قال أبو تمام:
وفي الكلة الصفراء جؤذر رملة غدا مستقلًا، والفراق معادله (١)
تيقنت أن البين أول فاتك به مذ رأيت الهجر وهو يغازله
قوله: «الفراق معادله» معنى غير جيد ولا صحيح؛ لأن الفراق هو مفارقة كل واحد من الاثنين صاحبه، فإذا جعل الفراق ماضيًا مع أحدهما، وأخلى الآخر منه كان الآخر غير مفارق، وهذا محال، وإنما أوقع أبا تمام فيه أنه جعل الفراق كأنه شخص مسلط على المحبوب، استولى عليه فذهب.
وقد يستعمل مثل هذا ولكن ليس على هذا الوجه.
والاستعارة التي هي أقرب إلى الجواز قوله:
سعدت غربة بسعاد فهي طوع الإتهام والإنجاد (٢)
وذلك أن النوى إنما هي: نية القوم المفارقين دون من المقيمين.
وقال البحتري:
قد بين البين المفرق بيننا عشق النوى لربيب ذلك الربرب (٣)
فنسب العشق إلى النوى على سبيل الاستعارة.
وقال البحتري وهو حسن:
نوين النوى، ثم استجبن لهاتف من البين نادى بالفراق فأسمعا (٤)
[ ٢ / ٤١ ]
وحاولن كتمان الترحل بالدجى فباح بهن المسك لما تضوعا (١)
وأردأ من قول أبي تمام: «والفراق معادله»، وأقبح وأسخف قول أبي تمام:
أترى الفراق يظن أني غافل عنه وقد لمست يداه لميسا (٢)
ما زلت أسمع الشيوخ من أصحاب أبي تمام المتعصبين (٣) له دون من سواهم يقولون: أتره أي شيء أراد أن يصنع بالفراق: يقطع يديه أو رجليه، أو يصلبه على جذع؟
وقال أبو تمام:
لا أظلم النأي؛ قد كانت خلائقها من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا (٤)
وهذا معنى جيد حسن.
والقذف: البعيدة.
وقال أيضًا:
دع الفراق فإن الدهر ساعده فصار أملك من روحي بجثماني (٥)
وهذا في جملة أبياته المشهورة التي لهج الناس بها وهي:
ما اليوم أول توديعي ولا الثاني البين أكثر من شوقي وأحزاني (٦)
[ ٢ / ٤٢ ]
خليفة الخضر من يربع على وطن في بلدة فظهور العيس أوطاني (١)
بالشام قومي، وبغداد الهوى، وأنا بالرقتين، وبالفسطاط إخواني (٢)
وما أظن النوى ترضى بما صنعت حتى تبلغ بي أقصى خراسان (٣)
قوله: «البين أكثر من شوقي وأحزاني» أي زاد عليها، وغلبها حتى صرت لا أشتاق، ولا أحزن؛ لكثرة ما أفارق.
[ ٢ / ٤٣ ]