قال أبو تمام:
إن كان مسعود سقى أطلالهم سبل الشئون فلست من مسعود (١)
ظعنوا فكان بكاي حولًا بعدهم ثم ارعويت، وذاك حكم لبيد
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها بالدمع إن تزداد طول وقود
قوله: إن كان مسعود، يعني مسعودًا أخا ذي الرمة، ولا يعرف له بيت واحد بكى فيه على الديار، وهذا من معاني أبي تمام الغامضة التي يسأل عنها.
وما زلت أرى الناس قديمًا يخبطون فيه، وإنما ذكر مسعودًا: لأنه كان ينهى ذا الرمة عن البكاء على الديار، وذلك قول ذي الرمة:
عشية مسعود يقول وقد جرى على لحيتي من واكف الدمع قاطر (٢)
أفي الدار تبكي إذ بكيت صبابة وأنت امرؤ قد حلمتك المعاشر
فأراد أبو تمام إن كان مسعود الذي أنكر على ذي الرمة البكاء ونهاه عنه، قد رأى أن البكاء أحسن بعد أن كان عنده غير حسن، فلست منه، وذلك كقول القائل: إن كان حاتم قد شح فلست منه، أي إن كان بعد كرمه وجوده قد رأى أن البخل حسن، فلست مقتديًا به.
وكأن هذا عند أبي تمام أبلغ من أن يقول: إن كان غيلان سقى أطلالهم -يعني ذا الرمة- فلست منه.
[ ١ / ٥٦٣ ]
وهذا أيضًا من استقصاء أبي تمام، ومبالغته في المعاني التي يخرجها إلى التعمية والانغلاق.
وقوله: «وذاك حكم لبيد» يريد قول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر (١)
وقوله:
أجدر بجمرة لوعة أطفاؤها بالدمع أن تزداد طول وقود
غلط بين؛ لأنه أتى فيه بما يخالف مذهب أهل الجاهلية والإسلام، والأمم كلها؛ لأنهم مجمعون على أن البكاء راحة من الكرب، وتبريدًا لحرارة الحزن، وتخفيفًا من لاعج المصيبة، و«طول خمود» أولى بالصواب من «طول وقود» لو كان بنى المعنى عليه وقد ذكرت هذا في أغاليطه (٢).
وقال أبو تمام:
فعليه السلام لا أشرك الأطـ ـلال في لوعتي، ولا في نحيبي
فسواء إجابتي غير داع ودعائي بالقفر غير مجيب
قوله: «لا أشرك الأطلال في لوعتي» أي أجعل ذلك خالصًا لأحبتي، أي لا أقول كما قال امرؤ القيس:
* قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *
فاستوقف ليبكي على الحبيب والمنزل معًا.
وقوله: «فسواء إجابتي» معنى لطيف، وقد ذكرته في «باب استعجام الديار عن الجواب»، وبيت البحتري حذا على حذوه (٣).
[ ١ / ٥٦٤ ]
قال البحتري:
يسل المنازل عنهم وعلى اللوى دمن دوارس إن تسل لا تخبر (١)
ومن السفاهة أن تظل مكفكفًا دمعًا على طلل تأبد مقفر
وقال البحتري:
ما بكينا على زرود ولـ ـكنا بكينا أيامنا في زرود (٢)
وهذا حسن، وأحسن منه وأحلى وأعذب قول كثير:
وما رباع الدار يا أم مالك ولا بالطلول الدارسات أهيم
هي الدار وحشًا غير أن قد يحلها ويغنى بها شخص علي كريم
وقال البحتري:
لا تقف بي على الديار فإني لست من أربع ورسم محيل (٣)
في بكاء على الأحبة شغل لأخي الحب عن بكاء الطلول
وهذا مذهب قد تقدم الناس أيضًا فيه، إلا أن البكاء على الديار هو المذهب الأقدم، والأعم الأشهر، قال امرؤ القيس:
* قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *
فجعل البكاء للحبيب والمنزل جميعًا، والرواة تزعم أن هذا البيت أحسن ابتداءات العرب وأبرعها وأجمعها لعدة معان في لفظ قليل، واتبعته الشعراء على هذا، وأكثروا فيه القول.
[ ١ / ٥٦٥ ]
وعلى هذا المعنى حذا البحتري قوله:
عرجوا فالدموع إن أبك في الربـ ـع دموعي والاكتئاب اكتئابي (١)
وكمثل الأحباب لو يعلم العا ذل عندي منازل الأحباب
وكانوا يرون الوقوف على الديار من الفتوة والمروءة وكرم العهد، ولذلك قال أبو تمام:
أمواقف الفتيان تطوى لم تزر شرفًا، ولم تندب لهن صعيدا (٢)
أذكرتنا الملك المضلل في الهوى والأعشيين وطرفة ولبيدا (٣)
حلوا بها عقد النسيب ونمنموا من وشيها رجزًا بها وقصيدا (٤)
قوله: «لم تزر شرفًا» يريد ارتفاعًا، «ولم تندب لهن صعيدًا» أراد انخفاضًا وهبوطًا فلم يستقم له ذاك فقال: «صعيدا» لأن الصعيد التراب.
وهو يكون في أغواط الأرض، وما اطمأن منها أكثر منه فيما علا وارتفع.
تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله:
«ذكر الفراق والوداع والترحل عن الديار والبكاء على الظاعنين»
[ ١ / ٥٦٦ ]