قال أبو تمام:
غدا الهم مختطًا بفودي خطة طريق الردى منها إلى الموت مهيع (١)
هو الزور والمعاشر يجتوي وذو الإلف يقلى والجديد يرقع
ونحن نرجيه على الكره والرضا وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع (٢)
وهذه كلها معان جيدة صحيحة مستقيمة.
وقال:
شعلة في المفارق استودعتني في صميم الأحشاء حزنًا صميما (٣)
يستشير الهموم ما اكتن منها صعدًا وهي تستشير الهموما (٤)
/ غرة مرة ألا إنما كنـ ـت أغرا أيام كنت بهيما (٥)
[ ٢ / ١٩٦ ]
رقة في الحياة تدعى جلالًا مثلما سمي اللديغ سليما (١)
حلمتني زعمتم وأراني قبل هذا التحليم كنت حليما (٢)
وهذه كلها أيضًا أبيات جيدة، والأغراض فيها (٣) حسنة مستقيمة.
وقوله: «تستشير الهموم ما اكتن منها» يريد أنها لم بدت حزنت، واهتممت، فصار اهتمامي يزيد فيها، لأن الهم -على كل حال- يشيب.
وقوله: «وهي تستشير الهموما» قول صحيح أيضًا؛ لأنه كلما بدا
منها شيء زاد همه، فالهم يجلبها، وهي تجلب الهم.
وأخذ البحتري قوله:
غرة مرة ألا إنما كنـ ـت أغرا أيام كنت بهيما!
فقال:
عجبت لتفويف القذال وإنما تفويفه لو كان غير مفوف (٤)
وقال البحتري:
وكنت أرجي في الشباب شفاعة وكيف لباغي حاجة بشفيعه (٥)
[ ٢ / ١٩٧ ]
مشيب كبث السر عي بجمله محدثه أو ضاق صدر مذيعه (١)
تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه لحث الليالي قبل أتي سريعه
وهذا أيضًا في وصف الشيب حسن جدًا.
وقال البحتري:
ردي علي الصبا إن كنت فاعلة إن الصبا ليس من شأني ولا أربي (٢)
جاوزت حد الشباب النضر ملتفتًا إلى بنات الردى تركضن في طلبي (٣)
والشيب مهرب من جارى منيته ولا نجاء له في ذلك الهرب
والمرء لو كان الشعرى له وطنًا صبت عليه صروف الدهر من كثب
وقال:
لابش من شبيبة ام ناض ومليح من شيبة أم راض (٥)
وإذا ما امتعضت من ولع الشيب برأسي لم يثن ذاك امتعاضي (٦)
ليس يرضى عن الزمان مرو فيه إلا عن غفلة أو تغاض
باكرت لمتي وناكرت منها سوء هذي الأبدال والأعواض (٧)
شعرات أقصهن ويرجعـ ـن رجوع السهام في الأغراض
وأبت تركي الغديات والآ صال حتى خضبت بالمقراض (٨)
[ ٢ / ١٩٨ ]
غير نفع إلا التعلل من شخـ ـص عدو لم يعده إبغاضي
ورواء المشيب كالبخض في عيـ ـني فقل فيه في العيون المراض (١)
طبت نفسًا عن الشباب وماسو ود من صبغ برده الفضفاض
فهل الحادثات يابن عويف تاركاتي ولبس هذا البياض
/ وهذا هو الذي يأخذ بمجامع القلب، ويستولي على النفس، ومن حذق الشاعر أن يصور لك الأشياء بصورها، ويعبر عنها بألفاظها المستعملة فيها واللائقة بها، وذلك مذهب البحتري وصناعته؛ ولهذا ما كثر الماء والرونق في شعره، وقالوا لشعره ديباجة وما قيل ذلك في شعر أحد من المتأخرين غيره.
وقال:
وما أنس لا أنس عهد الشبا ب وعلوة إذ عيرتني الكبر (٢)
وقوله: «ما أنس لا أنس» جزم: لأنه شرط وجزاء.
كواكب شوق علقن الصبا فقللن من حسنه ما كثر (٣)
وإني وجدت فلا تكذبن سواد الهوى في بياض الشعر
ولا بد من ترك أحدى اثنتيـ ـن إما الشباب وإما العمر
[ ٢ / ١٩٩ ]
قوله:
ولا بد من ترك أحدى اثنتيـ ن إما الشباب وإما العمر
عليه في هذا البيت معارضة، وهو أن يقال: إن من مات شابًا فقد فارق الشباب، وهو مفارق للعمر لا محالة، فهو أيضًا تارك لهما جميعًا، وقوله: إما الشباب وإما العمر لا يوجب إلا أحدهما.
والعذر للبحتري أن يقال: إن من مات شابًا فإنما فارق الشباب وحده؛ لأنه لم يعمر فيكون مفارقًا للعمر، ألا تراهم يقولون: فلان عمر: إذا أسن وفلان لم يعمر: إذا مات شابًا أو هو في حدود الشباب، ومن شاب وعمر ثم مات لم يكن مفارقًا للشباب في حال موته [لأنه قد قطع أيام الشباب وتقدمت مفارقته له، وإنما يكون في حال موته] (١) مفارقًا للعمر وحده، فإلى هذا ذهب البحتري، وهو صحيح، ولم يرد بالعمر ههنا: الكبر، كما قال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطيء يعمر فيهرم (٢)
ومثله قول آخر:
من لم يمت عبطة يمت هرمًا للموت كأس والمرء ذائقها (٣)
[ ٢ / ٢٠٠ ]
هذا أجود من بيت زهير ومن بيت البحتري؛ لأنه جمع المعنيين في المصراع الأول، وهو مستغن عن المصراع الثاني.
ولولا قوله:
«مشيب كبث السر».
و«فهل الحادثات يابن عويف» لفضلت أبا تمام عليه، ولكني أجعلهما متكافئين.
[ ٢ / ٢٠١ ]