هذا باب الفضل فيه للبحتري على أبي تمام، وما زلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقولون؛ هو أشعر الناس والخاص الـ والخيال (١)
ولم يأت عن أبي تمام فيه إلا أبيات يسيرة منها قوله في قصيدة:
زار الخيال لها لا بل أزاركه فكر إذا نام الناس لم ينم (٢)
ظبي تقنصه لما نصبت له من آخر الليل أشراكًا من الحلم (٣)
ثم اغتدى وبنا من ذكره سقم باق وإن كان معسولًا من السقم
قوله: «زار الخيال لها بل أزاركه» ليس بالجيد؛ لأنه إذا أزاره (٤) الفكر فقد زار فما وجه الاستدراك؟، فكأنه أراد أن الخيال لم يعتمد الزيارة، وإنما أزاره (٤) الفكر، ومثله قام زيد، لا بل أقمته، وكأن قائل هذا يريد ما اعتمد زيد القيام بل أقمته أنا (٥) ويروى: «إذا نام فكر الخلو».
وقوله: «لم ينم»، لم يرد حقيقة النوم، وإنما أراد لم يسكن، ولم يفتر، كما يقال (٦): فلان لا ينام عن هذا الأمر، أي لا يفتر عنه، ولا يقصر.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وقوله: «من آخر الليل»، ولم يقل من أول الليل، يريد أنه لا ينام بالليل، وأنه يسهره، وأنه يهوم في آخره تهويمًا فيطرقه الخيال في ذلك الوقت.
وقوله: «وإن كان معسولًا من السقم»، أي وإن كان حلوًا من الأسقام، أي كأنه ممزوج بالعسل، ويرويه قوم:/ «وإن كان مغسولًا من السقم» وليس بشيء.
وهذه أبيات حسان، وغرض صحيح.
وقال أبو تمام أيضًا:
عادك الزور ليلة الرعل من رمـ ـلة بين الحمى وبين المطالي (١)
نم فما زارك الخيال ولكنـ ـنك بالفكر زرت طيف الخيال
وقد أكثر أصحاب أبي تمام الفخر بهذا البيت، والتنويه بذكره، وأفرطوا في استحسانه، وقالوا (٢): كشف عن العلة في طروق الخيال، وبين عن المعنى.
والبيت حسن، وإنما أخذ معناه من قول جران العود:
أهلًا بطيفك من زور أتاك به حديث نفسك عنه وهو مشغول (٣)
فقوله: وهو مشغول، أي إنه لم يزرك على الحقيقة، فبنى من هذا قوله: «ما زارك الخيال» وبنى من قوله: «أتاك به حديث نفسك» ولكنك
[ ٢ / ١٦٨ ]
بالفكر زرت طيف الخيال، فالمعنى كله لجران، وإنما غير أبو تمام اللفظ (١) وقد قال الكميت:
فلما انتهبت وجدت الخيال أماني نفسي وأفكارها
أي وجدت الخيال أنا الجالب له بأماني وهذا ذلك المعنى بعينه.
وقد أورد أبو تمام المعنى على حذو ما قاله جران سواء فقال:
استزارته فكرتي في المنام فأتاني في خفية واكتتام (٢)
تذكر أن فكرته أتته بالطيف زائرًا كما قال جران: «أتاك به حديث نفسك».
ووصل أبو تمام بيته بأن قال:
الليالي أحفى بقلبي إذا ما جرحته النوى من الأيام (٣)
يا لها زورة تنزهت الأر واح فيها سرًا من الأجسام (٤)
مجلس لم يكن لنا فيه عيب غير أنا في دعوة الأحلام
ليس لهذه الأبيات حلاوة، ولا عليها طلاوة (٥).
وقال أبو تمام:
حمتنا الطيف من أم الوليد خطوب شيبت رأس الوليد (٦)
[ ٢ / ١٦٩ ]
رآنا مشعري أرق وحزن وبغيته لدى الركب الهجود (١)
سهاد يرجحن الطرف منه ويولع كل طيف بالصدود
يرجحن: أي يتثاقل في حركته كالمعنى في سيره المثقل إذا عدل يمنة وشأمة مثل السحابة المرجحنة لكثرة مائها، وإنما يريد ثقل أجفانه عند النظر من طول السهر.
ولا أعرف لأبي تمام في طروق الخيال غير ما ذكرته.
فأما البحتري فإنه أولع بذكر الخيال فقال فيه، وأكثر، وأجاد، وأبدع، وتصرف في معان لم يأت أحد بمثلها، وقد استفتح قصائد كثيرة بذكر الخيال؛ لشدة شغفه به، فأحسن في ابتداآته كلها،/ وزاد على الإحسان، فمن ذلك قوله:
أمنك تأوب الطيف الطروب حبيب جاء يهدى من حبيب (٢)
وقوله:
أجدك ما ينفك يسري لزينبا خيال إذا آب الظلام تأوبا (٣)
وقوله:
قد كان طيفك مرة يغرى بي يعتاد ركبي طارقًا وركابي (٤)
[ ٢ / ١٧٠ ]
وقوله:
طيف ألم فحيا عند مشهده قد كان يشفي المعنى من تلدده (١)
وقوله:
مثالك من طيف الخيال المعاود ألم بنا من أفقه المتباعد (٢)
وقوله:
عجبًا لطيف خيالك المتعاهد ولوصلك المتقارب المتباعد (٣)
وقوله:
قل للخيال إذا أردت فعاود تدني المسافة من هوى متباعد (٤)
وقوله:
هجرت وطيف خيالها لم يهجر ونأت بحاجة مغرم لم يقصر (٥)
وقوله:
/ ألمت وهل إلمامها لك نافع وزارت خيالًا والعيون هواجع (٦)
وقوله:
بت أبدي وجدًا وأكتم وجدًا من خيال قد بات لي منك يهدي (٧)
وقوله:
برح بي الطيف الذي يسري وزادني سكرًا إلى سكر (٨)
[ ٢ / ١٧١ ]
وقوله:
سرى من خيال المالكية! ما سرى فتيم ذا القلب المعنى وأسهرا (١)
وقوله:
يهدي الخيال لنا ذكرى إذا طافا وافى يخادعنا والصبح قد وافى (٢)
وقوله:
مرحبًا بالخيال منك المطيف في شموس لم تتصل بكسوف (٣)
وقوله:
أما الخيال فإنه لم يطرق إلا بعقب تشوف وتشوق (٤)
وقوله:
هذا الحبيب فمرحبًا فمرحبًا بخياله أنى اهتدى والليل في سرباله (٥)
/ وقوله:
خيال ملم أو حبيب مسلم وبرق مجلى أو حريق مضرم (٦)
وقوله:
أأراك الحبيب خاطر وهم أم أزارتكه أضاليل حلم (٧)
[ ٢ / ١٧٢ ]
وقوله:
خيال يعتريني في المنام لسكرى اللحظ فاتنه الكلام (١)
وقوله:
طيف تأوب من سعدى فحياني أهواه وهو بعيد النوم يهواني (٢)
وقوله:
طيف لعلوة ما ينفك يأتيني يصبو إلي على خلف فيصبيني (٣)
وقوله:
طيف الخيال ألم من عدوائه وبعيد موضع أرضه وسمائه (٤)
وقوله:
أحبب إلي بطيف سعدى الآتي وطروقه في أكثر الأوقات (٥)
وقوله:
/ خيال ماوية المطيف أرق عينًا لها وكيف (٦)
وقوله:
أرج لريا طلة رياه لا يبعد الطيف الذي أهداه (٧)
[ ٢ / ١٧٣ ]
وما أحسن ما قال مسلم بن الوليد:
طيف الخيال حمدنا منك إلماما داويت سقمًا وقد هيجت أسقاما (١)
مضت الابتداآت
وهذا ماجاء عن البحتري من وصف الخيال في وسط الكلام، قال:
فلا وصل إلا أن طيف خيالها بنا تحت جؤشوش من الليل أسفع (٢)
ألمت بنا بعد الهدو فسامحت بوصل متى تطلبه في الجد تمنع (٣)
وما برحت حتى مضى الليل فانقضى وأعجلها داعي الصباح الملمع (٤)
فولت كأن البين يخلج شخصها أوان تولت من حشاي وأضلعي (٥)
ورب لقاء لم يؤمل وفرقة لأسماء لم تحزر ولم تتوقع (٦)
أسر بقرب من ملم مسلم وأشجى بيبن من حبيب مودع
وكائن لنا بعد النوى من تفرق تزجيه أحلام الكرى وتجمع (٧)
ومن لوعة تعتاد في إثر لوعة ومن أدمع ترفض في إثر أدمع
/ فانظر إلى هذه العبارة الحسنة، وإخباره إياك بالشيء على ما كان.
[ ٢ / ١٧٤ ]
ونحو ذلك في الحسن والصحة قوله:
وإني وإن ضنت علي بودها لأرتاح منها للخيال المؤرق (١)
يعز على الواشين لو يعلمونها ليال لنا نزدار فيها ونلتقي
فكم غلة للشوق أطفات حرها بطيف متى يطرق دجى الليل يطرق
أضم عليه جفن عيني تعلقًا به عند إجلاء النعاس المرنق
فقوله: «أضم عليه جفن عيني تعلقًا» من أحسن كلام، وأصح معنى وأصدقه وأكثره، وكثيرًا ما ينال أكثر الناس ذلك عند إجلاء النوم، وابتداء اليقظة إذا كان في رؤيا يلذها.
وقال أيضًا:
أجدك ما ينفك يسري لزينبا خيال إذا آب الظلام تأوبا (٢)
سرى من أعالي الشام يجلبه الكرى هبوب نسيم الروض تجلبه الصبا
وما زارني إلا ولهت صبابة إليه وإلا قلت أهلًا ومرحبا (٣)
وليلتنا بالجزع بات مساعفًا يريني أناة الخطو ناعمة الصبا
أضرت بضوء البدر والبدر طالع وقامت مقام البدر لما تغيبا
قوله: «إذا آب الظلام تأوبا»، آب أي رجع، وتأوب (٤): تراجع.
يعني أن الطيف إذا عاد الظلام عاد، وليس ذلك من التأويب الذي هو سير النهار كله.
[ ٢ / ١٧٥ ]
وقوله: «سرى من أعالي الشام» بيت في غاية الحسن والحلاوة.
وقال:
أما راعك الحي الحلال بهجرهم وهم لك غدوًا بالتفرق أروع (١)
بلى وخيال من أثيلة كلما تأوهت من وجد تعرض يطمع
إذا زورة منه تقضت مع الكرى تنبهت من وجد له أتفزع (٢)
ترى مقلتي ما لا ترى في لقائه وتسمع أذني منه ما ليس تسمع (٣)
ويكفيك من حق تخيل باطل ترد به نفس اللهيف فترجع
ولست أقول في هذا إلا ما كان البحتري يقوله، وحدثنا به أبو علي محمد بن العلاء السجستاني: إنه كان إذا شرب وسكر أنشد مثل هذه الأبيات وأشباهها من شعره، وقال: ألا تسمعون؟ ألا تعجبون؟.
وقال:
أخيال عزة كيف زرت وعندنا أرق يشرد بالخيال الزائر (٤)
طيف ألم بنا ونحن بمهمه قفر يشق على الملم الخاطر (٥)
حتى إذا تزعوا الدجى وتسربلوا من نور هلهلة الصباح النائر (٦)
[ ٢ / ١٧٦ ]
ورنوا إلى شعب الرحال بأعين يكسرن من نظر النعاس الفاتر (١)
أهوى فأسعف بالتحية خلسة والشمس تلمع في جناح الطائر
/ سرنا وأنت مقيمة ولربما كان المقيم علاقة للسائر
وهذا -والله- الكلام العربي، والمذهب الذي يبعد على غيره أن يأتي بمثله.
وقال:
إذا ما الكرى إلي خياله شفى قربه التبريح أو نقع الصدى
إذا انتزعه من يدي انتباهة عددت حبيبًا راح مني أو غدا (٢)
ولم أر مثلينا ولا مثل شأننا نعذب أيقاظًا وننعم هجدا
وقال:
أقامت على الجهران ما إن تجوزه وخالفها بالوصل طيف لها يسري (٣)
فكم في الدجى من فرحة بلقائها وكم ترحة بالبين منها لدى الفجر
إذا الليل أعطانا من الوصل بلغة ثنتنا تباشير الصباح إلى الهجر (٤)
ولم أنس إسعاف الكرى بدنوها وزورتها بعد الهدو وما تدري
وقال:
إن ريا لم تسق ريا من الوصـ ـل ولم تدرما جوى العشاق (٥)
[ ٢ / ١٧٧ ]
بعثت طيفها إلي ودوني وخد شهرين للمهاري العتاق
زار وهنًا من الشام فحيا مستهامًا صبا بأعلى العراق
فقضى ما قضى وعاد إليها والدجى في برودها الأخلاق
/ قد أخذنا من التلاقي بحظ والتلاقي في النوم عدل التلاقي
وهذا حسن جدًا.
وألطف وأحسن وأحلى قوله:
وزائر زار من أعقته يميل وزنًا بأنسه ذعره (١)
كأنه جاء منجزًا عدة وبت في الراقبين أنتظره
لم أنسه موشكًا على وجل مدامجًا للحديث يختصره (٢)
كأنما الكاشحون قد خرصوا مكانه أو أتاهم خبره (٣)
وقال:
تدرين كم زورة مشكورة من زائر وهب الخطير وما درى (٤)
غاب الوشاة فبات يسهل مطلب لو يشهدون طريقه لتوعرا
كان الكرى حظ العيون ولم أخل برق الغرام يسوقه حتى جرى (٥)
قامت تمنيني الوصال لتبتلي جذلي وحاجة أكمة أن يبصرا (٦)
[ ٢ / ١٧٨ ]
منيتنا عللًا وما أنهلتنا والوقت ليس يحيل حتى يشهرا
تالله لم أر مذ رأيت كليلتي في العلث إلا ليلتي في عكبرا
أهوى الظلام وأن أملاه وقد حدر الصباح نقابه أو أسفرا
وهذا لعمري هو القول الذي لو ورده الظمآن لروي؛ لكثرة مائه (١).
وقال:
بت أيدي وجدًا وأكتم وجدًا لخيال قد بات لي منك يهدى (٢)
أقسم الظن فيه أني تخطى الر رمل من عالج وأني تهدى
خطأ ما أزارناه طروقًا أم توخيه للزيارة عمدا (٣)
لا تخيب البلاد تخطر فيها رسل الشوق من خيالات سعدى
وعدتنا فما وفت بوصال ووفت حين أو عدت أن تصدا (٤)
قرب الطيف منتواها فأصبحـ ـت حديثًا بناقض العهد عهدا (٥)
قوله: «لا تخيب البلاد تخطر فيها» بيت حسن جدًا؛ جعل الخيالات للشوق.
وقال في قصيدته التي أولها:
* بان عهد الصبا وباقي جديده (٦) *
[ ٢ / ١٧٩ ]
منك طيف ألم والأفق ملآ ن من الفجر واعتراض عموده (١)
زائر أشرقت لرؤيته أغـ ـوار أرض العراق بعد نجوده (٢)
أرب النفس كله ومتاع الـ ** ـعين في حده وفي توريده
معطيًا من وصاله في كرى النو م الذي كان معطيًا من صدوده (٣)
يقظات المحب ساعات بؤسا هـ ونعماء عيشه في هجوده (٤)
/ وقال:
وما انفك داعي البين حتى تزايلت قباب بناها حاضر وخيام (٥)
عشية ما بي عن شبيث ترحل فأمضى ولالي في شبيث مقام (٦)
فما نلتقي إلا على حلم هاجد يحل لنا جدواك وهو حرام (٧)
إذا ما تباذلنا النفائس خلتنا من الجد أيقاظًا ونحن نيام
وهذا قول ليس بينه وبين القلب حجاب.
وقال:
أرجم في ليلي الظنون وأرتجي أوائل حب أخلفتني أوائله (٨)
وليلة هومنا على العيس أرسلت بطيف خيال يشبه الحق باطله
فلولا بياض الصبح طال تشبثي بعطفي غزال بت وهنًا أغازله
[ ٢ / ١٨٠ ]
وكم من يد لليل عندي حميدة وللصبح من خطب تذم غوائله
وهذا كله إنما حسن هذا الحسن وقبلته النفوس لأنه اعتمد أن يخبر بالأمر على ما هو، مع حسن عبارته وبراعة نسجه وجودة تلخيصه، ومتخير ألفاظه.
وقد ذهب البحتري مذهبًا آخر، وأحسن فيه كل الإحسان، وهو أن شبه الزائر الذي زاره بالخيال؛ لشدة فرحه، وخوفه أن لا يكون له حقيقة.
وقال في قصيدته التي أولها:
* بودي لو يهوى العذول ويعشق (١) *
وزور أتاني طارقًا فحسبته خيالًا من آخر الليل يطرق (٢)
أقسم فيه الظن: طورًا مكذبًا به أنه حق وطورًا أصدق
أخاف وأرجو بطل ظني وصدقه فلله شكي حين أرجو وأفرق
وقد ضمنا وشك التلاقي ولفنا عناق على أعناقنا ثم ضيق
فلم تر إلا مخبرًا عن صبابة بشكوى وإلا عبرة تتدفق (٣)
فاحسن بنا والدمع بالدمع واشج تمازجه والخد بالخد ملصق (٤)
ومن قبل قبل التشاكي وبعده نكاد بها من شدة اللثم نشرق (٥)
فلو فهم الناس التلاقي وحسنه لحبب من أجل التلاقي التفرق
[ ٢ / ١٨١ ]
وقال في نحو هذا:
حبيب سرى في خفية وعلى ذعر يجوب الدجى حتى التقينا على قدر (١)
تشككت فيه من سرور وخلته خيالًا أتى في النوم من طيفه يسري
وأفرطت من وجد به فدرى بنا على ساعة الهجران من لم يكن يدري (٢)
وقال:
أما معين على الشوق الذي غريت به الجوانح والبين الذي أفدا (٣)
/ كيف اللقاء وقد أضحت مخيمة بالشام لا كثبًا منها ولا صددا (٤)
تهاجر أمم لا وصل يخلطه إلا تزاور طيفينا إذا هجدا
وقد يزير الكرى من لا زيارته قصد ويدني الهوى من بعد من بعدا (٥)
بتنا على رقبة الواشين مكتنفى صبابة نتعاطى البث والكمدا
إما سألت بشخصينا هناك فقد غابا وأما خيالانا فقد شهدا
ولم يعدني لها طيف فيفجؤني إلا على أبرح الوجد الذي عهدا
لو كان قال: «إلا تزاور طيفينا إذا هجدنا» كان عندي أجود فكأن المعنى إذا هجدت رأيتها في النوم فكأن نفسي ونفسها اجتمعتا، وكذلك إذا هجدت ترى مثل ما رأيت، ويكون طيفينا محمولًا على معنى نفينا؛ لأن (٦) النفس هي التي ترى ما ترى في النوم، وهي التي تمثل أيضًا ما تتمثله في اليقظة.
[ ٢ / ١٨٢ ]
وقد يسوغ مع هذا أيضًا قوله: «إذا هجدا» أن يريد النفسين؛ لأن نفس الإنسان هي التي تنام كما قال الله ﷿: «والتي لم تمت في منامها» (١) فهذا سائغ (٢) ولكن الغلط وقع عليه في قوله:
هجرتنا يقظى وكادت على عا دتها في الصدود تهجر وسنى (٣)
إنما أراد طيفها، وهو يرى طيفها في نومه يقظى كانت أو نائمة.
وقال:
/ طيف تأوب من سعدى فحياني أهواه وهو بعيد النوم يهواني (٤)
فيا لها زورة يشفى الغليل بها لو أنها جلبت يقظى ليقظان
مهزوزة إن مشت لم تلف هزتها في الخيزران ولم توجد مع البان
يدني الكرى شخصها مني ويوقظني وجد فيبعد عني شخصها الداني (٥)
وقال:
أما الخيال فإنه لم يطرق إلا بعقب تشوف وتشوق (٦)
قد زار من بعد فنهنه من جوى ضرم وسكن من فؤاد مقلق (٧)
ولربما كان الكرى سكنًا لها بعد الفراق إلى اللقاء فنلتقي (٨)
[ ٢ / ١٨٣ ]
وقال:
مثالك من طيف الخيال المعاود ألم بنا من أفقه المتباعد (١)
يحيي هجودًا منتشين من الكرى وما نفع إهداء السلام لهاجد
إذا هي مالت للعناق تقطعت تعطف أملود من البان مائد
إذا وصلتنا لم تصل عن تعمد وإن هجرت أبدت لنا هجر عامد
وقال [من قصيدته التي أولها]:
* قالت: الشيب أتى قلت: أجل (٢) *
خطرت في النوم منها خطرة خطرة البرق بدا ثم اضمحل (٣)
أي زور لك لو قصدًا سرى وملم منك لو حقًا فعل
يتراءى والكرى في مقلتي فإذا فارقها النوم بطل
وقال [من قصيدته التي أولها]:
* شدما أغريت ظلوم بهجري (٤) *
طرقتنا وفي الخيالات سقم أم بكر فأسعفت أم بكر (٥)
في بدو من الشباب عليها ورق من جديدها المسبكر (٦)
كملت أربع لها بعد عشر ومدى البدر أربع بعد عشر
[ ٢ / ١٨٤ ]
خلفت جارها بحزوي وباتت بين سحرى شروى الضجيع ونحري
لو درت ما أتت لمنت بنجح لم يكذب ونائل غير نزر (١)
وقال:
قل للخيال إذا أردت فعاود تدني المسافة من هوى متباعد (٢)
فلأنت في نفسي وإن عنيتني وبعثت لي الأشجان أحلى وافد
باتت بأحلام النيام تغرني رود التثني كالقضيب المائد
ضاهت بحلتها تلهب خدها حتى غدت في أرجوان جاسد
وقال:
بعينيك إعوالي وطول شهيقي وإخفاق عيني من كرى وخفوق (٣)
على أن تهويمًا إذا عارض أطبى سرى طارق في غير وقت طروق (٤)
سرى جائحًا للخرق يخشى ولم يكن مليًا بإسراء وجوب خروق
فبات يعاطيني على رقبة العدا ويمزج ريقًا من جناه بريقي
وبت أهاب المسك منه وأتقي رداع عبير صابك وخلوق (٥)
أرى كذب الأحلام صدقًا وكم صغت إلى خبر أذناي غير صدوق
وما كان من حق وبطل فقد شفى حرارة متبول وخبل ومشوق
وحسبك بهذا حسنًا وحلاوة.
[ ٢ / ١٨٥ ]
وقال:
أحبب إلي بطيف سعدى الآتي وطروقه في أعجب الأوقات (١)
أني اهتديت لمحرمين تصوبوا لسفوح مكة من ربى عرفات
ذكرتنا عهد الشآم وعيشنا بين القنان السود والهضبات (٢)
إذ أنت شكل مخالف وموافق والدهر فيك ممانع وموات
لولا مكاثرة الخطوب ونحتها من جانبيَّ لكنت من حاجاتي (٣)
وما علمت أحدًا من القدماء قال في طروق الخيال أحسن من قول قيس بن الخطيم، قال:
أني سربت وكنت غير سروب وتقرب الأحلام غير قريب (٤)
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه في النوم غير مصرد محسوب
/ ثم جاء البحتري فأبر على قيس وكل أحد ولم أستقص ههنا كل ما قاله فيه لكثرته.
وما أحسن ما قال عدي بن الرقاع:
يصطاد يقظان الرجال حديثها وتطير بهجتها بروح الحالم
[ ٢ / ١٨٦ ]
وقال البحتري:
إذا نسيت هوى ليلى أشاد به طيف سرى في سواد الليل إذ جنحا
دنا إلي على بعد فأرقني حتى تبلج ضوء الصبح فاتضحا
عجبت منه تخطي القاع من إضم وجاوز الرمل من خبث وما برحا
قال: «تخطى القطاع من إضم وجاوز الرمل من خبث» فكيف يقولك وما برحا؟
أراد ما برح على الحقيقة.
فإن قيل: هي لم تبرح على الحقيقة فأما خيالها إذا طرق وهي بعيدة نائية فقد برح.
قيل: خيالها إنما هو صورتها التي تتصور في النفس، والصورة أيضًا غير نازحة على الحقيقة، فقولهم: طرق الخيال، وزار الخيال مجاز.
ويجوز أن يكون قوله: «وما برحا» أي ما برحت هي وجعل خيالها بدلًا، ووضعه في موضعها؛ لأنه هي، الا ترى إلى قول جرير:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعي بسلام (٢)
قيل: إنه أراد خيالها فوضعها في موضعه؛ لأن خيالها ليس هو شيئًا غير صورتها.
/ وقد استجفى الناس قوله: «فارجعي بسلام»، وإنما قال هذا لأنه عاتب عليها، ألا ترى إلى قوله بعدا هذا:
[ ٢ / ١٨٧ ]
لو كان عهدك كالذي عاهدتنا لوصلت ذاك فكان غير رمام (١)
أو لم يمنعه طرده الخيال أن قال بعد هذا:
تجري السواك على أغر كأنه برد تحدر من متون غمام
وهذا وإن كان الناس قد تقدموه بتشبيه الثغر بالبرد فإن هذا لفظ وسبك في غاية الجودة والحلاوة والبراعة.
وأول من طرد الخيال طرفة فقال:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب إليها فإني واصل حبل من وصل (٢)
وهذا أعذر من جرير لأنه قال: «فإني واصل حبل من وصل»، فدل على أن الحنظلية هجرته وواصله غيرها فطرد خيالها.
وقد دعا الأعشى على الخيال فقال:
هذا النهار بدا لها من أمرها ما بالها بالليل زال زوالها (٣)
أي أزاله كزواله.
وما أظن جريرًا، ولا الأعشى قبله كرها الخيال على الحقيقة، وإنما أرادا أن زيارته في غير وقتها شاغلة لنا عن حالنا التي نحن عليها.
[ ٢ / ١٨٨ ]
وقال البحتري:
/ أمنك تأوب الطيف الطروب حبيب جاء يهدى من جبيب (١)
تخطي رقبة الواشين وهنًا وبعد مسافة الخرق المحبوب (٢)
يكاذبني وأصدقه ودادًا ومن كلف مصادقة الكذوب
[ ٢ / ١٨٩ ]