ورأى أبو تمام أيضًا المجانس من الألفاظ مفرقًا في أشعار الأوائل، وهو ما اشتق بعضه من بعض، نحو قول امرئ القيس:
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ليلبسني من دائه ما تلبسا
وقوله أيضًا:
ولكنني أسعى لمجدٍ مؤثلٍ وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وقول القطامى:
ولما ردها في الشول شالت بذيالٍ يكون لها لفاعا
وقول ذى الرمة:
كأن البرى والعاج عيجت متونه على عشرٍ يرمى به السيل أبطح
وقول رجل من عبسٍ:
وذلكم أن ذل الجار حالفكم وأن أنفكم لا يعرف الأنفا
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقول مسكين الدارمي:
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهيةً إذا الكواكب كانت في الدجى سرجا
وقول حيان بن ربيعة الطائي:
لقد علم القبائل أن قومي لهم حدٌ إذا لبس الحديد
وقول النعمان بن بشير لمعاوية:
ألم تبتدركم يوم بدرٍ سيوفنا وليلك عما ناب قومك نائم
وقول جرير:
فما زال معقولًا عقالٌ عن الندى وما زال محبوسًا عن الخير حابس
وقول الفرزدق:
خفافٌ أخف الله عنه سحابه وأوسعه من كل سافٍ وحاصب
وكأن هذين الشاعرين في تجنيس ما جنسا من هذه الألفاظ وحاجتهما إليه يشبه قول النبي ﷺ: " عصية عصت الله، وغفارٌ غفر الله لها، وأسلم سالمها الله ".
[ ١ / ٢٨٣ ]
ونحو هذا مما تعمد الشعراء لتجنيسه قول جندل بن الراعي:
فما عمرت عمروٌ وقد جد سعيها وما سعدت يوم التقينا بنو سعد
ومن ألطف ما جاء من التجنيس وأحسنه في كلام العرب قول القطامى:
كنية الحي من ذى القيظ فاحتملوا مستحقبين فؤادًا ماله فادي
ومثل هذا في أشعار الأوائل موجود، لكنه إنما يأتي منه في القصيدة البيت الواحد والبيتان، على حسب ما يتفق للشاعر، ويحضر في خاطره، وفي الأكثر لا يعتمده، وربما خلا ديوان الشاعر المكثر منه؛ فلا ترى فيه لفظة واحدة.
فاعتمده الطائي، وجعله غرضه، وبنى أكثر شعره عليه، فلو كان قلل منه واقتصر على مثل قوله:
يا ربع لو ربعوا على ابن هموم
وقوله:
أرامة كنت مألف كل ريم
وقوله:
يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا
[ ١ / ٢٨٤ ]
وأشباه هذا من الألفاظ المتجانسة المستعذبة اللائقة بالمعنى - لكان قد أتى بالغرض، وتخلص من الهجنة والعيب، فأما أن يقول:
قرت بقران عين الدين وانشترت بالأشترين عيون الشرك فاصطلما
فانشتار عيون الشرك في غاية الغثانة والقباحة، وأيضًا فإن انشتار العين ليس بموجب للاصطلام، وقوله:
إن من عق والديه لملعو نٌ، ومن عق منزلًا بالعقيق
وقوله:
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت فيه الظنون أمذهبٌ أم مذهب
[ ١ / ٢٨٥ ]
وقوله:
خشنت عليه أخت بني خشين
فهذا كله تجنيسٌ في غاية الشناعة والركاكة والهجانة، ولا يزيد زيادة على قبح قوله:
فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت سلام سلمى، ومهما أورق السلم
فإن هذا من كلام المبرسمين، وقد عابه أبو العباس عبد الله بن المعتز ببعض هذه الأبيات في كتاب البديع، جاء بها في قبح التجنيس.
وقد جاء من التجنيس في أشعار العرب ما يستكره، نحو قول امرئ القيس:
وسنا كسنيق سناءً وسنما
ولم يعرف الأصمعي هذا، ولا أبو عمرو وقال أبوعمرو: وهو بيت مسجدى: أي من عمل أهل المسجد، وقال الأصمعي: السن: الثور، ولم يعرف سنيقا، ولا سنما،
[ ١ / ٢٨٦ ]
ويقال: سنيق جبل، ويقال: أكمةٌ، وسم ههنا: البقرة الوحشية، سناء: أي ارتفاعا، ويروى " سناما " أي ارتفاعا أيضًا، من " تسنمت الجبل " علوته.
وقول الأعشى:
شاوٍ شلولٌ مشلٌ شلشلٌ شول
وهذا عند أهل العلم من جنون الشعراء، وقرأ هذه القصيدة على أبي الحسن علي بن سليمان النحوي قارئٌ، فلما بلغ إلى هذا البيت قال أبو الحسن: صرع والله الرجل.
وما زلت أراهم يستكرهون قول ذى الرمة:
عصاقسّ قوسٍ لينها واعتدالها
ويروى " عصا عسطوسٍ " وقد قيل: إنه الخيزران.
وهذا إنما جاء من هؤلاء مقللًا نادرًا؛ لأنك لو اجتهدت أن ترى لواحدٍ منهم حرفًا واحدًا ما وجدته، والطائي استفرغ وسعه في هذا الباب، وجد في طلبه، واستكثر منه، وجعله غرضه؛ فكانت إساءته فيه أكثر من إحسانه، وصوابه أقل من خطائه.
[ ١ / ٢٨٧ ]