وهذا ما عيب به البحتري وليس بعيبٍ وإنما ذكرته لئلا يظن ظان أنه صحيح، وأني تخطيته، فمن ذلك ما نعاه عليه أصحاب أبي تمام، وهما بيتان، وقد ذكرت احتجاج أصحاب البحتري فيهما في الجزء الأول من هذا الكتاب، وأنا أعيد ذكرهما ههنا لزيادةٍ عندي في الاحتجاج يحتاج إليها.
١ - أنكروا عليه قوله:
يخفى الزجاجة لونها فكأنها في الكف قائمةٌ بغير إناء
وقالوا: لو ملئ الإناء دبسا لكانت هذه حاله، والمعنى عندي صحيح: لا عيب فيه، ولا قدح، وذلك أن الرجل قد دل بهذا الوصف على أن شعاع الشراب في غاية الغلبة، وأن الكأس غاية في الرقة؛ فاعتمد أن وصف الإناء وما فيه وصف الهيئة على ماهي عليه، وإنما أخذ المعنى من قول علي بن جبلة:
كان يد النديم تدير منها شعاعًا لا تحيط عليه كاس
ألا ترى أن هذا أيضًا قد دل على أن الكاس في غاية الرقة، ومثله قول الآخر:
[ ١ / ٣٨١ ]
إنما نعجتنا موسومةٌ ضمنت حمراء ترمى بالزبد
وإذا ما نزلت في كأسها فهي والكأس معًا شيءٌ أحد
وقد أنشد أبو العباس ثعلب بيت البحتري هذا في أماليه، وقال: إنه أخذ المعنى من قول الأعشى:
تريك القذى من دونها وهي دونه إذا ذاقها من ذاقها يتمطق
قال أبو العباس: وهذا البيت أجود ما قيل في وصف الخمرة؛ لأنه جمع بين اللون والطعم، ونحوه قول الآخر، وهو الأخطل:
ولقد تباكرنى على لذاتها صهباء عارية القذى خرطوم
يريد أنها صافية؛ فالقذى فيها لا يستتر، ولم يعب ثعلبٌ البحتري، ولا طعن في بيته، بل يدلك إنشاده وذكره في موضع السرق على استجادته له، واستحسانه إياه.
[ ١ / ٣٨٢ ]
٢ - وأنكروا قوله:
ضحكاتٌ في ٌثرهن العطايا وبروق السحاب قبل رعوده
وقالوا: أقام الرعود مقام العطايا، وإنما كان ينبغي له أن يقيم الغيوث مقام العطايا، وهذا جهل ممن قاله بمعاني كلام العرب، ومعنى التمثيل في البيت صحيح، لأن الرعد مقدمة الغيث، وقل رعدٌ لا يتلوه المطر، وإذا كان هذا هكذا فقد صار المعنى كأنه أولٌ، وإنما أخذ البحتري المعنى من قول بشار:
وعد الجواد يحث نائله كالبرق ثم الرعد في أثره
فأقام الرعد مقام الغيث، ونحوه قول بشار:
حلبت بشعري راحتيه فدرتا سماحًا، كما در السحاب الرعد
وأظنهما جميعًا أخذا المعنى من قول الأعشى:
والشعر يستنزل الكريم كما اس تنزل رعد السحابة السبلا
وأنشد ابن الأعرابي في نوادره:
فإن لم أصدق ظنهم بتيقني فلا سقت الأوصال مني الرواعد
[ ١ / ٣٨٣ ]
فجعل التي تسقى هي الرواعد، وقال الكميت:
وأنت في الشتوة الجماد إذا أخلف من أنجمٍ رواعدها
ومثل هذا كثيرٌ في كلامهم لا ينكره منكر، وقال أبو تمام:
وكذا السحائب، قلما تدعو إلى معروفها الرواد ما لم تبرق
فجعل البرق عند الرواد دليل الغيث، وقد يكون برق لا مطر معه كثيرًا، وبرق الخلب هذه حاله؛ فالبحتري في أن أقام الرعد مقام الغيث أعذر من أبي تمام لأنه قد يرتفع سحاب ويبرق ولا يمطر، فإذا أرعد لا يكاد يخلف.
٣ - ومن ذلك قول البحتري:
يا هلالًا أوفى بأعلى قضيبٍ وقضيبًا على كثيبٍ مهيل
وقالوا: هذا خطأ؛ لأن الكثيب - إذا كان مهيلًا - فإنه يذهب ولا يستمسك، وذلك مذموم من الوصف،
[ ١ / ٣٨٤ ]
قالوا: والجيد قوله:
كالبدر غير مخيل والغصن غي ر مميلي والدعص غير مهيل
وقالوا: قد تراه هنا كيف شرط في الدعص - لما شبه العجز به - أن جعله غير مهيل؛ لأن العرب إذا شبهت أعجاز النساء بكثبان الرمل شرطت فيها أن تكون ندية، وأن تكون ممطورة، كما قال الراجز:
جبن بأعجازٍ لهن ناوية كأنها الكثبان غب ساريه
ناوية: سمانٌ، من الني وهو الشحم، وكقول الآخر:
مثل الكثيب إذا ما بله المطر
وكما قال مرداس بن أبي عامر السلمي:
إذا هي قامت في النساء حسبت ما فويق نطاق العقد صعدة سأسم
[ ١ / ٣٨٥ ]
وأسفل منه ظهر دعص أصابه نجاء السماء في الكثيب المخيم
وقال الأخضر بن جابر الفزاري:
تلوث أثناء الفاع الأتحمى بمثل دعص الرملة المديم
أراد الذي قد بلته الديمة، وهي السحابة؛ وقال جندل بن المثنى الطهوي:
لا بل كدعصاء نداها مثرى عفراء حفت برمالٍ عفر
وقال امرؤ القيس:
كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه بما احتبسا من لين مس وتسهال
والحقف: المستدير من الرمل؛ لأن الريح تنخله وتجمعه، وقال " يمشي الوليدان فوقه " لأن الندى أصابه فهو صلب وفيه مع ذلك لين ونعومة، وقد شبه امرؤ القيس أيضًا كفل الفرس بالدعص الندي فقال:
له كفلٌ كالدعص لبده الندى إلى كاهل مثل الرتاج المضبب
[ ١ / ٣٨٦ ]
وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
وإن مال الضجيع بها فدعصٌ من الكثبان ملتبدٌ مطير
قالوا: هذا الوصف المجود، والمعنى الصحيح من معاني العرب، ولولا أن تشبيه الردف بالكثيب المنهال خطأ لما قال البحتري في بيته الآخر: " والدعص غير مهيل ".
وهذا المذهب الذي ذهبوا إليه لعمري صحيحٌ من مذاهبهم، إلا أن الشعراء إذا شبهت أعجاز النساء بكثبان الرمل ووصفتها بالانهيال فإنما تقصد إلى تحرك أعجازهن عند المشي، كماقال رؤبة بن العجاج:
إذا وصلن العوم بالهركل رجرجن من أعجازهن الخزل
أولااك رملٍ والج في رمل
فقال " أوراك رمل والج في رمل " وولوجه تحركه ودخول بعضه في بعض، وكما قال الأعشى:
روادفه تثنى الرداء تساندت إلى مثل دعص الرملة المتهيل
[ ١ / ٣٨٧ ]
نيافٌ كغصن البان ترتج إن مشت دبيب قطا البطحاء في كل منهل
فدل بقوله " ترتج إن مشت " على أن قوله " إلى مثل دعص الرملة المتهيل " إنما أراد تحرك عجزها في حال مشيها، وكذلك قول رؤبة:
ميالةٌ مثل الكثيب المنهال عزز منه وهو معطى الأسهال
ضرب السواري متنه بالتهتال
التهتال والتهتان واحد، فقال " مثل الكثيب المنهال " لما قال " ميالة " أي: أنها تتثنى في مشيتها وتتحرك روادفها، ثم شرط أنه " عزز منه ضرب السواري " أي شده ليمنع من سيلانه وذهابه، وإنما أراد حالا بين الحالين، ألا تراه قال: " هو معطى الإسهال ضرب السواري " أي شده ضرب السواري وهو مع ذلك يتيهل؛
[ ١ / ٣٨٨ ]
وقال ابن أبي سفيان الغامدي:
ذات شوى عبلٍ وخضرٍ أبتل وكفلٍ مثل الكثيب الأهيل
فأراد بالأهيل الذي يترجرج عند المشي، وقال المقنع الكندي:
إذا قامت تنوء بمرجحنً كدعص الرمل ينهال انهيالا
فحسن ذكر الانهيال من أجل ذكره للقيام، ولو لم يذكره لكان غرضه فيه معروفًا. وقال عبد الرحمن بن الحكم:
كأن ما بين قصراها وخنصرها منها نقًا دمثٌ من عالج هار
[ ١ / ٣٨٩ ]
فقصراها: آخر الأضلاع، وهي القصرى والقصيري؛ فدل بقوله " هار " على أنه أراد تحرك روادفها، فكذلك قول البحتري:
وقضيب على كثيب مهيل
إنما أراد تحرك أردافه، وقد دل على المشي بقوله:
يا هلالًا أوفى بأعلى قضيبٍ
فالمعنيان لا يتناقضان؛ لأن الشاعر إن ذكر الانهيال فإنه أراد الحركة عند المشي، وإن لم يذكر ذلك وشرط في الكثيب الندى وإصابة الغيث فإنما قصد أن ينص على اجتماعه واستمساكه كما قال رؤبة:
ميالةٌ مثل الكثيب المنهال
ثم قال:
عزز منه وهو معطى الأسهال ضرب السواري متنه بالتهتال
فانتظم الوجهين جميعًا.
[ ١ / ٣٩٠ ]
والذي شرح هذين المعنيين أتم الشرح، وأبر في الوصف على كل محسن، تميم بن أبي بن مقبل في قوله يصف مشي النساء:
يمشين هيل النقا مالت جوانبه ينهال حينًا وينهاه الثرى حينا
إنما أراد بقوله " ينهال حينا " تحرك أعجازهن إذا مشين كما يتحرك جانب الرملة للأنهيال فينهاه الثرى وهو ما تحته من التراب أو الرمل النندى، وهذا لا شيء أوضح منه.
٤ - ومن ذلك قوله:
متى أردنا وجدنا من يقصر عن مسعاته أو فقدنا من يدانيه
وقالوا: ليس هذا بالجيد؛ لأنه وصفٌ يشرك ممدوحه فيه البقال والحمال والمراق وباعة الدواء ولقاط النوى؛ لأن هؤلاء أيضًا متى شئنا وجدنا من يقصر عن مسعاتهم، وهو الحجام والكناس والنباش.
والبيت عندي صحيح، وغرض البحتري فيه معروف، ومثله أو نحوه قول الأعشى:
وأخو النساء متى يشأ يصرمنه ويعدن أعداء بعيد وداد
وهو لا يشاء ذلك، إنما أراد أن ذلك سهلٌ موجود في النساء، وكذلك قول البحتري " متى أردنا وجدنا " أي: أن ذلك موجود سهل حاصل، وإن لم يكن هناك إرادة ولا طلب؛ لأن تلك حالٌ قد علمت منه، وقد صحح المعنى ووكد المدح بقوله " أوفقدنا من يدانيه " والبقال
[ ١ / ٣٩١ ]
والمراق وأمثالهما غير مفقود من يدانيهم؛ فجعل البحتري أحد القسمين في البيت معلقًا بالآخر: أي ذلك كله سهل موجود، ولو اقتصر على النصف الأول كان لعمري فيه متعلق.
٥ - ومن ذلك قوله:
تهاجرٌ أممٌ لا وصل يخلطه إلا تزاور طيفينا إذا هجدا
قالوا: والطيفان لا يهجدان، وإنما أراد إذا هجدنا، فقال " إذا هجدا ".
وقد سمعت من يحتج فيه بما لا يبعد عندي من الصواب، وهو أن قال: إنه أراد إلا تزوار نفسينا إذا هجدا؛ فأقام الطيف مقام النفس وقال " هجدا " ولم يقل " هجدتا " للفظ الطيف وهو مذكر، وقال: إن النفس تنام على الحقيقة كما قال تعالى: " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ".
فقيل له: النفس لعمري يطلق عليها النوم، فإذا نامت رأت خيالات الأشياء التي ترى حقائقها في اليقظة؛ فالنفس غير الخيال، وقد تتمثل للنفس في حال يقظتها وإن لم ترها العين؛ فليس النفس من الخيال في شيء.
[ ١ / ٣٩٢ ]
قال: فإذا كانت النفس والخيال يلتقيان في النوم، فلم لا أسميهما خيالين - وإن كان أحدهما خيالا والآخر نفسًا - على المجاز الذي تفعله العرب؟ وهذا عندي احتجاج صحيح، ويصح عليه معنى البيت.
٦ - ومما نسبوا فيه البحتري إلى سوء التقسيم قوله:
فكأن مجلسه المحجب محفلٌ وكأن خلوته الخفية مشهد
وقالوا: إنه ليس في المصراع الثاني من الفائدة إلا ما في الأول؛ لأن مجلسه المحجب هي خلوته الخفية، وقوله " محفل " كقوله " مشهد ".
والمعنى عندي صحيح؛ لأن المجلس المحجب قد يكون فيه الجماعة الذين يخصهم، وفي الأكثر الأعم لا يسمى مجلسًا إلا وفيه قوم، ألا ترى إلى قول مهلهل:
واستب بعدك يا كليب المجلس
أي: أهل المجلس، على الاستعارى، فجعل البحتري مجلسه الذي احتجب فيه مع ما يخصه كالمحفل، والمحفل: هو المجمع الكثير، والخلوة الخفية قد يكون فيها منفردًا، وقد يكون معه محبوب، فبنها وبين المجلس والمحفل فرق؛ فكأنه إذا خلا خلوة خفية وفيها معه من يشاهده - ومن يشاهده يجوز أن يكون واحدًا
[ ١ / ٣٩٣ ]
أو اثنين - والمحفل لا يكون إلا عددًا كثيرًا، فهذا أيضًا فرق صحيح بين المحفل والمشهد، وإنما أراد البحتري أنه لا يفعل في مجلسه المحجب إلا ما يفعله في المحفل، ولا يفعل في خلوته الخفية إلا ما يفعله مع من يشاهده، ينسبه إلى شدة التصون وكرم السريرة.
٧ - ومثله قوله:
أمين الله، دمت لنا سليما ومليت السلامة والدواما
قالوا: وقوله " دمت لنا سليما " هو قوله " مليت السلامة والدواما " فإن هذا قبيح جدًا.
وليس الأمر عندي كذلك، بل القسمة صحيحة؛ لأنه لما تقدم ذكر السلامة والدوام في أول البيت قال في عجزه " ومليت السلامة " أي: أديمت لك تلك السلامة وذلك الدوام.
وأجود من هذا أن يكون لما قال دمت لنا سليما - وذلك بذكر السلامة وفيها الألف واللام؛ لأنها اسم الجنس، وكذلك الدوام - فكأنه قال: مليت السلامة كلها والدوام كله وليس بمنكر أن يقول القائل في الدعاء " دام لك الدوام " كما يقول: طال طولك، وقر قرارك، وضل ضلالك، وزال زوالك، وذلك كلام مستعمل حسن، ومعنى " مليت " أطيلت لك وأديمت، مثل تمليت،
[ ١ / ٣٩٤ ]
وهو مأخوذ من الملاوة والملوة، وهما الدهر، والملوان: الليل والنهار. ومنه قولهم: وقفت مليا.
٨ - وقال البحتري:
اليوم أطلع للخلافة سعدها وأضاء فينا بدرها المتهلل
لبست جلالة جعفرٍ؛ فكأنها سحرٌ تجلله النهار المقبل
وقالوا: هذا معنى فاسد؛ لأن السحر طرة النهار وأوله وبدء ضيائه، والشيء في مثل هذا لا يتجلل أوله؛ لأن التجلل هو أن يشتمل عليه ويغطيه، والسحر أمام النهار أبدًا؛ فلا يجوز أن يتغشاه؛ لأنه المتصل بالظلمة والمختلط بها والطارد لها، فهو يدور حول كرة الأرض دائمًا على صورة واحدة لا يتغير.
وهذا عندي معارضة صحيحة، إلا ان هذا معنى يتجاوز في مثله؛ لأن البحتري إنما أراد تجلله النهار في رأي أعيننا وما نشاهده؛ لأن زرقة السحر لما استطار الضوء صار كأنه شيء غطى عليها، وإن كانت حقيقتها أنها اتقلبت إلى قطر آخر من الأرض.
٩ - وقال البحتري:
لم أر كالهجر لم يرحم معذبه والوصل لم يعتمد معطاه بالحسد
وهذا كان بعضهم يراه سهوًا، ويقول: إن المعذب بالهجر مرحوم،
[ ١ / ٣٩٥ ]
فأما من يواصله حبيبه فمغبوط أبدًا ومحسود، وقد قيل في ذلك من الأشعار ما هو أشهر وأكثر؛ فمنها قول يزيد بن الطثرية:
أعوذ بخديك الكريمين أن يرى لنا حاسدٌ في غبر الوصل مطمعا
وقول أب يصخر الهذلي:
فقد تركتني أحسد الطير أن أرى أليفين منها لم يروعهما النفر
وقول جرير:
ويحسد أن يزوركم، ويرضى بدون البذل لو علم الحسود
وقول جميل بن معمر:
لولا الوشاة لزرتكم ببلادكم لكن أخاف مقالة الحساد
وقول عتبة بن بجير الحارثي:
أيام تهجرني ليلى وأحسدها وأطيب العيش عندي مضغة الحسد
أي: هي تهجرني، وأنا أحسدها: أي أحسد عليها.
وليس الأمر عندي في هذا البيت على ما تأوله هذا المتأول وظنه، وذلك أن البحتري لم يرد بقوله " لم أر كالهجر لم يرحم معذبه " جنس الهجر، ولا جنس الوصل، فيخرج الكلام مخرج العموم لكل هجر وكل وصل، كما يقال: أهلك الناس الدينار والدرهم، وإنما أراد " لم أر كالهجر لم
[ ١ / ٣٩٦ ]
يرحم معذبه " أي: كالهجر الذي هذه حاله على طريق التعجب " والوصل لم يعتمد معطاه بالحسد " أي الوصل الذي هذه حاله، وهذا كما تقول: " لم أر كالرجل يسئ فلا يذم، ويحسن فلا يشكر " أي كالرجل الذي هذه حاله، ولم يرد كل الرجال، وكيف يظن مثل هذا بالبحتري وهو يقول:
ونحسد أن يسرى إلينا من الهوى عقابيل يعتاد الهوى باعتيادها
فكم نافسوا في حرقةٍ إثر فرقةٍ تعجب من أنفاسنا وامتداها
فقد ترى كيف يزعم أنه يحسد على الجوى وعلى الحرق، فكيف على الوصل؟ ١٠ - وقا لالبحتري:
أي ليلٍ يبهى بغير نجومٍ وسحابٍ يندى بغير بروق؟
عابه بعضهم بهذا، وقالوا: قد يكون برقٌ ولا غيث معه، وهو برق الخلب، والرجل لم يقل لا برق إلا ومعه مطر، وإنما قال لا مطر إلا ومعه برق.
١١ - وسمعت من يعيب قوله:
كالروض مؤتلقًا بحمرة نوره وبياض زهرته وخضرة عشبه
ويقول: النور هو الأبيض، والزهر هو الأصفر لا محالة،
[ ١ / ٣٩٧ ]
فإذا قلت " في هذا الروض أنوار مختلفةٌ " جاز ذلك، لأنك تضم إلى البياض غيره فيجري الأسم علىلجميع، على سبيل المجاز، كما تقول " العمران " لأبي بكر وعمر ﵄، و" القمران " للشمس والقمر، وما أشبه ذلك، وكذلك إذ قلت " فيها أزهار كثيرة " جاز ذلك وإن كان فيها أبيض وأحمر وما سواهما من الصفرة توسعًا ومجازًا؛ فإذا فصلت معتمدا لأن تخص كل جنس باسم، كما فعل البحتري، ولم يجز أن يعدل بكل جنس عن اسمه المخصوص؛ فتقول حينئذ: يعجبني من هذا الموضع صفرة زهره، وبياض نوره، وحمرة شقائقه، ولا يجوز أن تقول: يعجبني حمرة نوره، ولا بياض زهره، كما قال البحتري؛ لأن ذلك خطأ ف ياللغة على ما استعملته العرب.
ولعمري إن هذا هو الأشهر في كلامهم، والأغلب في المأثور عنهم، إلا أنهم قد جعلوا الزهر نورًا، والنور زهرًا، وجاء ذلك ف يالشعر، قال عدي بن زيد:
حتى تعاون مستك له زهرٌ من التناوير شكل العهن في اللؤم
[ ١ / ٣٩٨ ]
اللؤم: جمع لأمة ولؤمة، وهي متاع الرحل من الأشلة والولايا تكون موشاة بالعهن - وهو الصوف المصبوغ بالحمرة - وغير ذلك من الألوان؛ فقال " زهر " ثم قال " من التناوير " وقال " شكل العهن ". وقال زهير ابن مسعود الضبي:
متنورٌ غدق الندى قريانه مثل العهون من الخواطر مقمر
وقال أبو النجم:
فالروض قد نور في حوائه مختلف الألوان في أسمائه
نورًا تحار الشمس في حمرائه مكللا بالنور من صفرائه
فقال " بالنور من صفرائه ". وقال حميد بن ثورٍ:
كأن على أشداقه نور حنوةٍ إذا هو مد الجيد منه ليطعما
[ ١ / ٣٩٩ ]
يصف فرخ الحمامة وصفرة أشداقه، ويشبهها بصفرة الحنوة لا محالة؛ فقال نور حنوة؛ ولم يقل زهر حنوة، وقال الأعشى:
وشمول تحسب العين إذاصفقت وردتها نور الذبح
والذبح: نبت، ونوره أحمر شديد الحمرة، ويقال له " الذبح " وهذا كله دليل على أن هذه الأسماء تستعمل في هذه الألوان كما ترى على اختلافها.
١٢ - وسمعت من يعيب قوله:
فمجدلٌ ومرملٌ وموسدٌ ومضرجٌ ومضمخٌ ومخضب
ويوقولن: إن قوله " مضرج ومضمخ ومخضب " بمعنى واحد، وذكر أنه إن أراد رجلا واحدًا أنه مضرج ومضمخ ومخضب جاز؛ لأن كل لفظةٍ تكون مؤكدةً للأخرى، قال: ولكنه أراد فمنهم مضرج ومنهم مضمخ ومنهم مخضب، كما قسم في صدر البيت.
ولعمري إن البحتري كذلك أراد، وليس بمنكر؛ لأن المضرج
[ ١ / ٤٠٠ ]
من التضريج وهي الحمرة المشرقة التي ليست بقانية، والمضمخ يريد به غلظ الدم وأنه في متانة الطيب الذي يتضمخ به، والمخضب أراد أن الدم قد خضبه كما يخضب بالحناء؛ ففي كل لفظة ما ليس في الأخرى، وإن كانت الحمرة قد شملت الجميع؛ لأن المضرج يجوز أن يكون أراد به طراوة الدم: أي منهم حديث عهدٍ بالقتل، والمضمخ من قد خثر عليه الدم كأن قتله قد تقدم قبل الآخر، والمخضب يجوز أن يكون مضى لقتله يومٌ وأكثر فقد اسود عليه الدم، وهذه معانٍ كلها محتملة، وقد يجوز أن يريد بقوله " مضرج " سائر جسده، وبالمضمخ أن السيف أخذ عوارضه وتحت لحيته، وذلك موضع من مواضع التضمخ بالطيب. وأراد بالمخضب أن السيف أخذ في رأسه وفي يديه ورجليه. وذلك مواضع الخضاب. وقد يكون المضرج المقطع؛ يقال: " ضرجته " إذا قطعته. وهذه معانٍ لطيفة، وقد يجوز أن يعتد بها، والوجه القوي هو الأول.
١٣ - وسمعت قومًا ينكرون قوله في وصف الخمر:
وفواقع مثل الدموع ترددت في صحن خد الكاعب الحسناء
ويقولون: إن الدمع لا تتردد في الخد كما يتردد الحباب في الكأس، وإنما الدمع يجري وتتابع.
[ ١ / ٤٠١ ]
والمعنى صحيح، ولا عيب فيه؛ لأن التردد قد يكون الجولان، وقد يكون التتابع والتواتر، يقال: قد تتابعت كتبي إليك، وترددت؛ بمعنى، وتواترت رسلي وتتابعت، والكتاب الأول هو غير الثاني. وكذلك قد يكون الرسول الأول غير الرسول الثاني، وإنما حسن أن يقال تتابعت وترددت لأن كل واحد من الكتب يقال له " كتاب " ويقال لكل واحدٍ من الرسل رسول؛ فلما ضمهم اسم واحد حسن استعمال التتابع والتردد. وإن كانت أشخاصًا متباينة، وكل واحد غير الآخر؛ فكذلك الدمع، حسن أن يقال: قد تتابعت دموعه على خده، وترددت، وإن كانت دمعة غير الأخرى. والحباب وإن جال في القدح دائرًا فيه فإنه ربما جرى فيه على جهةٍ واحدةٍ؛ كما يجري الدمع على جهة واحدة، وهذا من أحسن التسبيه وأليقه؛ لأن الخمر قد يكون منها ما هو أحمر إلى التوريد الخفيف كحمرة الخد، وخاصة إذا أرقت بالماء؛ كما قال الشاعر:
كميت إذا فضت، وف يالكأس وردةٌ لها في عظام الشاربين دبيب
فإذا شبهت الخمرة بالخد وذكر الحباب فمن أليق ما شبه به وأحسنه وأصحه الدمع؛ لأن الدمع قد يقف في الخد كوقوف الحباب في صحن الكأس، وباب اختلاف حركة الحباب وحركة الدمع فليس كل شيء
[ ١ / ٤٠٢ ]
يشبه بشيء يقع التشبيه فيه من جميع الجهات حتى لا يغادر منها شيئًا، وقد يكون إنما شبه به ببعض ما فيه لا بكله.
١٤ - ورأيت من عاب قوله:
وصبغت أخلاقي برونق خلقه حتى عدلت أجاجهن بعذبه
وقالوا: إنما كان ينبغي لما ذكر الأجاج والعذب أن يقول " فمزجت " لا أن يقول " وصبغت " أو لما قال " وصبغت " أن يقول " حتى عدلت ألوانهن بحسن لونه ".
وليست هذه المعارضة بشيء، والمعنى صحيحٌ، ولذلك أنه ليس هناك صبغ على الحقيقة فيقابل بذكر لون حتى يتكافأ المعنيان، ولا مشروب عذبٌ ولا أجاج على الحقيقة فيستعمل بذكر المزاج، وهذه استعارات ينوب بعضها عن بعض، ويقوم بعضها مقام بعض؛ لأنها ليست بحقائق فيما استعبرت له، ألا ترى أنك تقول: فلان قد شارك فلانًا، وخالطه، ومازجه، وانسبغ به، بمعنى واحد، وإن كان بعضها أوكد من بعض، ولا يكون هناك مداخلة ولا ممازجة لجسم في جسم، ولا مخالطة على الحقيقة.
١٥ - ومما عيب عليه من التعسف والتعقيد في اللفظ قوله:
فتى لم يمل بالنفس منه عن العلى إلى غيرها شيءٌ سواه مميلها
[ ١ / ٤٠٣ ]
وكان بعض الناس يرى أنه لاحنٌ، ويقول: إنه إنما أراد فتى لم يمل بنفسه عن العلى شيء مميل نفس سواه، أي: ما يميل النفس عن المعالي من اللهو واللعب والدعة وحب الراحة والضن بالمال، ونحو هذا من الأشياء الشاغلة عن السؤدد، فقدم " سواه " وكنى عن النفس بقوله " مميلها " بعد أن حذفها، قال: وذلك غير جائز؛ لأنك إذا قلت " لن يضرب هامة عمرو وأحدٌ ضارب هامة غيره فقدمت " هامة غيره " فقلت: لن يضرب هامة عمرو واحدٌ هامة غيره ضاربها، وجعلت الهاء في " ضاربها " كنايةً عن الهامة لتقدمها جاز؛ إلا أن البصريين من النحويين يقولون: " هامة غيره ضاربها هو " كما أنه لو قال: " شيءٌ نفس سواه مميلها هو " جاز، فإن فككت الإضافة وأسقطت هامة وقدمت " غير " فقلت: " لن بضرب هامة عمرو واحدٌ غير ضاربها " لم يجز؛ لإسقاطك الهامة التي كنايتها الهاء في قولك " ضاربها " ولا تجوز الكناية عن غير مذكور في مثل هذا، فكذلك لا يجوز في البيت " شيء سواه مميلها " وهو يريد شيء نفس سواه مميلها؛ لأن الهاء في قوله " مميلها " كناية عن النفس؛ فلا يجوز إسقاط النفس.
وهذا لعمري إن كان البحتري أراده فهو غالط، غير أنه - والله أعلم -
[ ١ / ٤٠٤ ]
إنما أراد فتى لا يميل بالنفس منه عن العلي إلى غيرها شيء بخفض " شيء " على أن الممدوح هو الذي لم يمل بنفسه عن العلي إلى شيء غيرها، ثم قال " سواه مميلها " على الابتداء والخبر: أي لكن سواه من الناس مميلها، فأضمر " لكن " وهذا سائغ؛ وأنشد سيبويه:
على الحكم المأتى يومًا إذا قضى قضيته أن لا يجور، ويقصد
قال: أراد ولكنه يقصد، فأضمر " لكن " فلذلك رفع " يقصد "، وعلى أنه مستعمل كثير فاشٍ في الكلام أن تقول: زيد لا يقعد عن المكارم وعمرو يقعد عنها، وأنا لا أجفوك إنما بكر الجافي لك؛ فيكون الكلام مستغنيًا بنفسه؛ فلا يحتاج إلى إضمار.
فإن سلم البيت من عيب اللحن لم يسلم من عيب التعسف، ولست أعرف بيتًا تعسف في نظمه غير هذا.
١٦ - ومن ردئ التجنيس وقبيحه قوله:
أمنا أن تصرع عن سماحٍ وللآمال في يدك اصطراع
يقول: أمنا أن يغلبك غالبٌ يصرعك عن السماح ويمنعك منه، وللآمال في يدك اصطراع: أي تنافسٌ وتغالبٌ وازدحام، وقوله " في يدك " لأن العطاء إليها ينسب،
[ ١ / ٤٠٥ ]
وقد جاء بهذه اللفظة في موضع آخر فقال يصف أخلاق الممدوح:
يتصرعن ففرجاء دنو ال مزن، والودق خارجٌ من خلاله
وهي ههنا أقل قبحًا منها في البيت الأول، ولو قال " يتدانين للرجاء دنو المزن " كان أحسن في اللفظ، وأوفق من أجل التجنيس، ولكن " يتصرعن " أوكد ف يالمعنى؛ لأنه بمعنى يتساقطن ويتطرحن، يريد الإسراع إلى الرجاء من غير ترفق ولا توقٍ للأنحطاط والوقوع؛ ليدل على الحرص والشهوة.
وقد جاء بهذه اللفظة في موضع آخر، وأوقعها موقع الذم، فقال:
من يتصرع في إثر مكرمةٍ فدأبه ف ياتباعها دأبه
يريد من يتساقط في أثر مكرمة إذا سعى لطلبها ولم يكن له نهوضٌ فيها فدأب الممدوح دأبه المعروف المشهور منه، أي: جده ولحاقه، وحرك الدأب الثاني وسكن الأول، ومعناهما واحد، ويجوز أن يكون أراد فدأبه في اتباعها - أي عادته في اتباعها - دأبه، أي: سعيه وحركته، وهو أجود.
١٧ - ومن ردى التجنيس أيضًا قوله:
حييت بل سقيت من معهودةٍ عهدي غدت مهجورةً ما تعهد
[ ١ / ٤٠٦ ]
ويروى " سقيت من عمعمورة " يخاطب الدمن، أي: عهدي بها معمورة معهودة، ومن روى " معهودة عهدي " أي: عهدي بها معهودة فغدت معهودة ما تعهد، وقد يكون العهد من التعهد، ويكون قوله " ما تعهد " أي: قد نسيت، وهذا يشبه تجنيسات أبي تمام.
[ ١ / ٤٠٧ ]