قال أبو تمام:
أأيامنا ما كنت إلا مواهبا وكنت بإسعاف الحبيب حبائبا (١)
سنغرب تجديدًا لعهدك في البكا فما كنت في الأيام إلا غرائبا
ومعترك للشوق أهدى به الهوى إلى ذي الهوى نجل العيون ربائبا
كواعب زارت في ليال قصيرة تخيان لي من حسنهن كواعبا
قوله: «ومعترك للشوق» يريد موضعًا زاره فيه الكواعب اللاتي ذكرهن؛ فإن ذلك الموضع يسقط فيه الشوق فلأن يكون معتركًا للوصل أولى، والعذر له أن يقال: إنه إنما كان معتركًا للشوق بعد تلك الحال التي تقصت فهو أبدًا مشتاق إلى ذلك الموضع إذا ذكر له.
وقال:
أحسن بأيام العقيق وأطيب والعيش في أظلالهن المعجب
ومصيفهن المستظل بظله سرب المها، وربيعهن الصيب
أصل كبرد العصب نيط إلى ضحى عبق بريحان الرياض مطيب (٢)
[ ٢ / ١٥٩ ]
وظلالهن المشرقات بخرد بيض كواعب غامضات الأكعب (١)
وهذا لعمري حسن معجب.
وقال أيضًا أبو تمام:
ولقد أراك فهل أراك بغبطة والعيش غض والزمان غلام (٢)
أعوام وصل كان ينسي طولها ذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أعقبت بجوى أسى فكأنها أعوام (٣)
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
فقوله: «كان ينسي طولها ذكر النوى»، أي إنا كنا نذكر الفراق فنبادر السرور واللذات فكان ذلك يقصر من طولها، وأيام السرور على كل حال قصار، اعترض فيها خوف الزوال أو لم يعترض.
وهذا من مشهور إحسان أبي تمام لفظًا ومعنى.
وقال البحتري:
عيش لنا بالأبرقين تأيدت أيامه وتجددت ذكراه (٤)
والعيش ما فارقته فذكرته لهفًا وليس العيش ما تنساه
وهذا إحسان يزيد على كل إحسان.
[ ٢ / ١٦٠ ]
وقال البحتري:
سقى الله أخلاقًا من الدهر رطبة سقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق (١)
ليال سرقناها من الدهر بعدما أضاء بمصباح من الشيب مفرق (٢)
تداويت من ليلى بليلى فما شفى بماء الزبى من بات بالماء يشرق (٣)
وهذا من أحسن معنى وأحلاه، وقوله: «إذ أبرق الحزن أبرق»، أي كما عدناه، لا كما هو في الوقت من الخراب.
وقوله: «تداويت من ليلى بليلى» أي فلم (٤) أبرأ من الداء كما أن من شرق بالماء لم يدفع شرقه الماء ولو تناهى في الكثرة حتى يبلغ الزبى وهو من قولهم: بلغ الماء الزبى (٥): جمع زبية، وهي حفرة تحفر للأسد في أعلى ما يمكن من المواضع فلهذا ضرب [بها] (٦) المثل في كثرة الماء فقيل: بلغ الماء الزبى.
فالشرق بالماء لا يزيله الماء كما قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري (٧)
فقال البحتري ليؤكد ذلك بقاء حبه، أي لا يكون برئي من حبها أن تداوي منها بها كما لا يدفع الماء شرق من شرق بالماء.
[ ٢ / ١٦١ ]
وقال البحتري:
فسقى الغضا والنازليه وإن هم شبوه بين جوانح وقلوب (١)
وقصار أيام به سرقت لنا حسناتها من كاشح ورقيب (٢)
خضرًا تساقطها الصبا فكأنها ورق يساقطه اهتزاز قضيب (٣)
كانت فنون بطالة فتقطعت عن هجر غانية ووخط مشيب
فقوله: «خضر تساقطها الصبا» معنى في غاية الحسن، وتمثيل في نهاية اللطف.
ومن حلو معانيه، ومشهور إحسانه قوله:
بعض هذا العتاب والتفنيد ليس ذم الوفاء بالمحمود (٤)
ما بكينا على زرود ولكنـ نا بكينا أيامنا في زرود
وقال أيضًا:
ليالينا بين اللوى فمحجر سقيت الحيا من صيب المزن ممطر (٥)
مضى بك وصل الغانيات ونشوة الشـ ـباب ومعروف الهوى المتنكر
فإن أتذكر حسن ما فات لم أجد رجوعًا لما فارقته بالتذكر
نضوت الأسى عني اصطبارًا وربما أسيت فكم أصبر ولم أتصبر
[ ٢ / ١٦٢ ]
وقال أيضًا:
عهد لعلوة باللوى قد أشكلا ما كان أحسن مبتداه وأجملا (١)
أنسى ليالينا هناك وقد حلا من لهونا في ظلها ما قد حلا (٢)
عيش غرير لو ملكت لما مضى ردًا إذًا لرددته مستقبلا
قوله: «عيش غرير» أي رقيق ناعم، قال جرير:
بيض ترببها النعيم وخالطت عيشًا كحاشية الفرند غريرا (٣)
الفرند: الحرير، والفرند: ماء السيف والحاشية: جانب الثوب، وإنما أراد الفرند نفسه.
وقال أبو تمام:
ليالينا بالرقتين وأهلها سقى العهد منك العهد والعهد والعهد (٤)
سحاب متى على النبت ذيله فلا رجل ينبو عليه ولا جعد (٥)
ضربت لها بطن الزمان وظهره فلم ألق من أيامها عوضًا بعد
قوله: «العهد والعهد والعهد»، فالعهد جمع عهدة، وجمع عهد: عهاد، وهو المطر يأتي إثر مطر، فأراد سقي العهد الذي عهدناك هذا المطر (٦) بأسره: أوله، ووسطه، وآخره، وأراد سقتك العهاد كلها، ومثله قوله:
[ ٢ / ١٦٣ ]
* سقى عهد الصبا سيل العهاد (١) *
وهذا مستقيم، والأول ليس بالجيد.
وقد فسر هذا قوم بما يبعد عن المعنى، ولا يليق به، وخلطوا فيه (٢).
قال أبو تمام:
سلام ترجف الأحشاء منه على الحسن بن وهب والعراق (٣)
على البلد الحبيب إلي غورًا ونجدًا والأخ العذب المذاق (٤)
ليالي نحن في وسنات عيش كأن الدهر عنها في وثاق
وأيامًا لنا وله ولدانًا غنينا في حواشيها الرقاق (٥)
كأن العهد عن عفر لدينا وإن كان التلاقي عن تلاق (٦)
وهذا كلام حلو عذب.
وقوله: «سلام ترجف الأحشاء منه»، لأنه فارق العراق وهو كاره، فسلم سلام مودع متأسف، شديد النفس للشوق والأسف؛ فلذلك قال: «ترجف الأحشاء منه».
[ ٢ / ١٦٤ ]
بيت أبي تمام النادر في هذا الباب قوله:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام (١)
وبيت البحتري قوله:
والعيش ما فارقته فذكرته لهفًا وليس ما تنساه (٢)
وبيت أبي تمام أسير، وبيت البحتري ألطف معنى.
وهما في سائر ما مر لهما في هذا الباب متكافئان.
ومن حلو كلام البحتري في معنى الأيام قوله:
ما أحسن الأيام إلا أنها يا صاحبي إذا مضت لم ترجع (٣)
وأحلى منه وأبدع قول أبي حية النميري:
إذ الأيام مقبلة إلينا وظل أراكه الدنيا ظليل (٤)
وفي هذا الباب لأبي تمام إساءة في قصيدته التي أولها:
* أما إنه لولا اللوى ومعاهده *
وذلك قوله:
فيا مشهدًا يستهزم البين باسمه إذا عد أيام الهوى ومشاهده
ويا ليلة لو يعرف الدهر طيبها لصيرها ثغرًا تناغى مراصده
[ ٢ / ١٦٥ ]
وهذا من أقبح ما يكون من الكلام، وأهجن (١) ما يكون من المعاني، وأبعد ما تكلفه أهل الاستعارة من الأغراض.
يقول: ولو علم الدهر طيب هذه الليلة لجعلها ثغرًا له مراصد.
والمراصد: مواضع الحرس.
وقوله: تناغى، يريد حراس المراصد، يخاطب بعضهم بعضا، وينذر واحد آخر، وأصل المناغاة: الكلام الرخيم الخفي، مثل مناغاة الصبي.
وربما فعل ذلك أهل المراصد المتقاربة: يوحي بعضهم إلى بعض، وينبه بعضهم بعضًا على ما يتخوفونه ويتوقعونه، يقول: فلو علم الدهر طيب هذه الليلة لجعلها ثغرًا يحرسه من أن تلحقه آفة أو جائحة تزيله وتبطله.
وهذا مما ينبغي أن تسمعه وتضحك منه، كما أن جيده يسمع ويعجب منه، ومن أجل هذا التفاوت العظيم في شعره تفاوت الناس في التعصب له والتعصب عليه، فما ينبغي أن يقبح إحسانه (٢)، ولا أن تحسن إساءاته.
[ ٢ / ١٦٦ ]