وأنا أذكر ما غلط فيه أبو تمام من المعاني والألفاظ، مما أخذته من أفواه الرجال وأهل العلم بالشعر عند المفاوضة والمذاكرة، وما استخرجته أنا من ذلك واستنبطته، بعد أن أسقطت منه كل ما احتمل التأويل، ودخل تحت المجاز، ولاحت له أدنى على.
وأنا أبتدئ بالأبيات التي ذكرت أن أبا العباس أنكرها، ولم يقم الحجة على تبيين عيبها وإظهار الخطأ فيها، ثم أستقصى الاحتجاج في جميع ذلك؛ لعلمي بكثرة المعارضين ومن لا يجوز على هذا الشاعر الغلط، ويوقع له التأول البعيد، ويورد الشبه والتمويه. وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل.
١ - أنكر أبو العباس أحمد بن عبيد الله على أبي تمام قوله:
هاديه جذعٌ من الأراك، وما تحت الصلا منه صخرةٌ جلس
قال: هذا من بعيد خطائه أن شبه عنق الفرس بالجذع، ثم قال " جذع من الأراك " ومتى رأى عيدان الأراك تكون جذوعًا؟ وتشبه بها أعناق الخيل!.
وأخطأ أبو العباس في إنكاره على أبي تمام أن شبه عنق الفرس بالجذع، وتلك عادة العرب، وهو في أشعارها أكثر من أن يحصى، وقد بينت ذلك فيما غلط فيهأبو العباس على أبي تمام.
[ ١ / ١٤١ ]
وأصاب أبو العباس في إنكاره أن تكون عيدان الأراك جذوعًا، وإن لم يلخص المعنى؛ لأن عيدان الأراك لا تغلظ حتى تصير كالجذوع، ولا تقاربها.
فإن قيل: إن الشجرة من الأراك قد تعظم حتى تصير دوحة يستظل بها الجماعة من الناس والسرب من الوحوش، وذلك معروف موجود، وقد قال الراعي:
غذاه وحولى الثرى فوق متنه مدب الأتى والأراك الدوائح
والدوائح: العظام منه، جمع دوحة.
قيل: إن الأمر وإن كان كذلك في بعض شجر الأراك من علوها وتشعب أغصانها في الغلظ، ولو انتهت إلى هذه الحالة - وذلك غير معولم - لما قيل لها أيضًا " جذوع "؛ لأن الجذع إنما هو للنخلة فقط، وقد يقال على سبيل الاستعارة لما يشبه بالنخلة، قال الراجز:
بكل طرفٍ أعوجي صهال يمشي إذا ما قيد مشى المختال
تحت هواد كجزوع الأوقال
فقال: " كجذوع الأوقال " والأوقال: جمع وقلة وهي شجرة المقل؛ لأن فيها شبهًا من النخل من جهة الخوص والليف.
فإن قيل: فقد قال ذو الرمة:
[ ١ / ١٤٢ ]
وهادٍ كجذع الساج سامٍ يقوده معرق أحناء الصبيين أشدق
قيل: ذو الرمة إنما قال ذلك على التشبيه؛ لأن العود من الساج يشبه الجذع المنحوت في غلظه وهيئته، وعود الأراك من أبعد شيء من ذلك؛ لأنه لا يمتد ولا يستوى استواء الجذع ولا غيره من أجناس الشجر التي تمتد أبدانها علوًا امتدادًا مستويًا، وذلك لرقته وشدة التووائه وتشعبه.
٢ - وأنكر أبو العباس قول أبي تمام:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه بكفيك ما ماريت في أنه برد
وقال: هذا هو الذي أضحك الناس منذ سمعوه وإلى هذا الوقت، ولم يزد على هذا شيئًا، والخطأ في هذا البيت ظاهر؛ لأنى ما علمت أحدًا من شعراء الجاهلية والإسلام وصف الحلم بالقرة، وإنما يوصف الحلم بالعظم والرجحان والثقل والرزانة، ونحو ذلك، كما قال النابغة:
وأعظم أحلامًا وأكبر سيدًا وأفضل مشفوعًا إليه وشافعا
وكما قال الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس أحلامًا إذا قدروا
[ ١ / ١٤٣ ]
وكما قال أبو ذؤيب:
وصبرٌ على حدث النائبات وحلمٌ رزينٌ وقلبٌ ذكي
وكما قال عدي بن الرقاع في مثل ذلك:
في شدة العقد والحلم الرزين وفي ال قول الثبيت إذا ما استنصت الكلم
وقال أيضًا:
أبت لكم مواطن طيباتٌ وأحلامٌ لكم تزن الجبالا
وكما قال عدي أيضًا:
الجامع الأصيل وسؤددًا غمرًا يقاس به وحكمةً حازم
وكما قال أيضًا:
قرمٌ له مع دينه وتمامه حلمٌ إذا وزن الحلوم ثقيل
وقال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانةً وتخالنا جنا إذا ما نجهل
وقال أيضًا:
إنا لتوزن بالجبال حلومنا ويزيد جاهلنا على الجهال
وكما قال الآخر:
وعظيم الحلم لو وازنته بثبيرٍأو برضوى لرجح
[ ١ / ١٤٤ ]
ومثل هذا كثير في أشعارهم، ألا ترى أنهم إذا ذموا الحلم كيف يصفونه بالخفة؛ فيقولون: خفيف الحلم، وقد خف حلمه؟ وقال عياض بن كثير الضبي:
تنابلةٍ سودٍ خفافٍ حلومهم ذوى نيرب في الحي يغدو ويطرق
وقال عقبة بن هبيرة الأسدي:
أبنى المغيرة قبل آل خويلدٍ يا للرجال لخفة الأحلام
وقال قد بن مالك الأسدي:
كأن جرادةً صفراء طارت بأحلام الغواضر أجمعينا
جعلها صفراء لأنها ذكر، وهو أسرع من الأنثى وأخف.
وقال ابن قيس الرقيات، ووجدتها في ديوانه، والصحيح أنها لأبي العباس الأعمى:
[ ١ / ١٤٥ ]
حلماء إذا الحلوم استخفت ووجوهٍ مثل الدنانير ملس
وقال قيس بن عمير الكناني:
كمثل الحصى بكر، ولكن خيانة وغدرٌ وأحلامٌ خفافٌ عوازب
فهذه طريقة وصفهم الحلم، وإنما مدحوه بالثقل والرزانة، وذموه بالطيش والخفة.
وأيضًا فإن البرد لا يوصف بالرقة، وإنما يوصف بالمتانة والصّفاقة، وأكثر مايكون ألوانًا مختلفة، كما قال يزيد بن الطثرية:
أشافتك أطلال الدّيار كأنما معارفها بالأبرقين برود
والأبرق والبرقاء من الأرض: ما كان فيها حجارة ورمل؛ فقيل «برقاء» لاختلاف الألوان فيها، ومن ذلك الجبل الأبرق الذي فتل من قوى مختلفة الألوان؛ فلذلك شبه الشاعر معارف الديار بالبرود لاختلاف ألوان البرود.
ولولا أنه قال «رقيق حواشي الحلم» ما ظننت أنه شبه بالبرد إلا لمتانته، وهذا عندما أفحش الخطأ، ثم قوله «لو أن حلمه في بكفيك» كلام في غاية القبح والسخافة، وأظن أبا العباس بن عمار إنما أنكر هذه اللفظة فقط.
وإنى لأعجب من اتباع البحترى إياه في البرد - مع شدة تجنبه الأشياء المنكرة عليه - حيث يقول:
[ ١ / ١٤٦ ]
وليال كسين من رقة الصيف فخلين لأنهن برود
وكيف لم يجد شيًا يجعله في الرقة غير البرد؟ ولكن الجيد في وصف الحلم قوله متبعًا للمذهب الصحيح المعروف:
خفت إلى السؤدد المجفو نهضته ولو يوازن رضوى حلمه رجحا
وقوله:
فلو وزنت أركان رضوى ويدبل وقيس بها في الحلم خف ثقيلها
وأبو تمام لا يجهل هذا من أمر الحلم، ويعلم أن الشعراء إليه تقصد، وإياه تعتمد، ولعله قد أورد مثله، ولكنه يريد أن يبتدع فيقع في الخطأ.
٣ - وأنكر أبو العباس على أبى تمام قوله:
من الهيف لو أن الخلاخل صورت لها وشحًا جالت عليها الخلاخل
ولم يذكر موضع العيب فيه، ولا أراه علمه، وأنا أذكره وألخصه فأقول: إن هذا لذى وصفه أبو تمام ضد ما نطقت به العرب، وهو أقبح ما وصف به النساء؛ لأن من شأن الخلاخيل والبرين أن توصف بأنها تعض في الأعضاد والسواعد وتضيق في الأسواق، فإذا جعل خلاخيلها وشحًا تجول فقد أخطأ الوصف؛ لأنه لا يجوز أن يكون الخلخال
[ ١ / ١٤٧ ]
الذي من شأنه أن يعض بالساق - وشحًا حائلا على جسدها ح لأن الوشاح هو ما تقلده المرأة متشحة به، فتطرحه على عاتقها، فيستبطن الصدر والبطن، وينصب جانبه الآخر على الظهر حتى ينتهي إلى الحجز، ويلتقى طرفاه على الكشح الأيسر؛ فيكون مها في موضع حمائل السيف من الرجال، وإذا كانت هذه صورة الوشاح فغير جائز يوسف بالسعة والطول، ليدل على تمام المرأة وطولها، وكون ذلك لائقًا بتشبيه النساء في البيت الثاني بقنا الخط، وإنما يوصف الوشاح بالقلق والحركة ليستدل بذلك على دقة الخصر؛ لأنه يقلق هناك إذا كان الخصر دقيقًا، والبط اضمر، بل حركته تدل على ضمر البطن أكثر، وليس طوله في نفسه مما يدل على امتلاء ولا خمص، وإذا كان الخلخال - وهو الحلقة المستديرة المعروف قدرها - وشاحًا للمرأة فإن يأخذ أعلى جسده كله، وإذا كانت كذلك فقد مسخت إلى غاية القماءة والصغر، وصارت في هيئة الجعل؛ وقد تصف العرب الخصر بالدقة، ولكن تعطى كل جزء من الجسد قسطه من الوصف، كما قال امرؤ القيس:
طوال المتون والعرانين كالقنا لطاف الخصور في تمامٍ وإكمال
ألا تراه قال لطاف الخصور قال في تمام وإكمال ولو قال هذا الشاعر لو أن الخلاخيل صيرت لها حقبًا لصح له المعنى كما قال منصور النمرى:
[ ١ / ١٤٨ ]
فلو قست يومًا حجلها بحقابها لكانا سواءً، لا، بل الحجل أوسع
فجعل حجلها - وهو الخلخال - أوسع من حقابها، والحقاب: ما تديره المرأة على خصرها؛ فهو يختص بالخصر، وكذلك النطاق، والوشاح لا يختص بالخصر، وإنما يعلق حتى ينتهى إليه إذا كان الخصر دقيقا والبطن ضامرًا، فاتبع أبو تمام منصورًا في المعنى فأخطأ.
ومن عادة العرب أنها لا تكاد تذكر الهيف وطي الكشح ودقة الخصر إلا إذا ذكرت معه من الأعضاء ما يستحب فيه الامتلاء والرى، على ما عرفتك، كما قال ذو الرمة:
عجزاء، ممكورةٌ، خمصانةٌ، قلق منها الوشاح وتم الجسم والقصب
وكما قال أيضًا:
وفي العاج منها والد ماليج والبري قنا مالئٌ للعين ريان عبهر
أناةٌ تلوث المرط منها بدعصةٍ ركامٍ، وتجتاب الوشاح فيقلق
وكما قال:
ترى خلفها نصفًا قناةً قويمةً ونصفًا نقًا يرتج أو يتمرمر
[ ١ / ١٤٩ ]
وكما قال الشنفري:
فدقت، وجلت، واسبكرت، وأكملت فلوجن إنسانٌ من الحسن جنت
أي: دق منها ما ينبغي أن يدق، وجل منها ما ينبغي أن يجل؛ فهذا هو تمام الوصف.
وقال تميم بن أبي مقبل:
هيف المردى رداحٌ في تأودها مخطوفةٌ منتهى الحشاء عطبول
فقال " هيف المردى " ثم قال " رداح " والرداح: العظيمة العجز، وهذا مقول ذي الرمة " خلفها نصفا قناة قويمة " وقوله " عطبول " قويمة العنق.
وقال تميم أيضًا:
من الهيف مبدانٌ ترى نطقاتها بمهلكةٍ أخراصهن تذبذب
فجعلها هيفاء، وهي الخميصة البطن، ثم قال مبدان؛ فصار البدن لا يمنع من الهيف، ولا يضاده.
وقال تميم أيضًا:
[ ١ / ١٥٠ ]
وقد دق منها الخصر حتى وشاحها يجول، وقد عم الخلاخيل والقلبا
وقال علي بن أبي هلقمة الجرمي:
ترى حجلها ملآن ليس بزائدٍ يجول، ولم تملأ وشاحًا ولا عقدا
فإن ذلك من شأن الوشاح؛ لأن من سبيله أن يكون جائلا إذا انتهى إلى خصرها لدقته، ومن شأن العقد أن يجول أيضًا على عنقها وترائقها؛ لقلة اللحم هناك، وذاك هو المحمود من الوصف، وقال امرؤ القيس:
على هضيم الكشح ريا المخلخل
وقال طرفة بن العبد:
وملأى السوار مع الدملجين وأما الوشاح عليها فجالا
وقال علقمة بن عبدة:
صفر الوشاحين، ملأى المرط، خرعبةٌ، كأنها رشأٌ في البيت ملزوم
وقال المرار:
[ ١ / ١٥١ ]
بيض العوارض بدنٌ أبدانها رجح الروادف ضمر الخصار
وقال كثير:
كسون الريط ذا الهدب اليماني خصورًا فوق أعجازٍ ثقال
وقال كثير أيضًا:
يجول الوشاح بأقرابها وتأبى خلاخلها أن تجولا
وقال آخر:
عقيليةٌ، أما ملاث إزارها فدعصٌ، وأما خصرها فبتيل
يريد كأنه لدقته مقطوعٌ مما يليه. وهذا كله ضد ما قاله أبو تمام.
فإن حمل بعض من يريد إقامة العذر له نفسه على أن يقول: إنما ذهب في قوله " جالت عليها الخلاخل " إلى قولهم: فلان يدخل في الخاتم لظرفه ولين أخلاقه، لا لضيق مفاصله! قيل: هذا من كلام العامة، وقول أب يتمام: " من الهيف " يمنع هذا التأول ويحجز عنه؛ لأن الهيف الخميصات البطون، الواحدة هيفاء، وإلى هذا ذهب، لا إلى وصف الأخلاق ورقة الطباع.
[ ١ / ١٥٢ ]
فإن قال قائل: إنما قال " لو أن الخلاخيل صيرت لها وشحًا " أي لو ساغ ذلك وجاز، كما يقال: لو دخل أحد في سم الخياط لرقته وحسن أخلاقه لدخل زيد، وكما قال الشاعر:
لو طار ذو حافرٍ سرعةٍ طارا
وكما قال الآخر:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ قومٌ لسؤددهم أو مجدهم قعدوا
قيل: هذا مذهبٌ حسن معروف من مذاهبهم، ولكن ليس بينه وبين قول أبي تمام شبه، وإنما كان يشبهه لو قال: " لو أن الخلاخيل تكون مكان الوشاح لجال عليها " ولو قال هذا أيضًا لكان يعد مخطئا؛ لأنه سواء عليه قال هذا أو قال قصر ظهرها أو بعض خلقها أو ضم بعض أعضائها إلى بعض، حتى لو يكون خلخالها مكان وشاحها لجال عليها، ومثل هذا لا يقوله أحد إلا الكشحى وأبو العير، ولفظ بيته أقبح من هذا، وأشنع؛ لأنه إنما أخرجه مخرج الحقيقة، أو ما يقارب الحقيقة، نحو قول القائل: لو تغطت هندٌ بشعرها لغطاها، ولو سترت وجهها بذراعها لسترته، ولو مسستها لثاخت الإصبع فيها، أو لأدمتها، وهذا ضرب من المبالغة، وهو إلى الحقيقة أقرب، وليس من الأبيات المذكورة في شيء ولا على سياقة ذلك
[ ١ / ١٥٣ ]
اللفظ، والإحالة فيما مخرجه الحقيقة أقبح من الإحالة فيما مخرجه مخرج التوسع؛ والمبالغة.
وبعد فإن أبا تمام إنما قال: من الهيف، والهيفاء هي الضامرة البطن، وقد تكون ضامرة مطوية وخصرها غير دقيق؛ لأنها قد تكون من ضمرها عريضة الحقوين، فيضطرب الوشاح هناك، لأنه إنما يجري من أحد جانبيها على حقو واحد.
واضطراب الوشاح لا يدل على دقة الخصر خاصة؛ لأنه قد يضطرب والخصر غير دقيق، وصمته ولزومه لا يوجب عرض الخصر لا محالة، لأنه غير مطيف به، وإنما يقع طرفه على أحد جانبيه، فما وجه جعل الخلخال في موضع الوشاح؟
فإن قيل: لم يذهب إلى دقة الخصر، وإنما ذهب إلى وصف البطن بالضمر، لأنه قال: من الهيف والهيف، الضوار البطون.
قيل: فهذا موضع غلطه وإحالته، لأن ضيق الخلخال والوشاح لا يوجب ضمر البطن، ولا يدل على ذلك أيضًا طوله ولا قصره: وإنما يدل على الضمر حركته لا غير، وطوله إنما يدل على طول الطهر. وقصره على قصره، والخلخال بمعزل عن ذلك كله.
وإنما سمع أبو تمام قول علي بن جبلة:
فلو قست يوما حجلها بحقابها لكانا سواء، لا بل الحجل أوسع
فاتبعه فأخطأ وأحال؛ لأن العقاب لا يخص غير الخصر، فأراد ابن جبلة أن يدل على دقة الصر فقال: لو قيس خلخالها بحقابها لكانا سواء وكان الخلخال أوسع؛ لأن الخلخال مستدير كاستدارة العقاب، ودقة الخصر تقتضي ضيق العقاب. كما أن تمام الظهر وطل القناة يقتضي
[ ١ / ١٥٤ ]
طول الوشاح وطول حمائل السيف؛ لأنهما يخصان القمامة، ألا ترى إلى قول أبي نواس:
أشم طوال الساعدين كأنما يناط نجاد سيفه بلواه
وكما قال البحتري:
ينوس إذا تمطى في النجاد
وكان ينبغي لأبي تمام لما وصف النساء في البيت التالي بالطول والتمام فقال:
قنا الخط إلا أن تلك ذوابلٌ
أن يصف الوشح بالطول والتمام؛ لأن الوشاح من المرأة في موضع خمائل السيف، فكيف يجعلها مثل الخلاخل ويجعل الخلاخل مثلها؟.
وقد يبالغ الشاعر في أشياء حتى يخرج منها إلى المحال، ويخرج بعضها مخرج النادر، فيستحسن ولا يستقبح، نحو قول الشاعر:
من رأى مثل حبنى تشبه البدر إذ بدا
يدخل اليوم خصرها ثم أردافها غدا
ومثل هذا كثير، وقد بالغ النابغة في وصف عنق المرأة بالطول، فقال:
[ ١ / ١٥٥ ]
إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ومن يتعلق حيث علق يفرق
فجعل القرط يخاف أن يسقط من هناك فيلك، وإنما أخرج هذا كالمثل: أي لو كان مما يقع منه الخوف لخاف، وقال ذو الرمة:
والقرط في حرة الذفرى معلقه تباعد الحبل منه فهو يضطرب
فدل بقوله: " تباعد الحبل منه " على طول عنق المرأة؛ فهذه المبالغة لائقة مستحسنة؛ لأنه دل على الوصف بالشيء الذي يخص الموصوف، لا بالشيء الذي يخص غيره، ولو كان أبو تمام قال: " لو أن الخلاخيل صيرت لها نطقًا " لكان أتى بالصواب؛ لأن النطاق هو كل ما يدار على الخصر مثل المنطقة من سير كان أو ثوب أو غيرهما، أو لو قال " حقبًا " لأن الحقاب والنطاق بمنزلة واحدة، وأظنه أراد أن يقول هذا فغلط فجعل مكانه الوشاح.
وقد بالغ أبو العتاهية في وصف الخصور بالدقة، فقال:
ومخصراتٍ زرننا بعد الهدو من الخدور
نفجٌ روادفهن يل بسن الخواتم في الخصور
لم يرد أن خواتمهن في خصورهن؛ لأن هذا محال، وإنما ذهب إلى مثل قولهم: " جفنة يقعد فيها خمسة " أي: لو قعدوا فيها لو سعتهم.
[ ١ / ١٥٦ ]