيشبه ممدوحه بهما إلا من بيت أبي تمام؟ ٣٢ - ومن ذلك قول أبي تمام:
لعمرك ما كانوا ثلاثة إخوةٍ ولكنهم كانوا ثلاث قبائل
وقول البحتري:
كانوا ثلاثة أبحرٍ أفضى بهم ولع المنون إلى ثلاثة أقبر
فجعلهم أبو تمام ثلاث قبائل، وجعلهم البحتري ثلاثة أبحر؛
[ ١ / ٣٦٥ ]
فليس ههنا اتفاق إلا في ذكر ثلاثة.
٣٣ - ومن ذلك قول أبي تمام:
كساك من الأنوار أبيض ناصعٌ وأحمر ساطعٌ وأصفر فاقع
وقول البحتري:
من واضحٍ يققٍ وأصفر فاقعٍ ومضرج جسدٍ وأحمر قاني
أفترى البحتري لم يكن ليهتدي إلى أصفر فاقع وأحمر قانٍ لولا بيت أبي تمام؟ ٣٤ - ومن ذلك قول أب يتمام:
لولا مناشدة القربى لغادركم فريسة المرهفين لاسيف والقلم
وقول البحتري:
زنت الخلافة إشرافًا وقد حبطت وذدت عن حقها بالسيف والقلم
وكذلك أيضًا لم يكن البحتري يهتدي إلى الجمع بين السيف والقلم لو لم يجمعهما له أبو تمام!
[ ١ / ٣٦٦ ]
٨ - ومن ذلك قول أبي تمام:
أبي لي نجر الغوث أن أراأم التي أسب بها، والنجر يشبهه النجر
وقول البحتري:
سيدٌ نجر المعالي نجره يملك الجود عليه ما ملك
وقد كان يبغي لأبي الضياء أن لا يخرج مثل هذا في السرق، ولا يفضح نفسه!!
٩ - ومن ذلك قول أبي تمام:
متواطئو عقبيك في طلب العلى والمجد، ثمة تستوى الأقدام
وقول البحتري:
حزت العلى سبقًا، وصلى ثانيًا ثم استوت من بعده الأقدام
١٠ - ومثله قول أبي تمام:
في غداةٍ نهضوبةٍ كان فيها ناضر الروض للسحاب نديما
[ ١ / ٣٦٧ ]
وقول البحتري:
قد تعالت بك المروءة حتى قد حسبناك للسماك نديما
وما يجعل مثل هذا مسروقا إلا من لا معرفة له بحلي المعاني فضلًا عن خفيها.
٣٨ - ومن ذلك قول أبي تمام يصف الفرس:
من نجل كل تليدةٍ أعراقه طرفٍ معم في السوابق مخول
وقول البحتري:
وافى الضلوع يشد عقد حزامه يوم اللقاء على معم مخول
وما في " معم مخول " من الغرابة حتى يتلقنه البحتري من أبي تمام، على كثرته على الألسن، وقول الناس في مدح الفرس: كريم الآباء والمهات، وشريف الأنساب ونحو هذا؟ ٣٩ - ومن ذلك قول أب يتمام:
فأذرت جمانًا من دموع نظامها على الخد إلا أن صائغها الشفر
[ ١ / ٣٦٨ ]
وقول البحتري:
جرى في نحرها من مقلتيها جمانٌ يستهل على جمان
فالاتفاق ههنا إنما هو في لفظ " جمان " وقول ذلك " نظامها على الخد " وقول هذا " جرى في نحرها " فلا يقتضى أن يكون أحدهما مأخوذًا من الآخر؛ لأن الدمع على الخد جريه، وإلى النحر يصل، وهذه حال لا يجهلها أحد ممن وصف الدمع.
١٣ - ومن ذلك قول أبي تمام:
وهل للقريض الغض أو من يحوكهعلى أحدٍ إلا عليك معول
وقول البحتري:
وعليك سقياهم لنا إذ لم يكن في نوبةٍ إلا عليك معول
فحظر على البحتري لفظة " معول " وحرمها عليه من أجل أن أبا تمام لفظ بها!.
١٤ - ومن ذلك قول أبي تمام:
وإذا امرؤٌ أهدى إليك صنيعةً من جاهه فكأنها من ماله
[ ١ / ٣٦٩ ]
وقول البحتري:
حاز حمدي، وللرياح اللواتي تجلب الغيث مثل حمد الغيوم
فمعنى أبي تمام مشترك بين الناس، وليس مخترعًا؛ لأنك أبدًا تسمع قول القائل - إذا بلغ حاجته بشفاعة - أن يقول للشفيع: ما أعتد هذه إلا من الله ومنك؛ فليس لأبي تمام فيه شيء أكثر من أن عبر فيه بعبارة حسنة مكشوفة؛ فالبحتري لم يأخذ المعنى منه لأنه من العادات موجود، ولكنه أحسن في التمثيل، وأغرب وأحسن.
[ ١ / ٣٧٠ ]