ريحًا بعينها، وسماها باسميها، فقال: شنئت الصبا، وعاديت القبول: أي أبغضت هذين الاسمين؛ لأن حمول الظاعنين توجهت نحوها، ولم يقل إن الحمول توجهن إلى وجهتين مختلفين.
وحكى ابن الأعرابي - أو حكى عنه - أنه قال: القبول كل ريحٍ طيبة المس لينة، لا أذى فيها، سميت قبولا لأن النفس تقبلها، وأظن الأخطل - إن كانت الرواية صحيحة - لهذا قال:
فإن تبخل سدوس بدرهميها فإن الريح طيبةٌ قبول
أي: طيبة لا تمنعنا الانصراف والسير، وهذه لبست من الريح التي ذكرها أبو تمام في شيء؛ لأن هذه على هذا الوصف: قد تكون الشمال، وتكون الجنوب، وتكون الصبا، وذلك إنما أراد ريحًا بعينها؛ لأنه قال: " بين الصبا وقبولها " فجعلها مضافة إليها، كما لو قال " بين الشمال وجنوبها " لأنهما ريحان معروفتان، وهما أختان مختلفتان تعتقبان، وكذلك لو قال " بين الصبا ودبورها " وكذلك لو قال " بين القبول ودبورها " أو " بين القبول وشمالها " فإذا ذكرت القبول مع هذه الرياح المعروفة كانت هي الصبا، وليس هذا موضع القبول التي هي الريح اللينة المس الطيبة على ما ذكر؛ لأنه وصف مجهول، ويجوز أن يكون لكل ريح ولا يقع في هذا الموضع؛ لأنك إذا عنيتها بقولك " قد هبت الصبا وقبولها " لم يدر أي ريح هي؛ فما معنى إضافتها إلى الريح المعروفة التي هي إذا لان مسها جاز أن تسمى بذلك الاسم؟ خذا خلفٌ من القول إذا قيل.
وأيضًا إن أبا تمام إنما أراد أن هذه الرياح عفت هذه الديار، وذهبت بها؛ فما وجه ذكره لريح طيبة لينة المس مع الدبور؟ هذا محال أن يكون أراده، كيف والديار يدعى لها بهبوب الرياح اللينة الضعيفة لئلا تعفوها؟ ألا ترى قول أبي تمام:
أرسى بناديك الندى وتنفست نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا
[ ١ / ١٦١ ]
وقال البحتري:
وإذا هبت الرياح نسيمًا فعلى ربع دارها والجناب
فشرط أن تكون الرياح نسيما، وقال:
راحت لأربعك الرياح مريضةً وأصاب مغناك الغمام الصيب
فشرط أن تكون الرياح مريضةً؛ لئلا تعفوها وتمحوها.
فإن قيل: فلعله أراد " بين الصبا وقبولها " أي: بين الصبا سهلها ولينها، ولا يكون يريد بالقبول اسمها المعروف، وإنما يريد الاسم الذي يقع للريح اللينة المس، فكأنه قال " بين القبول وقبولها " كما يقال: " جاءنا عباسٌ وعباسه " أي: ووجهه العباس، و" أتانا الضحاك وضحاكه " أي: ووجهه الضحاك؛ لأن التعبيس والضحك في الوجه، و" فتنتنا حوراء بحوارئها " أي: بعينها الحوراء.
قيل: هذا كله لفظ سائغ مستقيم، غير أنا ما سمعنا مثل هذا في الريح، ولا علمناه في اللغة، ولا وجدنا في الشعراء أحدًا قال: " الصبا وقبولها "، ولا " الجنوب وقبولها " ولا " الشمال وقبولها " أي: سهلها ولينها، ولو أراد الطائي ذلك كان أيضًا مخطئًا؛ لأن الريح لينها وشديدها ريحٌ واحدة، وقد قال أبو تمام " أثلاثا " فدل على أنه أراد ثلاث رياح، وإن
[ ١ / ١٦٢ ]
كان أراد ريحًا أخرى غير الصبا فقد قدمت القول في أن ذلك غير سائغ ولا مستقيم، وقد استقصى أصحاب الأنواء في كتبهم ذكر الرياح وأصوافها ونعوتها، واستشهدوا بأكثر ما سمعوه من أشعار العرب فيها، وبالغ أبو حنيفة الدينورى في ذلك؛ فما منهم أحد ذكر أن القبول غير الصبا، وإنما قال ابن الأعرابي في نوادره: إن العرب تسمى كل ريح طيبةٍ لينة المس قبولًا، قال الأخطل:
فإن تبخل سدوس بدرهميها فإن الريح طيبةٌ قبول
فإنما أراد الصبا؛ لأنها ريحٌ محبوبة تنسب إلى الطيب، وهي دائمة الهبوب لينة المس معتدلة في أكثر أوقاتها: أي فإن منعت سدوس نائلها فإن الريح طيبة قبول، أي: هي صبًا ما تمنعنا من الانصراف والرحيل؛ فإن كان ما ذكره ابن الأعرابي صحيحًا - وهو الصحيح إن شاؤ الله - فإنهم إنما قالوا لكل ريح طيبة لينة قبول تشبيها لها بالصبا، كأنهم إن هبت شمالٌ لينة، قالوا: هذه الصبا، أو هذه القبول، أي: كالصبا أو كالقبول، فأسقطوا حرف التشبيه، وجعلوا المشبه في مكان المشبه به، كما تقول إذا شممت أترجةً طيبة العرف: هذه المسك، أو كالمسك، وإذا رأيت وجهًا حميلا قلت: هذا هو البدر، وإن شئت كان المعنى: هذه المسك حقا، وهذا هو البدر يقينا، ولوهبت شمال شديدة مزعجة حتى تقول: هذه هي الدبور بعينها - لكان هذا من أسوغ
[ ١ / ١٦٣ ]
كلام وأصحه، فإن كانت العرب سمت الشمال والجنوب - إذا هبتا هبوبًا سهلا لينًا - قبولا فإنما شبهوها بالصبا وأعاروها اسمها. وإنما قيل لها قبول لأنها تأتي من مطلع الشمس، وهو الموضع الذي يقبل منه النهار، وقيل للدبور دبورًا لأنها تهب من حيث يدبر، وقد قيل غير ذلك، وهذا هو الصحيح. وحكى بعضهم عن النضر بن شميل أنه قال: القبول ريحٌ تلى الصبا ما بينها وبين الجنوب، وهذا غير معروف ولا معول عليه، وقد ذكر بعضهم أن قوما شموا الشمال قبولًا، قال: وليس ذلك بثبت، ولا معول عليه إلا أن يكون قاله على هذا الوجه الذي ذكرته على التشبيه. والله أعلم.
وبيت أبي تمام لا يحتمل أن يتأول فيه هذه الريح؛ لأنه أراد محو الديار، ولا تذكر في محو الديار القبول الخفيفة الهبوب الطيبة المس مع الدبور التي لا تكاد تهب، فإن هبت لم تأت إلا شديدة مزعجة.
ولو قال آخر ممن لا تمييز معه: أراد بين الصبا وقبولها، أي: الريح التي قبلتها، كأنها قابلتها فقبلتها فهي قبولها، يعني ريحًا من الرياح، كما يقال: فاخرته ففخرته، وخاصمته فخصمته.
[ ١ / ١٦٤ ]
قيل: هذا خطأ من وجوه: منها أن الريح التي تقابل الصبا مقابلة صحيحة هي الدبور، وقد ذكرت في البيت الأول؛ فلا يجوز أن يرددها؛ ومنها: أنك لا تقول قابلت زيدًا فقبلته، مثل فاخرته ففخرته؛ لأنك إذا قابلته فقد صرت قابلته وصار قبالتك؛ فليس أحدكما في هذا بأفضل من آخر، وذلك مثل قولك: واجهته، وآزيته، وساويته، وحاذيته؛ لأنك في هذه الأفعال مثله وهو مثلك؛ فلا يجوز أن تقول فيه: فعلته: أي غلبته؛ ومنها: أنك إذا قلت " زيد ضاربٌ عمرًا، وضروب عمرو، وقاتلٌ بكرًا، وقتول بكرٍ " لم تدل على أنه كانت هناك مضاربة بينهما ومقاتلة؛ لأنه يجوز أن يكون الضرب وقع من أحدهما ولم يقع من الآخر. ولذلك أصل؛ فلذلك لا يدل قوله " قبولها " على أنه كانت هناك مقابلة، كما لا يدل قولك " زيد ضارب عمرو " على أنه كانت مضاربة بينهما حتى غلب زيد عمرًا بالضرب، وإذا لم يكن على الشيء دليل لم تقم به حجة.
[ ١ / ١٦٥ ]
٦ - ومن خطائه قوله:
وصنيعةٍ لك ثيبٍ أهديتها وهي الكعاب لعائذ بك مصرم
حلت محل البكر من معطى، وقد زفت من المعطى زفاف الأيم
غلطه وقع في البتين جميعًان وقالوا: أراد بقوله " وصنيعة لك " أي: للممدوح " ثيب " أي: قد افترعت " أهديتها وهي الكعاب لعائذ بك مصرم " أي: قليل المال، وجاء بالكعاب على أنها تقوم مقام البكر ليجعلها في البيت ضد الثيب فتصبح له القسمة: أي هذه الصنيعة ثيبٌ عندك: أي قد اصطنعت مثلها مرارًا، وهي الكعاب - يريد البكر - عند هذا العائذ بك؛ لأنها أول ما اصطنعته إليه أو لأنها أكبر صنيعة صنعتها عنده.
قالوا: والكعاب هي التي كعب ثديها، وقد تكون بكرًا، وتكون ثيبًا، فليست ضد ًا للثيب في البيت، ولا تصح بها قسمته؛ لأن اسم الكعاب لا يزول عنها إذا افترعت حتى ينهد ثديها ويرتفع.
قالوا: واعتمد أن يشرح هذا المعنى في البيت الثاني فقال:
حلت محل البكر من معطى،
[ ١ / ١٦٦ ]
وذلك معنى قوله: " وهي الكعاب لعائذ بك " ثم قال: " زفت من المعطى زفاف الأيم "، وهو يريد معنى قوله: " وصنيعة لك ثيب " على أن الأيم هي الثب.
وقالوا: هذا خطأح لأن الأيم هي التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبا، قال الله ﷿: " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم " أفتراه قال أنكحوا الثيبات من النساء دون الأبكار؟ إنما أراد تبارك اسمه أنكحوا النساء اللواتي لا أزواج لهن؛ فالثيب والبكر والصغيرة والكبيرة ممن لا زوج لها تدخل في الآية، قال الشماخ:
يقر بعيني أن أحدث أنها وإن لم أنلها أيمٌ لم تزوج
وهذا هو المعروف في كلامهم.
وهذا الذي ذكروه من غلطه في الأيم هو كما ذكروه، فأما ما ادعوه في البيت الأول من الغلط في الكعاب بأن أقامها مقام البكر فليس ذلك بغلط، والمعنى صحيح، وقد جاء مثله في أشعار العرب، قال قدامة بن ضرار الحنفى:
غداة خطبنا البيض بالبيض عنوةً وأبن إلينا ثيباتٍ وكعبا
أراد بالكعب الأبكار،
[ ١ / ١٦٧ ]
وقال جرير يهجو امرأة:
وقد حملت ثمانية وتمت لتاسعة وتحسبها كعابا
فأقام الكعاب مقام البكر، وجعلها ضد الثيب، ومثله في كلامهم كثير موجود، فعلوا ذلك - وإن كان الكاعب قد تكون بكرًا وتكون ثيبًا - لأن أول أحوال الكواعب أن يكن قد ناهزن حد البلوغ، وبدت ثديهن بالتكعيب؛ فهن في هذه الحال أكثر ما يكن أبكارًا وغير ذات أزواج، قال عمرو ابن معد يكرب:
تركوا السوام لنا وكل خريدةٍ بيضاء خرعبة وأخرى ثيب
فأقام الخريدة مقام البكر، وجعلها ضد الثيب في البيت، والخريدة الدرة، والخريدة هي الحيية حكى اللحيانى قال: سمعنا أعرابيًا من كلب يقول الخريدة الدرة التي لم تثقب وهي من النساء البكر، والخرعبة: اللينة المفاصب الطويلة، هذه قد تكون بكرا، وقد تكون ثيبًا، إلا أنه جعلها بكرًا؛ لأن الحياء أكثر ما يكون في الأبكار.
فقد صح معنى بيت أبي تمام الأول ف يالكعاب، وبقى الغلط قائمًا في الأيم، وجعلها في البيت الثاني ضد البكر.
[ ١ / ١٦٨ ]
فإن قيل: فلم لا يكون لأبي تمام إقامة الأيم في البيت الأول مقام الثيب؛ إذ كانت الأيم قد تكون ثيبا، كما أقمت الكعاب في البيت الثاني مقام البكر؛ إذ كانت الكعاب قد تكون بكرًا، وتتجاوز له في هذا كما تجاوزت لبه في تلك؟ قيل: لفظة كعاب تدل بصيغتها على صغر السن كما عرفتك؛ فهي في الأكثر تكون بكرًا غير مفترعة؛ فلذلك استحسنوا أن أقاموا الكعاب مقام البكر، ولفظة أيم لا تدل على حد في السن: من صغر، ولا كبر، ولا على بكورة، ولا افترع؛ فلا تجوز إقامتها مقام الثيب بحال، وقد غلط في الأيم بعض كبار الفهاء فجعلها مكان الثيب، وذلك لحديثٍ روى عن النبي ﷺ فإنه لحقه السهو في تأويله فحمله على غير معناه؛ فلعل أبا تمام من هذا الوجه قد لحقه الغلط.
وقد ذكر أبو تمام معنى هذين البيتين في موضع آخر، فقال - وقد ذكر صنيعةً أيضًا -:
[ ١ / ١٦٩ ]
وليست بالعوان العنس عندي ولا هي منك بالبكر الكعاب
والعوان: هي التي بين المسنة والصغيرة السن، وهي التي قد عرفت الأمور، وجرت عليها التجربة؛ فلذلك قيل: العوان لا تعلم الخمرة، ومنه قيل: حربٌ عوا، وهي التي قوتل فيها مرةً بعد مرةٍ، وإنما استعير لها اسم المرأة في هذه الحال، كما قال الشاعر:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ
فاستعار لها أول ما تبدأ وتنشأ اسم الفتاة، وأراد أبو تمام أن هذه الصنيعة ليست بالعوان عندي: أي ليست صنيعةً قد تقدمتها لك لدى صنائع تشبهها لبعظمها وجلالها، ولا هي بالبكر منك: أي ليست مع ذلك بكر صنائعك، بل قد أسديت كثيرًا مثلها إلى غيري، وهذا هو المعنى الذي قصده في البيتين المتقدمين، إلا أنه جعل " العنس " هنا في موضع العانس كأنه أراد أن يقول: وليست بالعوان العانس عندي فغلط فقال العنس ولاعانس: هي التي حبسها أهلها عن التزويج حتى جاوزت حد الفتاة، والعنس: اسم من اسماء الناقة، وهي التي قد انتهت في شدتها وقوتها، فأين وصف الناقة من وصف المرأة؟
[ ١ / ١٧٠ ]
فإن قيل: إن أبا تمام لم يرد غير العنس، ولم يرد العانس؛ لأنه لو أراد العانس لكان مخطئًا من وجهٍ غير الذي ذكرته، وهو أن العوان - فيما ذكر بعض أهل اللغة - الثيب، وقيل: إنها التي كان لها زوج، وجرير قد أفصح أنها ذات الزوج في قوله:
وأعطوا كما أعطت عوانٌ حليها أقرت لبعل بعد بعلٍ تراسله
فكيف يكون العانس وصفًا للعوان، ولاعانس هي التي حبست عن التزويج؟ قال عامر بن جوين الطائي:
ووالله ما أحببت حبك عانسًا ولا ثيبًا لو أن ذاك أتاني
فجعلها ضد الثيب، والعنس أولى بأن تكون وصفًا للعوان من العانس، ويكونان جميعًا من أوصاف العوان؛ لأن العوان إذا أريد بها الناقة، وهي دون المسنة وفوق الفتية، فهي حينئذ الكاملة، والعنس: الناقة التي قد انتهت في قوتها، فهما صفتان متفقتان استعارهما الشاعر للصنيعة من أوصاف النوق، كما استعار البكر الكعاب من أوصاف النساء.
قيل: هذا غلط من الاحتجاج، وتعسف من التأويل، وإنما يستدل ببعض الألفاظ على بعض، كما يستدل على المعنى بما يقترن ويتصل به، فيكون في ذلك بيانٌ وإيضاح، أما العوان والبكر - وإن كان قد وصف بهما غير المرأة من البهائم وغير البهائم - فإن البكر في البيت لا تكون مستعارة إلا من أوصاف النساء، من أجل ما اقترن بها من لفظ الكعاب التي هي
[ ١ / ١٧١ ]
مخصوصة بوصف الجارية التي قد كعب ثديها، فلا تكون العوان في صدر البيت من أوصاف النوق، والبكر في آخره من أوصاف النساء؛ فعلمنا أنه لم يرد بالعنس إلا العانس فغلط، كأنه أراد أن هذه الصنيعة ليست في حال ما هي عندي بالعوان العانس، ولا ف يحال ما هي عندك بالبكر الكعاب؛ لأن المرأة تكون كاعبًا وبكرًا في حال، وعوانًا وعانسًا ف يحال أخرى، فتنتقل في هذه الأوصاف، والعنس لا موضع لها ههنا.
وأما قوله " إنه لو أراد العانس كان مخطئًا؛ لأن العانس هي التي حبست عن التزويج حتى جازت حد الفتاة؛ فلا تكون وصفًا للعوان؛ لأن العوان عند أهل اللغة الثيب " فيقال: إنه إنما كان يسوغ لك هذا التأويل لو زال اسم العنوس عن المرأة إذا تزوجت، فأما وهو باقٍ عليها بعد التزويج الذي صارت به ثيبًا فلم لا يكون وصفًا للعوان التي هي أيضًا ثيب عندك، ألا ترى إلى قول كثير:
فإن طلابي عانس أم ولدة لمما تمنيني النفوس الكواذب
فقال «عانسًا» وجعلها أم ولدة.
فإن قال: فلعل أبا تمام لم يرد هذا وإنما أراد بالعنس مصدر عنست المرأة تعنس عنسًا وعنوسًا، فجعل المصدر - وهو عنوس - وصفًا للعوان مكان العانس، والمصادر قد تجعل أوصافًا في مكان أسماء الفعالين.
قيل له: المصدر المعروف في مصدر «عنست المرأة» وهو العنوس، ولم يسمع العنس، وعلى أن الأصمعى قد أنكر عنست مخففًا، وقال: إنما هو
[ ١ / ١٧٢ ]
عنست تعنس تعنيسًا بالتشديد، حكى ذلك عنه يعقوب بن السكيت، وهب أن قد جاء العنس مصدر عنست فليس في كل موضوع يسوغ أن تكون المصادر أو صافًا، وإنما تكون أوصافًا على وجه من الوجوه وطريقة من اللفظ، وهي قولهم: إنما زيد دهره أكلٌ ونومٌ، وإنما عمرو أبدًا قيامٌ وقعودٌ؛ فإن شئت كان المعنى إنما زيد ذوأ كل ونوم، وإنما عمرو ذو قيام وقعود فتقيم المضاف إليه مقام المضاف؛ لأنه يدل عليه، أو تجعل زيدًانفسه الأكل والنوم وعمرا القيام والقعود على المبالغة؛ لأن ذلك كثير منهما، كما قالت الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبالٌ وإدبار
فجعلت الناقة هي الإدبار والإقبال لأن ذلك كثر منها، وإن شئت كان المعنى ذات إقبال وإدبار، فأقمت المضاف إليه مقام المضاف؛ فهذه طريقة الوصف بالمصادر، وإذا تأولت بالعنس المصدر في قوله " وليست بالعوان العنس " كان ذلك كقولك: ليست هند بالصبية الصغر، تريد الصغيرة، ولا دعد بالهرمة الكبر، تريد الكبيرة؛ فهذا لا يسوغ في منطق ولا يعرف في لغة، ولكن قد تستعمل هذه المصادر وصفًا على نحو ماذكرته؛ فيقال هند الحسن كله، ودعد الجمال أجمعه، وزيد الهرم أقصاه، وعبد الله البغض نفسه، والتينة عينه، وإن شئت كان
[ ١ / ١٧٣ ]
المعنى هند صاحبة الحسن كله، ودعد ذات الجمال أجمعه، وزيد أخو الهرم، وعبد الله ذو التيه؛ فأقمت المضاف إليه مقام المضاف: كما قال الله ﷿: (وسأل القرية التي كنا فيها) يريد أهل القرية، وإن شئت جعلت هندًا هي الحسن، هي الجمال، على المبالغة، لما كانتا غايتين فيهما، وجعلت زيدًا هو الهرم، وعبد الله هو التيه، لما كانا متناهيين في هذين الوصفين. ولو كان أبو تمام اقتصر على ذكر العوان والبكر - وهما اللفظتان اللتان استعارتهما الشعراء في هذا المعنى، ولم يخلط بهما العنس والكعاب والثيب والأيم - لكان قد سلك الطريق المستقيم، فأتى باللفظ المألوف المستعمل، وتخلص من فاحش الخطأ، وإنما أراد معنى قول الفرزدق:
وعند زيادٍ لو تريد عطاءه رجالٌ كثيرٌ قد ترى بهم فقرا
قعودٌ لدى الأبواب طالب حاجةٍ عوان من الحاجات، أو حاجة بكرا
أي: منهم طالب حاجةٍ عوان: أي حاجة قد عرفها وصارت عادةً له ورسمًا يتطلبه في كل حين، ومنهم طالب حاجة بكر: أي أول ما يلتمسه منه ويقترحه عنده، فأخب أبو تمام أن يزيد على هذا المعنى ويغرب، فأخرجه ذلك إلى الخطأ.
وقد أحسن محمد بن حازم الباهلي في قوله:
أبا جعفرٍ يا بن الجحاجحة الغر بدت حاجةٌ، والحر يأوى إلى الحر
[ ١ / ١٧٤ ]
وقد لبستني منك بالأمس نعمةٌ فهل لك في أخرى عوانٍ إلى بكر
على أنها إن أمكنت أو تعذرت فإنك بين الشكر مني والعذر
فهذه طريقة الشعراء في العوان والبكر.
٧ - ومن خطائه قوله:
الود للقربى، ولكن عرفه للأبعد الأوطان دون الأقرب
لأنه نقص الممدوح مرتبةً من الفضل، وجعل وده لذوى قرابته، ومنعهم عرفه، وجعله في الأبعدين دونهم، ولا أعرف له ف يهذا عذرًا يتوجه.
وقد عارضني في معنى هذا البيت غير واحدٍ ممن ينتحل نصرة أبي تمام.
فقال بعضهم: إن العرف ما يتبرع به الإنسان؛ فلذلك جعله في الأباعد، فأما الأقارب فإن برهم وصلتهم من الحقوق الواجبة اللازمة.
قلت: إن كنت تريد الحقوق التي تلزم وتجب من طريق الحكم فإن ذلك إنما هو للآباء والأجداد، والأمهات والأولاد، والأعمام والأخوال، والإخوة والأخوات إذا كانوا فقراء محتاجين؛ فيجب لهم من الإنفاق عليهم بقدر القوت والكفاية، وهذا لا يخرج أن يسمى معروفًا، ألا تراهم يقولون: أنل أباك من معروفك، أو أنل أمك من معروفك؛ فلا يكون هذا قبيحًا، بل حقًا، وقال الله ﷿ فيما فرض على الرجال للنساء: " وعلى المولد له رزقهن وكسوتهن بالمعروف "، فقد صار الفرض ههنا معروفًا؛ لأن المعروف هو الحسن الجميل من
[ ١ / ١٧٥ ]
القول والفعل الذي قد عرفت المصلحة فيه؛ فصار معهودًا معتادًا إذاأورد لم تنفر النفوس منه فتنكره، وهذا لا يكون الإنسان محمودًا به إذا أعطاه هذه الطبقة من أهله حتى يمدح بفعله ويفتخر له به، بل يكون مذمومًا إذا اقتصر عليه ولم يتجاوزه إلى التوسعة عليهم، والإغناء لهم، إن كان من ذلك ممكنًا وعليه مقتدرًا، فما بال غير هؤلاء من الأقارب ممن ليس له حق من طريق الحكم، وهم بنو الأعمام الذين هم الأعضاد والعدة، وبهم تكون النصرة، وكذلك بنو الأخوات وبنو الأخوال لم يجعل المعروف - الذي هو تبرع - في الأباعد دونهم ويخرجون منه.
وإن أردت الحقوق التي يلزمها الإنسان نفسه تكرمًا وتفضلًا فذلك حقيقة العرف الذي يتبرع المرء به، ويحمد عليه، ويمدح بفعله إياه، وإعطتئه له، ويذم إذا منعه. والأقارب على الاختلاف في طبقاتهم وأنسابهم أولى به من الأباعد؛ فمن جعله في الأباعد دونهم فذلك منه غاية اللؤم، ونهاية العقوق، وعين الحمق، وإن وصفه واصفٌ به فقد بالغ في ذمه، وتناهى في هجائه.
وقال آخر: قوله " الو للقربى " قد جمع لهم الود والعرف وغيره؛ لأن الود يشتمل على ذلك كله، والعرف الذي خص به الأبعدين لا يجمع الوداد؛ إذ ليس كل من أسديت إليه معروفًا فقد وددته، فقد أعطى ذوى القربى أكثر مما أعطى الأبعدين.
[ ١ / ١٧٦ ]
فقلت له: وليس كل من وددته أيضًا فقد أسديت إليه نائلا ولا معروفا، ولا يتضمن لفظ الود غير المحبة فقط، وعلى أن قوله " دون الأقرب " توكيد يوجب إخراج الأقارب عن العرف، وتخليصه للأبعدين، فما معنى هذا التأويل الذي تأولته؟ فأقام على أن الود يجمع العرف والصلة، وهذا غير معروف، ولا موجود في كلام الناس، وقد قال المقنع الكندي:
فإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلفٌ جدا
إذا جمعوا صرمى معًا وقطيعتي جمعت لهم مني مع الصلة الودا
فأفصح هذا بأنه يجمع لهم بين الصلة والود وقال البحتري:
مودةٌ وعطاءٌ منك نلتهما ورب معطى نوال غير مودود
فقال " مودة وعطاء منك نلتهما " فلو كانت المودة لا تكون إلا ومعها عطاء لم يكن لهذا القول معنى، وكذلك البيت قبله، وقال " رب معطى نوال غير مودود " ورب مودود غير معطى نوال، ألا ترى إلى قول الأعشى:
بانت وقد أسأرت في النفس حاجتها بعد ائتلافٍ، وخير الود ما نفعا
[ ١ / ١٧٧ ]
فأراد أن الود قد يكون ولا نفع معه، وقال أبوتمام:
قراني اللهى والود حتى كأنما أفاد الغنى من نائلي وفوائدي
وعارض آخر بمثل هذه المعارضة سواء، فأجبته بمثل هذا الحواب، وقلت له: إن كان الأمر على ما تزعم وتركناك على شهوتك في أن الود يجمع المحبة والصلة فقد ناقض إذًا هذا الشاعر نفسه في البيت، فإنه إن كان أراد بقوله " الود للقربى " المحبة والمعروف جميعا فقد قال في عجز البيت " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " فأخرج الأقرب من العرف بقوله " دون " فلو كنت تركته على ما يقتضيه ظاهر لفظه من حرمان الأقرب كان ذلك أقل قبحا من المناقضة.
فقال: إنما أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " إفراد العرف للأبعد، وألا يجمعه له مع الود كما جمعهما للأقرب.
فقلت: قوله " دون " يفسد عليك هذا التأويل، وما أراك إلا قد أوضحت فيه الإحالة والمناقضة وبينتهما؛ لأنك في هذا كقائل قال: الود والمال جميعا لزيد، والمال لعمرو مفردًا دون زيد، فكيف يجمع المال مع الود لزيد أولا ويفرد عمرًا به دون زيد آخرًا؟ وهذا أقبح ما يكون من
[ ١ / ١٧٨ ]
المناقضة. وإنما كان يصح هذا الكلام أن لو قال: الود والمال لزيد، والمال لعمرو دون الود؛ فيكون قد أخرج عمرًا من الود إخراجا مؤكدًا بقوله " دون الود "، فأما الكلام الأول فمتناقض، كما عرفتك.
وكذلك بيت أبي تمام، كان يتأول على هذا أن لو قال " دون الود " لا دون الأقرب، وما ظننت أن أحدًا يدعى مثل هذه الدعوى، ولا أن له حاجة تدعو إلى مثل هذا الاحتجاج.
ويجب أن ياقل لهذا المعارض: هل يجوز عندك أن تكون مودة لا معروف معها؛ إذ ليس كل من وددته فقد أنلت معروفًا؟ فإن قال " لا " كابر وسقط كلامه، وإن قال " نعم " قيل: قد أخرجت لفظة الود عن أن تدل بمجردها على المعروف إلا بشيء يقترن بها.
وقال آخر: إنما أخرج أقاربه من المعروف لأنم في غنى وسعة بغناه وسعة حاله؛ فلذلك أفردهم بالود.
قلت له: فإن كانوا أغنياء بغناه فقد أوسعهم من معروفه، فما كان ينبغي للشاعر أن يشرط للأباعد دونهم.
وقلت له: وكيف يعلم أنهم أغنياء، وليس في ظاهر البيت دليل عليه؟ قال: كذا نوى وأراد، قلت: وليس العمل على نية المتكلم، وإنما العمل على توجيه معاني ألفاظه، ولو حملت قول كل قائل وقعل كل
[ ١ / ١٧٩ ]
فاعل على نيته لما نسب أحد إلى غلطٍ ولا خطأ في قول ولا فعل، ولكان من سدد سهمًا وهو يريد غرضًا فأصاب به عين رجلٍ فذهبت، غير مخطئ؛ لأنه ما اعتمد إلا الغرض، ولا نوى غير القرطاس.
وقال آخر: أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " أي: بعد الأقرب، كما تقول: جائني الأمير فمن دونه، أي: فمن بعده.
قلت: فإنما معنى " فمن دون " أي: فمن هو أدون منه في الرتبة، بعده كان مجيئه أو قبله.
وقال آخر: إنما أراد أبو تمام بقوله " دون الأقرب " أي: فضلًا عن الأقرب أو: فكيف الأقرب؛ لأن هذا مذهبٌ للناس: أن يضعوا " دون " في هذا الموضع فيقولوا: أنا أرضى بالقليل دون الكثير، أي: فضلا عن الكثير، وأنا أقنع بقرصٍ من شعير دون ما سواه، أي فضلًا عما سواه، وهذا مذهبٌ صحيح معروف.
قلت له: هذا توهم منك فاسد، وتأولٌ لهذا الكلام على غير وجهه المقصود؛ لأن معنى " دون " عند أهل اللغة التقصير عن الغاية؛ فمعنى قوله " أنا أرضى بالقليل دون الكثير " أي أرضى بالقليل، ولا أنتهى إلى الكثير: أي لا أطمح إليه، وأرضة بقرص من شعير ولا أنتهى إلى ما سواه؛ فهذه
[ ١ / ١٨٠ ]
حقيقة معنى هذا اللفظ، وأما ما تأولته فإنما هو بمعنى " بله " التي تأتي في الكلام وموضعها دع، كقول كثير:
بسطت لباغي العرف كفا بسيطةً تنال العدى، بله الصديق، فضولها
أى: تنال العدى فدع الصديق، أى: لا تصل إلى العدى إلا بعد أن تصل إلى الصديق، و" دون " لا تتضمن هذا المعنى ولا تؤديه.
قال: فقد تأتى " دون " بمعنى فوق " كما تأتى فوق بمعنى دون فى قول الله ﷿: (إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا " ما بعوضة فما فوقها) ذكر أن معناه فما دونها لأن " فوق " قد تكون دون عند ما هو فوقها و" دون " قد تكون فوق عندما هو تحتها فيجوز أن يكون أراد الشاعر بقوله " دون الأقرب " أى: فوق الأقرب بمعنى زيادة على ما أعطاه الأقرب أو تكون " دون " ههنا بمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف وبمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف وبمعنى أمام مثل وراء، فيكون معنى قوله " دون الأقرب " أى: أمام عرفه فى الأقرب أى: قبله.
قلت له: أما ما قيل فىقوله ﷿ (فما فوقها) معناه فما دونها فان أهل العربية على خلاف ذلك وليس لهذه اللغة عندهم ألا وجهان: أحدهما: أن يكون (فما فوقها) بمعنى فما هو أكبرمنها لأن البعوضة غاية فى الصغر فيكون المعنى أنه ﷿ لا يستحى أن يضرب
[ ١ / ١٨١ ]
مثلا " ما بين هذا الشىء الذى هو نهاية الصغر الى ما هو فوقه أى: ما زاد عليه وتجاوز (هـ) والوجه الآخر: (أن يكون (فما فوقها) بمعنى) فما فوقها فى الصغر وهذا قول أبى العباس محمد بن يزيد المبرد وأبى إسحاق الزجاج والكسائى من قبلهما وأبى عبيدة وما أظن غير هؤلاء (من النحويين) يقول إلا مثل قولهم.
وأما ما ذكرت من أن دون تأتي بمعنى خلف وأمام، وأنها عند أهل العربية من الأضداد نحو " وراء " فقد أخبرتك أن معناها عند أهل العربية التقصير عن الغاية، وإذا كان الشيء وراء الشيء أو أمامه أو يمنة منه أو شأمة صلح في ذلك كله أن تقول: هو دونه، ألا ترى أنك إذا قلت " بيوت بني فلان دون الحرة "، صلح أن تكون دونها إلى مهب الشمال، أو إلى مهب الجنوب، أو إلى غيرهما من الجهات؛ فلا يعلم المخاطب أي الجهات التي تعنى، فليس هذا من الأضداد في شيء، وإنما جعلها قوم من الأضداد لما رأوها تستعمل في هذه الوجوه لما فيها من الإبهام، وكذلك " وراء " إنما هي من المواراة والاستتار؛ فما استتر عنك فهو وراء: خلفك كان أو قدامك، هذا إذا لم تره ولم تشاهده، وأما إذا رأيته فلا يكون أمامك ووراءك، وإنما قال لبيد:
[ ١ / ١٨٢ ]
أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصي تحنى عليها الأصابع
بمعنى أليس أمامي؛ لأنه قال ذلك قبل أن يرى ويشاهد نفسه وقد لزم العصاء وقد قال الله ﷿: " وكان وراءهم ملكٌ يأخذ كل سفينةٍ غصبا " قالوا: إنه كان أمامهم، وصلح ذلك لأنهم لم يعاينوه ولم يشاهدوه.
فقد وضح لك الآن معنى " دون " وأنها لا تخرج عن بابها الذي وضعت له، ألا ترى أنك تقول: نزلت في القرية دون النخل؛ فيجوز أن تكون القرية أمام النخل، وخلفه، وأن يكون المعنى أنك أفردت القرية بنزولك، ولم تعرج على النخل، وكذلك " لقيت زيدًا دون عمرو " و" أكلت السمك دون اللبن " أخرجت عمرًا من لقائك، واللبن من أكلك، وكذلك قول الطائي " دون الأقرب " قد أخرجهم من العرف، وهذا لا شيء أوضح منه.
وقد حمل بعضهم نفسه على أن قال: " إنما " أراد الطائي " لكن عرفه في الأبعد الأوطان دون عرفه في الأقرب " وهذا من أفحش الخطأ؛ لأن قوله: " دون الأقرب " مثل قولك: " ودى لزيد دون عمرو "؛ فليس معناه كمعنى قولك: ودى لزيد دون ودى لعمرو؛ لأنك في الأول قد أخرجت عمرًا من الود وأفردت زيدًا به، وفي الثاني جعلت
[ ١ / ١٨٣ ]
الود لزيد دون الود لعمرو، أي: أقل منه؛ فهذا معنى وذاك معنى آخر.
وأيضًا فلو اعتمد أبو تمام هذا المعنى لكان قد أخرج " لكن " التي إنما تدخل للأستدراك من أن يكون استدرك بها شيئًا؛ فلا يكون لها في البيت معنى البتة.
وقال آخر ممن يلتمس العذر لأبي تمام: إنما هذا على طريق الإيثار كما يؤثر الإنسان على نفسه، فكذلك يؤثر على أقاربه.
قيل له: الإثار على النفس حسنٌ جدًا، وصاحبه ممدوحٌ، كما قال الله ﷿: " ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصةٌ " وكما قال أبو خراشٍ الهذلي:
أرد شجاع الجوع قد تعلمينه وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وكما قال عروة بن الورد:
أقسم جسمي في جسوم كثيرةٍ وأحسو قراح الماء والماء بارد
والإيثار إنما يكون إيثارًا ويقع الحمد به إذا آثر الإنسان غيره على نفسه أو على ولده، وفي بعض الأحوال فأما إذا آثر بعض الطالبين على بعض بغير سبب يعلم فهو بذلك مذموم وغير ممدوح، فكيف إذا آثر البعيد على القريب؟
[ ١ / ١٨٤ ]
وقد جاء في أشعار العرب من الحث على بر الأقارب ومن حمد من وصلهم وذم من حرمهم ما هو أشهر وأكثر من أن يخفى؛ قال زهير:
وليس مانع ذى قربى وذى رحمٍ يومًا، ولا معدمًا من خابطٍ ورقا
وقال أبو دواد الإيادي:
إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم فرش واصطنع عند الذين بهم ترمى
وقال حاتم الطائي:
لا تعذليني على مالٍ وصلت به رحمًا قريبًا؛ فخير المال ما وصلا
وقال أوس بن حجر:
أليس بوهابٍ مفيدٍ ومتلفٍ وصولٍ لذى قربى هضيم لمهتضم؟
وقال زهير:
وذى نسبٍ ناءٍ بعيدٍ وصلته بمالٍ، وما يدري بأنك واصله
وقال كثير:
بسطت لباغي العرف كفًا بسيطةً تنال العدى بله الصديق فضولها
[ ١ / ١٨٥ ]
هذا المعنى أولى بالصواب من قول الطائي؛ لأنه أراد أن عرفه ينال العدى فضلا عن الصديق؛ لأن قوله " بله الصديق " أي: فدع الصديق لأنه لا يصل إلى العدى إلا بعد أن يصل إلى الصديق؛ قال كثير أيضًا:
لأهل الود والقربى عليه صنائع بثها برٌ وصول
وللفقراء عائدةٌ ورحم فلا يقصى الفقير ولا يعيل
ألا تراه بدأ بأهل وده وقرابته فجعل صنائعه فيهم، ثم ثنى بالفقراء فجعل لهم عائدة ورحما: أي رحمة؟ وقال كثير أيضًا:
ولم يبلغ الساعون في المجد سعيه ولم يفضلوا إفضاله في الأقارب
جزتك الجوازي عن صديقك نضرةً وقربت من مأوى طريدٍ وراغب
وصاحب قوم معصم بك حقه وجار ابن ذى قربى وآخر جانب
رأيتك والمعروف منك سجيةٌ تعم بخيرٍ كل جادٍ وغائب
جادٍ يقال: فلانٌ يجدو ويجتدى، أي: تعم بالمعروف من هو بحضرتك ومن هو غائب عنك؛ فجعل كثير كما ترى معروفه عموما في الأقارب وف يالأباعد إلى الحاضر والغائب. وقال ابن هرمة:
كم نائلٍ وصلاتٍ قد نفحت بها ونعمةٍ منك لا تحصى أياديها
[ ١ / ١٨٦ ]
عند الأقارب والأقصين نفعهما بيضٌ روائحها، تحدو غواديها
وقال كنانة بن عبد ياليل الثقفى:
صلاةٌ وتسبيحٌ وإعطاء نائلٍ وذو رحمٍ تناله منك إصبع
يريد بقول إصبع معروف ونائل.
وقال إسماعيل بن يسار النسائي:
وإذا أصبت من النوافل رغبةً فامنح عشيرتك الأداني فضلها
وقال المسشيب بن علسٍ في منع الأقارب:
من الناس من يصل الأبعدين ويشقى به الأقرب الأقرب
وقال الحارث بن كلدة الثقفي يذم فاعل ذلك:
من الناس من يغشى الأباعد نفعهويشقى به حتى الممات أقاربه
فإن يك خيرٌ، فالبعيد يناله وإن يك شرٌ، فابن عمك صاحبه
فقد تراه كيف ذم على حرمان القريب.
وقال مسافر بن أبي عمرو بن أمية في نحو ذلك:
تمد إلى الأقصى بذديك كله وأنت على الأدنى صرورٌ مجدد
وإنك لو أصلحت من أنت مفسدٌ توددك الأقصى الذي تتودد
الصرور: الضيق حلمة الثدي؛ والمجدد: الذي انقطع لبنه.
[ ١ / ١٨٧ ]
فهذه طريقة القوم في هذا، وهذا مذهب سائر الأمم.
وأما قول أبي تمام:
وربما عدلت كف الكريم عن ال قوم الحضور، ونالت معشرًا غيبا
فليس هو من بيته الأول في شيء، وقد أدرك فيه الغرض، كأنه يعذر من فعل هذا: أي ربما اتفق أن يفعله من غير قصد أيضًا، وليس هذا بمحمود.
وقد ذهب البحتري إلى نحو ما ذهب إليه أبو تمام فقال:
بل كان أقربهم من سيبه نسبًا من كان أبعدهم من جذمه رحما
إلا أنه لم يخرجهم من معروفه، وإن كان أيضا قد دخل تحت الإساءة.
ونحو هذا قول البحتري أيضا:
إذا قسمه عدلًا: ففيكم نواله، وفي سر نبهان بن عمرو مآثره
وما عجبٌ أن تشهدوا الطعن دونه وما عشرتكم في نداه عشائره
فأي قسمة عدل ههنا: أن يجعل نداه في غير قومه، ويقتصر بهم على أن يحوزوا الفخر بمآثره؟ وإن كان قد دل بقوله " وما عشرتكم في نداه عشائره " على أنه لم يحرمهم نواله البتة.
والأحسن في هذا قوله:
فإن تنفرد عنا قشيرٌ بمجده فلم تنفرد عنا بنائله الجزل
[ ١ / ١٨٨ ]
فأعطاهم المجد والنائل جميعا.
وشبيهٌ بهذا أو قريبٌ منه قوله:
عطاؤك ذا القربى جزيلٌ، وفوقه عطاؤك في أهل الشناءة والبعد
فقال " عطاؤك ذا القربى جزيل " ثم قال " وفوقه عطاؤك في أهل الشناءة والبعد " فقوله " وفوقه " أي: أجزل منه، وقد يكون " فوقه " بمعنى زيادة عليه، والمعنى الأول بالبيت أليق.
والجيد في هذا البعيد من العيب قوله:
ظل فيها البعيد مثل القريب ال مجتبى والعدو مثل الصديق
يريد نعمته ولا أعرف لأبي تمام فيما قال عذرًا يتوجه، ولا وجدت فيما تصفحته من أشعار العرب ما يجانسه إلا قول عامر بن صعصعة بن ثور الفقعسي:
لمن يزورك من أشرافنا لطفٌ وذى القرابة إدناءٌ وتقريب
وأطن أبا تمام عثر به واستغر به فأخذ المعنى وزاد عليه زيادةً أخرجته إلى ذم الممدوح؛ لأن هذا الشاعر قال " لمن يزورك من أشارفنا لطفٌ " أي: بر، " ولذى القرابة إدناء وتقريب " ولم يقل إدناء وتقريب دون البر، كما قال أبو تمام؛ لأن البر واللطف إذا كانا للغريب الزائر، وكان الإدناء والتقريب في تلك الحال لذى القرابة - فقد يجوز أن يمنحه البر واللطف في حالٍ أخرى ووقت آخر، ولا يوصل البر إليه في وقت إيصاله إلى
[ ١ / ١٨٩ ]
الغريب، وهذا إن كان يقع في الأكثر فلا عيب على هذا الشاعر فيما قاله.
ولله در أبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري إذ يقول في هذا المعنى:
ما إن يزال الندى يدنى إليه يدًا ممتاحةً من بعيد الدار والرحم
وقوله:
وما أضعت الحق في أجنب فكيف تنسى واجبًا في شقيق؟
٨ - ومن خطائه قوله:
يدي لمن شاء رهنٌ لم يذق جرعًا من راحتيك درى ما الصاب والعسل
لفظ هذا البيت مبنيٌ على فساد؛ لكثرة ما فيه من الحذف؛ فكأنه أراد بقوله " يدي لمن شاء رهن " أي: أصافحه وأبايعه معاقدةً أو مراهنة إن كان من لم يذق جرعًا من راحتيك درى ما الصاب والعسل، ومثل هذا لا يسوغ؛ لأنه حذف " إن " التي تدخل للشرط، ولا يجوز حذفها؛ لأنها إذا حذفت سقط معنى الشرط، وحذف " من " وهي الاسم الذي صلته " لم يذق " فاختل البيت، وأشكل معناه.
والحذف لعمري كثيرٌ في كلام العرب، إذا كان المحذوف مما تدل عليه جملة الكلام، قال الله ﷿: " أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق
[ ١ / ١٩٠ ]
الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجلٍ مسمى "، أراد ﷿ أو لم يتفكروا فيعلموا " أنه ما خلق ذلك إلا بالحق، أو لم يتفكروا فيقولوا "، وأشياء هذا كثيرٌ.
ومن باب الحذف والاختصار قوله تعالى: " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ".
قال أبو عبيدة: العرب تختصر الكلام لعلم المخاطب بما أريد، كأنه أراد فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، وقوله ﷿: " إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات " يفسر ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، وفي الشعر مثل هذا موجود، قال الشاعر:
لو قلت ما في قومها لم تأثم يفضلها في حسبٍ وميسم
يريد أحدٌ يفضلها، فخذف " أحد "؛ لأن الكلام يدل عليه، ذكر ذلك سيبويه. وأنشد في باب الحذف:
وما الهدر إلا تارتان فمنهما أموت، وأخرى أبتغي العيش أكدح
يريد فمنهما تارة أموت.
[ ١ / ١٩١ ]
فإن تأول متأولٌ هذا البيت على ألفاظٍ أخر محذوفة غير اللفظ الذي ذكرته فالاختلال بعد قائم؛ لكثرة ما حذف منه، وسقوط الدليل عليه.
٩ - ومن خطائه قوله:
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ومحت كما محت وشائع من برد
جعل الوشائع حواشي البرد أو شيئًا منها، وليس الأمر كذلك، إنما الوشائع غزلٌ من اللحمة ملفوفٌ يجره الناسج بين طاقات السدى عند النساجة قال ذو الرمة:
به ملعبٌ من معصفاتٍ نسجنه كنسج اليمانى برده بالوشائع
فأما قول كثير:
ديارٌ عفت من عزة الصيف بعدما تجدّ عليهن الوشيع المنمنما
فإنما أراد بالوشيع هنا سد به الخصائص بين الشيئين، وهو من وشائع الغزل مأخوذ، والمنمنم: مأخوذ من النمام، أي بعد ما كانت هذه الديار تجد بالوشيع، أي: يخصص به خيامها.
[ ١ / ١٩٢ ]
ومثل أبي تمام لا يسوغ له الغلط في مثل هذا؛ لأنه حضرى، إنما يسامح في ذلك البدوى الذي يريد الشئ ويلم يعاينه فيذكر غيره؛ لقلة خبره بالأشياء التي تكون بالأمصار.
وأما أبو تمام فليست هذه حاله، ما جهل هذا، ولكنه سامح نفسه فيه، ألا ترى إلى قوله في موضوع آخر يصف قصيدةً:
الجد والهزل في توشيع لحمتها والنبل والسحف والأشجان والطرب
فقال «في توشي لحمتها».
١٠ - ومن خطائه قوله:
لو كان في عاجل من آجل بدل لكان في وعده من رفده بدل
ولم لا يكون في عاجل من آجل بدل؟ والناس كلهم على اختيار العاجل إيثاره وتقديمه على الآجل، ألا ترى قول الذي قول القائل الذي قد صار مثلا: ٣ والنفس ملوعة بحب العاجل والعاجل أبدًا هو المطلوب والمرغوب فيه، حتى إن قليلة يؤثر على كثير الأجل، كام قال الآخر:
أعذل عاجل ما أشتهى أحب من الأكثر الرائث
كأنه يريد عاجل ما اشتهى مع القلة أحب من الأكثر المبطئ؛
[ ١ / ١٩٣ ]
فمن شأن العاجل أبدا أن يكون أفضل الأعواض والأبدال من كل آجل إذا كان في خير، فعلجل الخير من آجله، كما أن عاجل الشر شر من آجلهن لأن العاجل شئ قد وقع: إن كان خيرًا فقد حصل نفعه، أو شرًا فقد تجعل ضرره، آجل الخير يخشى فؤته، وربما وقع الإخفاق منه، كما أن آجل الشر يرجى زواله، وربما لم يقع، فكيف لا يكون العجل بدلًا أو خلفًا من الآجل؟ فإن قال قائل: إن الذي أراد أبو تمام وقاله صحيح، ومذهبه فيه مستقيم؛ لأن العاجل لا يكون أبدًا بدلًا ولا خلفًا من الآجل؛ لأن البدل لا يكون قبل المبدل منه، ولا الخلف يتقدم على ما هو الخلف له؛ لأنه إنما قيل له خلف لإتانه خلف الذي هو قدامه؛ فأبو تمام إنما أنكر أن يكون العاجل بدلًا أو خلفًا من الآجل على هذه السبيل.
قيل: هذا غلط من التأويل أو مغالطة؛ لأنه ليس على هذا الوجه منع أبو تمام من أن يكون العاجل بدلًا من الآجل؛ فيحتج بأن هذا أولى بالتقديم وهذا أولى بالتأخير من طريق الترتيب، وإنما أراد أنه لا يقوم في الحاجة إليه، فكيف يكون الأول مقام الثاني والمتقدم مقام المتأخر؟ وكان وجه الكلام الذي يصح به المعنى ويستقيم أن يقول: لو كان في عاجل قول بدل من آجل فعلٍ لكان في وعده من رفده بدل٠ فإن قال: فهذا هو الذي أبو تمام.
[ ١ / ١٩٤ ]
قيل: ليس الأمر كذلك لأن طريقة لفظه في البيت أن يكون معناه لوكان فيشيء عاجل من شىء آجل بدل.
وبعد؛ فلو أراد ما ظننته وذهبت إليه - وذلك ليس بمعلوم، ولا في البيت عليه دليل - لم يلتفت إلى إرادته؛ لأنك إذا فصلت الإضافة من عاجل قول أو آجل فعل ففرقت بين المضاف والمضاف إليه لم يدل أحدهما على الآخر؛ لأن لفظة «عاجل» لا تدل غير مضافةٍ على ما تدل عليه لفظة " عاجل قولٍ " كما أن لفظة " آجل " لا تدل على " آجل فعلٍ " ولا يدلان أيضًا على شيء مضمر، كما أن قولك: " زيد أول ناطقٍ وآخر ساكتٍ، وعمرو أول خارج وآخر قادمٍ، وبكر أول آخذٍ وآخر تارك " إذا أفردت " أول " و" آخر " لم يدلا على شيء مما أضيف إليه. ألا ترى أن الأصمعي أنكر على ذى الرمة قوله يصف الوتر:
كأنه في نياط القوس حلقوم
فقال: حلقوم ماذا؟ إذ كان يجب أن يقول: حلقوم طائر، أو حلقوم قطاةٍ، أو غيرهما مما يشبه الوتر في الدقة، وإلا فقد يكون الحلقوم حلقوم فيل، أو حلقوم بعير، وهذا من الأصمعي إنكارٌ صحيحٌ، وإن كان لا يلزم
[ ١ / ١٩٥ ]
ذا الرمة فيه ما يلزم أبا تمام؛ لأن العرب لا تشبه الوتر إلا بحلقوم الطائر.
وذلك قول الراجز:
لأم ممر مثل حلقوم النغر
أخذه أبو نواسٍ فقال:
لأم كحلقوم النغر
وقال الراجز: لأم كحلقوم القطاة تغترف وأبو تمام إنما أراد أن هذا الممدوح يقيم وعده لصحته مقام عطيته، وأحب الإغراق على رسمه فأخطأ في تمثيل ما مثل بذكر العاجل والآجل؛ لأنه أطلق القوم عمومًا لا يدل على الخصوص.
والجيد النادر في هذا قول البحتري:
لو قليلٌ كفى امرأ من كثيرٍ لاكتفينا بقوله من فعاله
وأحسن الراعي في قوله:
ضافى العطية: راجيه وسائله سيان، أفلح من يعطى ومن يعد
١١ - ومن خطائه قوله: بيوم كطول الدهر في عرض مثله ووجدى من هذا وهذاك أطول
[ ١ / ١٩٦ ]
فجعل للدهر - وهو الزمان - عرضًا، وذلك محض المحال، وعلى أنه ما كانت به إليه حاجة؛ لأنه قد استوفى المعنى بقوله: " كطول الدهر " فأتى على العرض في المبالغة.
فإن قيل: فلم لا يكون سعةً ومجازا؟ قيل: هذه ألفاظ صنعتها صنعة الحقيقة، وهي بعيدة من المجاز؛ لأن المجاز في هذا له صورة معروفة، وألفاظ مألوفة معتادة، لا يتجاوز في النطق بها إلى ما سواها، وهي قول الناس: عشنا في خفض ودعة زمانًا طويلا عريضًا، وما زلنا في رخاء ونعمةٍ الدهر الطويل العريض. وإنما أرادوا إتمامه وكماله واتساعه لهم بما أحبوه؛ لأنهم إذا وصفوا بالطول والعرض ماله طول وعرضٌ على الحقيقة فإنما يريدون تمامه وكماله وسعته، نحو قولهم: ثوبٌ طويل عريض، أي: تام واسع، وأرض طويلة عريضة، أي: تامة في الطول والسعة، وكذلك إا وصفوا ما ليس له طول ولا عرض على الحقيقة فإنما يريدون التمام والكمال، ألا ترى إلى قول الراعي:
أنت ابن فرعى قريشٍ لو تقاسمها في المجد صار إليك العرض والطول
فاستعار للمجد ههنا الطول والعرض؛ لأنه أراد صار إليك المجد بتمامه وكماله،
[ ١ / ١٩٧ ]
وكذلك قول كثير:
بطاحيٌ له نسبٌ مصفى وأخلاقٌ لها عرضٌ وطول
أي: لها سعة وتمام وكمال في الفضائل والمحاسن، وكذلك قوله:
إذا ابتدر الناس المكارم بزهم عراضة أخلاق ابن ليلى وطولها
أي بزهم منه أخلاقه وتمامها وكمالها ف يالفضل؛ لأن الأخلاق تمدح بالسعة وتذم بالضيق، إلا أن أكثر ما يأتي في كلامهم العرض المراد به السعة إذا جاء مفردًا عن الطول، نحو قولهم: فلان في نعمةٍ عريضة، وله جاهٌ عريض، وكما قال الله ﷿: " وجنةٍ عرضها السموات والأرض " أي: سعتها، وكما قال الله ﷿ في موضع آخر: " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريضٍ "، وكما قال تميم بن أبي بن مقبل:
يقطعن عرض الأرض غير لواغبٍ وكأن بحريها لهن صحار
أي: يقطعن سعة الأرض، وكما قال الآخر:
سأجعل عرض الأرض بيني وبينهم وأجعل بيتي في غنى وأعصر
[ ١ / ١٩٨ ]
وكما قال العجاج:
إذا تغشوا بعد أرصٍ أرضا حسبتهم زادوا عليها عرضا
أي: سعة وكثرة، وكما قال تميم بن أبي بن مقبل أيضًا:
حتى إذا الريح خبت بالسفا خببًا عرض البلاد أشت الأمر واختلفا
أي: سعة البلاد؛ فهذا إذا جري على هذا اللفظ المستعمل حسن ولم يقبح، وإذا عدلت به عن هذه الطريقة وهذه الألفاظ المألوفة إلى ما يشبه الحقائق أو يقاربها كنت مخطئًا؛ لأنك إذا قلت: " مضى لنا في الخفض والدعة دهرٌ طويل كأن طوله كعرضه " لم يجز ذلك؛ لأن هذا على هذا الترتيب كأنه وصفٌ لأشياء مجسمة، كما قال الطائي:
بيمٍ كطول الدهر في عرض مثله
فكان بهذا اللفظ كأنه يذرع ثويًا أو يمسح أرضًا أو يصف بالاجتماع والتدوير رجلا، كما قال تميم بن أبي بن مقبل:
وكل يمانٍ طوله مثل عرضه فليس له أصلٌ ولا طرفان
فإن قيل: فإذا جعلت للزمان العرض الذي هو سعة على المجاز فلم
[ ١ / ١٩٩ ]
لا تجعل له العرض الذي هو خلاف الطول على المجاز؟
قيل له: العرض الذي هو خلاف الطول حقيقة، والزمان لا عرض له على الحقيقة، فكيف تكون الحقيقة مجازا؟ فإن قيل: فإن الزمان لا يوصف بالسعة، كما لا يوصف بالعرض، فلم استعرت له العرض الذي هو السعة؟ قيل: العرض - وإن جاء وصفًا وحلية للزمان في قولهم: عاش فلان في نعمة زمنًا طويلًا عريضًا - فإنما صلح لأنك وصلته بالطول، وقرنته به، فكأن المعنى عاش في زمن تم له وكمل واتسع، كما أخبرتك، والزمان قد يوصف بالسعة فيقال: قد اتسع لك الوقت والزمان في فعل كذا، ولا يقال عرض لك في الوقت سعة، والعرض ههنا هو السعة، ولكن أجرى هذا على حسب ما استعملوه، وإنما يراد في الوقت فسحة لك وامتداد يراد به معنى الطول، وقال ضرار بن الخطاب:
ولولا هاجرٌ وبنو قتال وما لاقيت في الزمن العريض
فذكر العرض مفردًا عن الطول: أي الزمن الذي اتسع لك، وقد يجوز - إن قلت: عاش في الخير دهرًا عريضًا - أن تريد بالعرض سعة الخير فيه، لا سعته في نفسه، كما قالوا " ليل نائم " أي: ينام
[ ١ / ٢٠٠ ]
فيه، " ولمحٌ باصر " أي: يبصر به.
وإنما تستعار اللفظة لغير ما هي له إذا احتملت معنى يصلح لذلك الشيء الذي استعيرت له ويلييق به؛ لأن الكلام إنما هو مبنيٌ على الفائدة في حقيقته ومجازه، وإذا لم تتعلق اللفظة المستعارة بفائدة في النطق فلا وجه لاستعارتها، ولو كان الزمان يوصف بالعرض على الحقيقة - وهذا محال - لما كان في بيت أبي تمام معنى؛ لأنه إنما أراد أن يبالغ في طول وجده؛ إذ كان الوجد يوصف بالطول، كما يوصف به الشسوق والغرام ونحوهما؛ فيقال: طال وجدي، وطال شوقي، وطال غرامي.
وكذلك الزمان إنما يوصف بالطول؛ فيقال: طال ليلي، وطال نهاري، فما كانت حاجة إلى العرض؛ وإنما فضل وجده على الدر وعلى اليوم الذي جعله كالدهر من جهة الطول لا من جهة العرض، ألا تراه قال:
ووجدي من هذا وهذاك أطول
وقد ذكر أبو تمام العرض في بيت آخر فقال:
إن الثناء يسير عرضًا في الورى ومحله في الطول فوق الأنجم
وكيف يعقل سير الثناء عرضًا في الورى وهو لم يحدد موضعًا بعينه فيحسن فيه ذكر الطول أو العرض، فيكون كما قال الراعي:
وجرى على حرب الصوى فطردته طرد الوسيقة في السماوة طولا
[ ١ / ٢٠١ ]
فحسن أن يقول " طولا " لأنه ذكر السماوة، ودكما قال النابغة، ويقال: إنه محمول عليه:
جنيدبن مع الغطاط يقدن حتى قطعن الحزن عرضًا والرمالا
فصلح لأنه ذكر أنهن قطعن أرض الحزن والرمال؛ ومثل قول أب يتمام قول المرار:
فلو كانت تجوب الأرض عرضًا ولكن جوبهن الأرض طولا
وله، ولبيت أب يتمام معنى غامض يصحان به، وأنا أذكره مع شرح المعاني الغامضة من شعر أبي تمام.
ومما يشبه قول أب يتمام:
بيوم كطول الدهر في عرض مثله
أو يقاربه قول الكميت يصف عدة قوم بالكثرة:
كالليل، لا، بل يضعفو ن عليه من بادٍ وحاضر
وكيف يتحصل مقدار الليل حتى يتحصل ضعفه؟؟ وهذا أيضًا يصح على السبر والتفتيش، إذا حصل معناه، وذلك أن الليل لا يغشى الأرض كلها بظلمته، وإنما يغشى بعضها، فلعل الكميت أراد أنهم يأخذون من
[ ١ / ٢٠٢ ]
الأرض ضعف ما أخذه الليل منها إذا غشيها، على سبيل المبالغة، وكما قال الأحمر بن شجاع الكلبي:
بجأواء تعشى الناظرين كأنها دجى الليل، بل هي من دجى الليل أكثر
١٢ - وقال أبو تمام:
ورحب صدرٍ لو أن الأرض واسعةٌ كوسعه، لم يضق عن أهله بلد
وهذا أيضًا غلط؛ من أجل أن كل بلد يضيق بأهله، وليس شيقه من جهة ضيق الأرض؛ لأن الأرض لو كانت واسعةً عشرة أشعافها في المقدار، أو ألف ضعفٍ مثلها لما كان ذلك بموجب أن يكون الحزن أو الصمان أو الغول أو نجد أو المدينة أو مكة أو الكوفة أو البصرة، في قدر مساحة كل ناحية منها، أو أوسع وأزيد مما هي علمه الآن، إذ لم يختط البصرة ولاكوفة من اختطهما، ولا أسس مكة والمدينة من أسسهما على قدر سعة الأرض وضيقها، ولا صار قدر الحزن والصمان هذا القدر، في ذرعهما ومساحتهما
[ ١ / ٢٠٣ ]
على قدر مساحة الأرض وذرعها بقسطٍ أخذاه منها، وإنما ذلك على حسب ما أدى إليه الاجتهاد والاختيار ممن أسس كل بلدة ومصر كل مصر.
وكان ينبغي أن يقول: ورحب صدر لو أن الأرض واسعة كوسعه لم يسعا الفلك ولضاقت عنها السماء، أو أن يقول: لو أن سعة كل بلد أو مصرٍ كسعة صدره لم يضق عن أهله بلد، وكان حينئذ يكون المعنى لائقًا مستقيما.
والجيد الصحيح ف يهذا المعنى قول البحتري:
مفازة صدرٍ لو تطرق لم تكن ليسلكها فردًا سليك المقانب
أي: لم يكن ليسلكه إلا بدليلٍ لسعته، وأيضًا فإن الجزء من الأرض وهو ما يكون فيه الحيوان والنبات، وإنما مقداره على ما يقوله أهل الهندسة الربع من الأرض أو أقل من الربع، والمسكون من جملة ذلك لعله لا يكون جزءًا من ألف جزء من ذلك؛ فما معنى جعله ضيق البلدان الضيقة إنما هو من أجل ضيق الأرض؟ فإن قيل: فإنما أراد بقوله " لو أن الأرض " أي لو أن البلدان واسعة.
قيل: لا يدل قوله " الأرض " وهو لفظ عمومٍ على البلدان التي هي
[ ١ / ٢٠٤ ]
مخصوصة، ولا يكون الغلط إلا هكذا: أن يريد القائل لفظة تدل على معنى فيأتي بأخرى ليست فيها على ذلك المعنى دلالة.
١٣ - ومن خطائه قوله:
وكلما أمست الأخطار بينهم هلكى تبين من أمسى له خطر
لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما في الخيل لم تحمد الأوضاح والغرر
فالأوضاح: هي البياض في الأطراف، وقد يكون أيضًا في البهم، وكذلك أيضًا الغرر قد توجد في البهم كثيرا، وهذا فساد في ترتيب البيت؛ لأنه ليس إذا وجدت شيات البهم - وهي صغار الغنم - أكثر ما في الخيل، أو وجدت شيات الخيل أكثر ما في البهم كان ذلك موجبا لحمد الأوضاح والغرر، وإنما كان يصح نظم الكلام لو لم توجد الأوضاح والغرر في البهم، حتى تكون مخصوصة بالخيل؛ فيقول: لو لم تعدم الأوضاح والغرر في البهم لما حمدت في الخيل، فأما أن توجد شيات البهم في الخيل كثيرًا، أو شيات الخيل في البهم دائما، فليس هذا
[ ١ / ٢٠٥ ]
بموجبٍ حمد الأوضاح والغرر في الخيل؛ لأن الأوضاح والغرر موجودة في الغنم أيضًا.
وقال طارق بن شهابٍ المازني يصف المعزى وتيس الغنم
وراحت أصيلانًا كأن ضروعها دلاءٌ، وفيها واتد القرن لبلب
له رعثاتٌ كالشنوف، وغرةٌ شديخٌ، ولونٌ كالوذيلة مذهب
فذكر أن له غرة. قال آخر ف يوصف عنز سوداء:
سوداء إلا وضحًا في الشوى كأنما الجوزاء في الأكرع
فذكر بياض أكرعها، وذلك موضع التحجيل، بل لو قال: " لو لم تقل الأوضاح والغرر في البهم، لما حمدت في الخيل " لكان أقرب إلى الصواب؛ لأنى أظنها ف يالبهم أقل، وف يالخيل أكثر، وليس في هذا البيت دليل عل هذا ولا ذاك.
[ ١ / ٢٠٦ ]
١٤ - ومن خطأ المديح قوله:
سأحمد نصرًا ما حييت، وإنني لأعلم أن قد جل نصرٌ عن الحمد
فإنه رفع الممدوح عن الحمد الذي ندب الله عباده إليه بأن يذكروه به، وينسبوه إليه، وافتتح فرقانه في أل سورةٍ بذكره، وحث عليه، وللعرب في ذكر الحمد ما هو كثير في كلامها وأشعارها، ما فيهم من رفع أحدًا عن أن يحمد، ولا من استقل الحمد للممدوح، قال زهير بن أبي سلمى:
متصرف للحمد، معترف للرزء، نهاضٍ إلى الذكر
فقوله " متصرف للحمد " أي حيث ما رأى خلة تكسبه الحمد التمسها وطلبها.
وقال زهيرًا أيضًا:
أليس بفياضٍ يداه غمامةٌ ثمال اليتامى في السنين محمد؟
فقوله " محمد " أي: يحمد كثيرًا. وقال الأعشى:
ولكن على الحمد إنفاقه وقد يشتريه بأغلى الثمن
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقال أيضًا:
يشتري الحمد بأغلى سعيه واشتراء الحمد أدنى للربح
وقال أيضًا:
إليك أبيت اللعن كان كلالهاإلى الماجد الفرع الجواد محمد
فوصفه بأن جعله محمدًا: أي يحمد كثيرًا. وقال الآخر:
ومن يعط أثمان المحامد يحمد
فهذه هي الطريقة المعروفة في كلام العرب، ولو قال الطائي " لو جل أحد عن المدح لجللت عنه " كان أعذر، كما قال البحتري:
لو جل خلقٌ قط عن أكرومةٍ تبنى جللت عن الندى والباس
أي: كنت تجل لعلو شأنك عن أن يقال: سخى، أو شجاع؛ إذ كان هذان الوصفان قد يوصف بهما من هو دونك.
وقال البحتري أيضًا:
واحمد أنفس ما تعوضه امرؤٌ رزئ التلاد إن المرزأ عوضا
فأما قول البحتري:
كيف نثنى على ابن يوسف؟ لا كي ف؟ سرى مجده فعاب الثناء
[ ١ / ٢٠٨ ]
ففوته الثناء إنما معناه عظم أن يدركه ويبلغ حده، ألا تراه قال " كيف نثنى على ابن يوسف؟ لا كيف؟ " أي: لا طريق إلى كيفية الثناء الذي يستحقه ويليق به، ثم قال " سرى مجده فعاب الثناء " قطعًا من الكلام الأول.
١٥ - ومن خطائه قوله:
ظعنوا فكان بكاي حولًا بعدهم ثم ارعوبت، وذاك حكم لبيد
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها بالدمع أن تزداد طول وقود
وهذا ما خلف عليه العرب، وضد ما يعرف من معانيها؛ لأن المعلوم من شأن الدمع أن يطفئ الغليل، ويبرد حرارة الحزن، ويزيل شدة الوجه، ويعقب الحرارة، وهو في أشعارهم كثيرٌ موجود ينحى به هذا النحو من المعنى؛ فمن ذلك قول أمرئ قيس:
وإن شفائي عبرةٌ مراهقةٌ فهل عند الرسم دارس ن معول؟
وقول ذي الرمة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحة من الوجد، أو يشفى نجى البلابل
[ ١ / ٢٠٩ ]
وقال الفرزدق:
فقلت لها: إن البكاء لراحة به يشتفى من ظن أن لا تلاقيا
وهو كثير في أشعارهم، ما عدل به أحدٌ منهم عن هذا المعنى، وكذلك المتأخرون، هذا السبيل سلكوا، وأبو تمام من بينهم ركب هذا المعنى؛ وكرره في شعره متبعًا لمذاهب الناس؛ فمن ذلك قوله:
نثرت فريد مدامع لم تنظم والدمع يحمل بعض ثقل المغرم
وقال في موضوع آخر:
واقعًا بالخدود، والحر منه واقعٌ بالقلوب والأكباد
وقال أيضًا:
فافزع إلى ذخر الشؤون وعذبها فالدمع يذهب بعض الجهد الجاهد
وقال أيضًا:
فلعل عينك أن تجود بمائها والدمع منه خاذل ومواس
وقال أيضًا:
فلعل عبرة ساعة أذريتها تشفيك من إرباب وجد محول
فلو كان اقتصر على هذا المعنى الذي جرت به العادة في وصف الدمع
[ ١ / ٢١٠ ]
لكان المذهب الصحيح المستقيم. ولكنه أحب الإغراب؛ فخرج إلى مالا يعرف في كلام العرب، ولا مذاهب سائر الأمم.
وقد تبعه على الخطأ البحترى فقال:
فعلام فيض مدامع تدق الجوى وعذاب قلب في الحسان معذب
قوله: تدق الجوى من قولهم لم يدق الأرض منه شئ أي: لم يصل، وفي شعر امرئ القيس ما فيه مودقى أي: على أثرى. وأصله من الدنو، فكأنه قال تدق الجوى، يقال: أتان وديقٌ، أي: تدنو من الفحل، ومنه الوديقة الهاجرة؛ لدنو الحرن وقيل لقطر المطر ودٌ لا نحلا به من السحاب ودنوه من الأرض.
١٦ - ومن خطائه قوله:
رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطى من الأمر ما فيه رضا من له الأمر
فمعنى هل في هذا البيت التقرير، والتقرير على ضربين: تقرير للمخاطب على فعل قد مضى ووقع، أو على فعل هو في الحال ليوجب المقرر
[ ١ / ٢١١ ]
ذلك ويحققه، ويقتضى من المخاطب في الجواب الاعتراف به، نحو قوله: هل أكرمتك؟ هل أحسنت إليك؟ هل أودك وأوترك، وهل أقضى حاجتك؟ وتقرير على فعل يدفعه المقرر وينبغي أن يكون قد وقع، نحو قوله: هل كان قط إليك شيء كرهته؟ هل عرفت منى غير الجميل؟ فقوله في البيت " وهل أرضى " تقرير لفعل ينفيه عن نفسه، وهو الرضا، كما يقول القائل: وهل يمكنني المقام على هذه الحال؟ أي: لا يمكنني، وهل يصبر الحر على الذل؟ وهل يروى زيد؟ أو هل يشبع عمرو؟ وهذه أفعال معناها النفي؛ فقوله " وهل أرضى " إنما هو نفى للرضا، فصار المعنى ولست أرضي؛ إذ كان الذي يسخطني ما فيه رضا من له الأمر: أي رضا الله تعالى، وهذا خطأ منه فاحش.
فإن قال قائل: فلم لا يكون قوله " وهل أرضى " تقريرًا على فعل هو في الحال ليؤكده من نفسه نحو قوله: هل أودك؟ هل أوثرك؟ ونحو قول الشاعر:
هل أكرم مثوى الضيف إن جاء طارقًا وأبذل معروفي له دون منكري؟
قيل له: ليس قول القائل لمن يخاطبه " هل أودك " " أهل أوثرك " وقوله " سل عني هل أصلح للخير " أو " هل أكتم السر " أو " هل أقنع بالميسور " مثل قول أبي تمام " هل رضيت، وهل أرضى " فإن صيغة
[ ١ / ٢١٢ ]
هذا الكلام دالة على أنه قد نفى الرضا عن نفسه؛ بإدخاله الواو على " هل " وإنما يشبه هذا قول القائل " وهل أرضى إذا كانت أفعالك كذا " " وهل أصلح للخير عندك إذا كنت تعتقد غي رذلك " " وهل ينفع في زيد العتاب " كقول الشاعر:
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
وقول ذو الرمة:
وهل يرجع التسليم أو بكشف العمى ثلاث الأثافى والرسوم البلاقع
لأن الواو ههنا كأنها عطفت جوابًا على قول قائل: إن فلانا سيصلح ويرجع إلى الجميل، فقال آخر:
وهل يصلح العطار ماأفسد الدهر؟
وكقول ذى الرمة:
أمنزلتي مى سلامٌ عليكما هل الأزمن اللائي مين رواجع؟
لما علم أن التسليم غير نافعٍ عاد على نفسه فقال " وهل يرجع التسليم " وكما قال امرؤ القيس:
وإن شفائي عبرةٌ مهراقةٌ
ثم قال:
وهل عند ربعٍ دارسٍ من معول؟
وكذلك قول أب يتمام " رضيت " ثم قال " وهل أرضى إذا كان مسخطي
[ ١ / ٢١٣ ]
" إنما معناه ولست أرضى، فكان وجه الكلام أن يقول: رضيت وكيف لا أرضى إذا كان مسخطي ما فيه رضا الله تعالى، وكذا أراد فأخطأ في اللفظ، وأحال المعنى عن جهته إلى ضده.
فإن قيل: إن " هل " هنا بمعنى قد، وإنما أراد الطائي رضيت وقد أرضى، كما قال الله تعالى: " هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر " أي: قد أتى.
قيل: هذا إنما قاله قومٌ من أهل التفسير، وتبعهم قوم من النحويين. وأهل اللغة جميعًا على خلاف ذلك؛ إذ لم يأت في كلام العرب وأشعارها " هل قام زيد " بمعنى قد قام زيد، وإذا كان ذلك معدومًا في كلام العرب ولغاتها فكيف يجوز أن يؤخذ به أو يعول عليه؟ وقد قال أبو إسحاق الزجاج وجماعةٌ من أهل العربية في قوله ﷿ " هل أتى على الإنسان " معناه ألم يأت، على سبيل التقرير. وهب الأمر في هذا كما ذكروا، والخلاف ساقط فيه، فإن بيت أبي تمام لا يحتمل من التأويل ما احتملته الآية؛ لأن " هل " إنما شبهها من شبهها بقد إذا وليت لفظ الماضي خاصة، وأبو تمام إنما أوقعها على الفعل [المستقبل وإذا وقعت على]
[ ١ / ٢١٤ ]
المستقبل؛ فسقط عنها أن تضارع قد؛ لأن قد حينئذ قد تكون بمعنى ربما، و" هل " ليس فيها ذلك.
وبعد؛ فإن كان الرجل إنما أراد بهل معنى قد فلم لم يقل رضيت وقد أرضى؛ فيأتي بلفظة " قد " إذا كان يريد الخبر، ولا يأتي بهل فيلتبس الخبر الذي إيّاه قصد بالاستفهام؟ فإن البيت كان يستقيم بقد ويغنينا عن الاحتجاج الطويل.
وقد استقصيت القول في هذا البيت وما ذكره النحو يون وسيبويه وغيره في معنى قد وهل، ولخصته في جزء مفرد، وإنما فعلت ذلك لكثرة من عارضني فيه، وادّعى الدعاوي الباطلة في الاحتجاج لصحته.
١٧ - ومن خطائه قوله في البكاء على الديار:
دار أجل الهوى عن أن ألمّ بها في الرّكب إلاّوعيني من منائحها
وهذا لفظ محال عن وجهه؛ لأن " إلا " ههنا تحقيق وإيجاب فكيف يجوز أن تكون عينه من منائحها إذا لم يلم بها؟ وإنما وجه الكلام أن يقول: " دار أجل الهوى عن أن ألم بها وليس عينى من منائحها " وقد كنت أظن
[ ١ / ٢١٥ ]
أن أبا تمام على هذا نظم الشعر، وأن غلطًا وقع عليه في نقل البيت، حتى رجعت إلى النسخ العتيقة التي لم تقع في يد الصولى وأضرابه، فوجدت البيت في غير نسخة مثبتًا على هذا الخطأ.
١٨ - ومن خطائه أيضًا في وصف الربع وساكنه قوله:
قد كنت معهودًا بأحسن ساكنٍ ثاوٍ وأحسن دمنةٍ ورسوم
والربع لا يكون رسمًا إلا إذا فارقه ساكنوه؛ لأن الرسم هو الأثر الباقي بعد سكانه، والواب قول البحتري:
يا مغاني الأحباب صرت رسومًا وغدا الدهر فيك عندي ملومًا
وقال ارمؤ القيس:
وهل عند رسمٍ دارس من معول؟
فقال ذلك لأن الرسم يكون دارسًا وغير دارس، وقال:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ وعرفان ورسمٍ عفت آياته منذ أزمان
١٩ - ومن خطائه أيضًا قوله:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا وكفى على رزئي بذاك شهيدا
[ ١ / ٢١٦ ]
أراد وكفى بأنه مضى حميدًا شاهدًا على أنى رزئت، وكان وجه الكلام أن يقول: وكفى برزئي شاهدًا على أن مضى حميدا؛ لأن حمد أمر الطلل قد مضى، ولس بمشاهد ولا معلوم، فلان يكون الحاضر شاهدًا على الغائب أولى من أن يكون الغائب شاهدًا على الحاضر.
فإن قيل: إنما أراد أن يستشهد على عظيم رزئه عند من لم يعلمه.
قيل: فمن لا يعلم قدر مرزأته التي بعضها ظاهرٌ عليه كيف يعلم ما مضى من حميد أمر الطلل؛ حتى يكون شاهدًا على هذا؟ فإن قيل: هذا إنما جاء به على القلب.
قيل له: المتأخر لا يرخص له في القلب؛ لأن القلب إنما جاء في كلام العرب على السهو، والمتأخر إنما يحتذى على أمثلتهم، ويقتدى بهم، وليس ينبغي له أن يتبعهم فيما سهوا فيه.
فإن قيل: فقد جاء القلب في القرآن، ولا يجوز أن يكون ذلك على سبيل السهو والضرورة؛ لأن كلام الله ﷿ يتعالى عن ذلك، وهو قوله: " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة " وإنما العصبة تنوء بالمفاتيح، أي تنهض بثقلها، وقال ﷿: " ثم دنى فتدلى " وإنما هو تدلى فدنا، وقال: " وإنه لحب الخير لشديدٌ " أي: وإن
[ ١ / ٢١٧ ]
حبه للخير لشديد، ولهذا أشباهٌ كثيرة في القرآن.
قيل: هذا ليس بقلب، وإنما هو صحيح مستقيم، إنما أراد الله تعالى اسمه: ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، أي: نميلها من ثقلها، ذكر ذلك الفراء وغيره، وقالوا: إنما المعنى لتنيء العصبة، وقوله " وإنه لحب الخير لشديد " قيل: المعنى إنه لحب المال لشديد، والشدة: البخل، يقال " رجل شديدٌ وتشدد " أي: بخيل، يريد إنه لحب المال لبخيل متشدد، يريد إنه لحب المال: أي لأجل خبه المال يبخل، وقالوا في قوله ﷿: " ثم دنى فتدلى ": إنما كان تدليه عند دنوه واقترابه، وكما قال أبو النجم:
قبل دنوا الأفق من جوزائه
والجوزاء إذا دنت من الأفق فقد دنا الأفق منها، وليس هذا من القلب المستكره، ومثله في الشعر كثير، قال الشاعر:
ومهمهٍ مغبرةٍ أرجاؤه كأن لون أرضه سماؤه
قوله " كأن لون أرضه سماؤه " أي: كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه، وليس الأمر في ذلك بواجب؛ لأن أرضه وسماءه مضافان جميعًا إلى الهاء،
[ ١ / ٢١٨ ]
وهي كناية عن المهمة، فأيهما يشبه بصاحبه كانا فيه سواء، وإنما تغبر آفاق السماء من الجدب واحتباس القطر، وقال الحطيئة:
فلما خشيت الهون والعير ممسكٌ على رغمه ما أمسك الحبل حافره
قال: وكان الوجه أن يقول: ما أمسك الحافر حبله، وكلاهما متقاربان؛ لأن الحبل إذا أمسك الحافر فإن الحافر أيضًا قد شغل الحبل.
فهذا كله سائغ حسن، ولكن القلب القبيح لا يجوز في الشعر، ولا في القرآن، وهو ما جاء في كلامهم على سبيل الغلط، نحو قول خداش بن زهير:
وتركب خيلًا لا هوادة بينها وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر
وإنما الضياطرة هي التي تشقى بالرماح، وكقول الآخر:
[ ١ / ٢١٩ ]
كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم
وإنما الرجم فريضة الزناء، وكقول الفرزدق يصف ذئبًا:
وأطلس عسال وما كان صاحبًا رفعت لناري موهنًا فأتاني
وإنما النار رفعها للذئب، وأنشده المبرد، وقال: القلب جائز للأختصار، إذا لم يدخل الكلام لبسٌ، كأنه يجيز ذلك للمتقدمين دون المتأخرين، وما علمت أحدًا قال " للأختصار " غيره، فلو قال لإصلاح الوزن أو للضرورة كما قال غيره كان ذلك أشبه، ويجوز أن يكون الفرزدق ف يهذا البيت سها أو اضطر لإصلاح الوزن، وأبو تمام وغيره من المتأخرين لا يسوغون مثل هذا وإنما أراد أبو تمام وكفى بما يظهر من تفجعي بهذا الرزء الذي رزئته شاهدًا على أن الطلل مضى حميدا، قلت: وليس له أن يقلب في مثل هذا؛ لأنه القلب المستكره.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فإن قيل: إنه لم يرد القلب، وإنما أراد وكفى على رزئي بمحمود أمر الطلل شهيدا.
قيل: فبأي شيء أستشهد؟ وأين شهيده؟ ٢٠ - ومن خطائه قوله في باب الفراق:
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوةً فلباه طل الدمع يجري ووابله
أراد أن الشوق دعا ناصرًا ينصره فلباه الدمع، بمعنى أنه يخفف لاعج الشوق، ويطفئ حرارته. وهذا إنما هو نصرىٌ للمشتاق على الشوق، والدمع إنما هو حربٌ للشوق؛ لأنه يثلمه ويتخونه ويكسر منه حده، كما قال البحتري:
وبكاء الديار مما يرد الش وق ذكرًا والحب نضوًا ضئيلًا
قوله " يرد الشوق ذكرًا " أي: يخففه وثلمه حتى يصير ذكرًا لا يقلق ولا يزعج كإقلاق الشوق، وقوله " والحب نضوا " أي يصغره ويمحقه، كما قال جرير:
فلما التقى الحبان ألقيت العصى ومات الهوى لما أصيبت مقاتله
فلو كان الدمع ناصرًا للشوق لكان يقويه ويزيد فيه، ألا ترى أنك تقول: قد ذبحني الشوق إليك، فالشوق عدو المشتاق وحربه، والدمع سلمٌ لتخفيفه عنه وهو حرب للشوق، وليس بهذا الخطأ خفاء.
[ ١ / ٢٢١ ]
وقد تبعه البحتري ف يهذا الخطأ فقال بنعى الديار التي وقف عليها:
نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع تلاحقن في أعقاب وصلٍ تصر ما
٢١ - ومن خطائه ف يمعنى الشوق قوله:
يكفيك شوقٌ بطيل ظماءه فإذا سقاه سم الأسود
فقوله شوق يطيل ظماءه غلط؛ لأن الشوق هو الظمأ نفسه، ألا ترى أنك تقول: أنا عطشان إلى رؤيتك، وظمآن، ومشتاق، بمعنى واحد، فكيف يكون الشوق هو المطيل للظمأ؟ وكيف يكون في الساقي، والمحبوب هو الذي يظمئ ويسقى، أو البعد أو الهجرة! لا الشوق، فكيف يكون الشوق يطيل شوقه؟ ٢٢ - ومن خطائه قوله:
أمر التجلد بالتلدد حرقةٌ أمرت جمود دموعه بسجوم
جعل الحرقة آمرة التجلد بالتلدد، والحرقة التي يكون معها التلدد تسقط التجلد ألبته وتذهب به، فأما أن يجعله متلددًا فإن هذا من أحمق المعاني أولاها بالاستحالة، وأيضًا فأي لفظ أسخف من أن يجعل الحرقة آمرة وإن كان ليس بخطأ، وإنما العادة في مثل هذا أن تكون باعثة أو جالبة أو نحو هذا، وأما الأمر فليس هذا موضعه
[ ١ / ٢٢٢ ]
ولو كان قال:
أفنى التجلد بالتلدد حرقة أفنت جمود دموعه بسجوم
كان أولى بالصواب
٢٣ - ومن خطائه قوله:
من حرقة أطلقتها فرقةٌ أسرت قلبًا، ومن عذل في نحرة غزل
قوله أطلقتها فرقة أي ثورتخا وأظهرتها، وإنما قال أطلقطها من أجل قوله أست قلبًا ليطابق بين الإطلاق والأسر، وقوله أسرت قلبًا يعنى الفرقة، وهو معنى ردئ؛ لأن القلب إنما يأسره ويملكه شدة الحب، لا الفراق، فإن لم يكن مأسورًا قبل الفراق فما كان هناك حب، فلم حضر التوديع؟ وما كان وجه البكاء والاستهلاك والوجل الذي ذكره قبل البيت، والقصة الفظيعة التي وصف الحان فيها عند مفارقتهم؟ وماعلم أن للفراق لوعة صعبة ونار محرقة عند وروده وفجأته؛ فلا يسمى ذلك أسرًا ذلك أسرًا ولا علاقة! وإنما محنة تطرأ على أسير الحب،
[ ١ / ٢٢٣ ]
وربما قتلته كما يقتل الأسير، والفراق إنما له ثم تبرد وناره، وتخمد وقتًا فوقتًا، حتى يدرس الحب.
فالفراق يفك أسر الحب، وينسى الخليل خليلة إذا امتد به زمان؛ ألا ترى إلى قول ذهير بن جناب الكلبى:
إذا ما شئت أن تشلى حبيبًا فأكثر دونه عدد اليالى
فما أنسى خليلك مثل نأى وما أبلى جديدك كابتذال
وقول آخر:
ينسى الخليلان طول الناى بينهما وتلتقى طرق شتى فيأتلف
هذا هو المعنى الصحيح المعروف، وإن كان قد تقدم أبا تمام في هذا المعنى من تبعه، وحذا على حذوه، فالردئ لا يؤتم به. ولعله سمع معنى سائغًا حسنًا فأفسده لسوء عبارته، وكثيرًا ما يفعله هذا، زكلن ينبغي أن يقول: من حرقة بعتها فرقة أو أظهرتها فرقة جرحت قلبًا، حتى يكون أسير الهوى قتيل الفراق.
فإن قيل: فلم لا يكون قوله أسرت قلبًا للحرقة للفرقة؟ قيل: لا يكون ذلك؛ لأن الأسر إذا قبح أن يكون فعلا للفرقة
[ ١ / ٢٢٤ ]
قبح أيضًا أن يكون فعلًا للحرقة؛ لأن الفرقة هي التي جلبت الحرقةن فشأنها كشأنها.
٢٤ - ومن خطائه قوله:
ما لامرئ خاص بحر الهوى عمر إلا وللبين فيه السهل والجلد
وهذا عندى خطأ إن كان أراد بالعمر مدة الحياة؛ لأنه اسم واحد للمدة بأسرها فهو لا يتبعض فيقال لكل جزء منه: عمر، كما لا يقال: ما لزيد رأس إلا وفيه شجة أو ضربة، وما له لسان إلا وهو ذرب أو فصيح، وكذلك لا يقال: ما له عمر إلا وهو قصير، وإنما يسوغ هذا فيما فوق الواحد، مثل أن تقول: ما له ضلعٌ إلا مكسورة؛ وما له يد إلا وفيها أثرٌ، ولا رجلٌ إلا وفيها حنف.
وليس قولهم " ماله عيش إلا منغص، ولا حياة إلا كدرة " مثل قولك: ما له عمر إلا قصير، ولو قتله؛ لأن عيش الإنسان ليس له مدة حياته بأسرها؛ لأنك قد تقول: كان عيشي بالعراق طيبًا، وكانت حياتي بمكة لذيذة، وكان عيشي بالحجاز أطيب من عيشي باليمن،
[ ١ / ٢٢٥ ]
ولا تقول: كان عمري؛ لأن العمر هو المدة بأسرها، والعيش والحياة ليسا كذلك؛ لأنهما يتبعضان.
فإن قيل: فأنت تقول " مالزيد رأس حسن، ولا أنف أشم، ولا لسان ذرب ".
قيل: إنما يصلح هذا من أجل النفي؛ لأنك إنما تريد ليس له رأس من الرؤوس الحسنة، ولا لسان من الألسن الذربة وإذا دخلت " إلا " ههنا فقد جعلت المنفى موجبًا، وحقيقة؛ فإذا قلت " ليس لزيد رأس إلا حسن " فقد أوجبت له عدة رؤوس!! وهذا خطأ؛ وكذاك سبيل العمر.
وإن كان أراد بالعمر منزله الذي يتوطنه ويعمره، فذلك هو المعمر، وما علمت أن أحدًا سماه عمرًا إلا أن يكون دير النصاري فإنهم يسمونه عمرًا، وما كان يمنعه أن يقول " وطن " مكان " عمر " لأن لفظهما ومعناما واحد، وقد يكون للأنسان عدة أوطان توطنها.
وقد ذكر العمر في موضع آخر من شعره، وهو يريد مدة الحياة؛ فقال:
إذا مارقٌ بالغدر جاوز عمره فذاك حريٌ أن تئيم حلائله
أراد أنه إن جاور عمره - أي قاربه - بالغدر، فقد عرضه للزوال والنفاد،
[ ١ / ٢٢٦ ]
وهذا من عويص ألفاظه، وما أراد بالبيت الأول إلا مدة الحياة؛ لأن ما قبل البيت وما بعده عليه يدل.
٢٥ - وقال في علي بن الجهم:
هي فرقةٌ من صاحب لك ماجد فغدا إذابة كل دمعٍ جامد
فافرغ إلى ذخر الشؤون وعذبه فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد
وإذا فقدت أخًا فلم تفقد له دمعًا ولا صبرًا فلست بفاقد
قوله " يذهب بعض جهد الجاهد " أي: بعض جهد الحزن الجاهد، أي الحزن الذي جهدك فهو الجاهد لك، ولو كان استقام له أن يقول " بعض جهد المجهود " لكان أحسن وأليق، وهذا أغرب وأظرف.
وقد جاء أيضًا فاعل بمعنى مفعول؛ قالوا " عيشةٌ راضية " بمعنى مرضية، و" لمح باصرٌ " وإنما هو مبصرٌ فيه، وأشباه هذا كثيرة معروفة، ولكن ليس في كل حال يقال، وإنما ينبغي أن ينتهي في اللغة إلى حيث انتهوا، ولا يتعدى إلى غيره؛ فإن اللغة لا يقاس عليها.
وقوله " فلم تفقد له دمعًا ولا صبرًا " من أفحش الخطأ؛ لأن الصابر لا يكون باكيًا، والباكي لا يكون صابرًا، فقد نسق بلفظةٍ على لفظةٍ وهما
[ ١ / ٢٢٧ ]
نعتان متضادان، ولا يجوز أن يكونا مجتمين، ومعناه أنك إذا فقدت أخًا فأدام البكاء عليك فلست بفاقد. ولم يرد بفاقدٍ شخصه، وإنما أراد لست بفاقد وده ولا أخوته، وهو محصل لك غير مفقود وإن كان غائبًا عنك، وإلى هذا ذهب، إلا أنه أفسده بذكر الصبر مع البكاء، وذلك خطأ ظاهر، ولو كان قال " فلم تفقد له دمعًا ولا جزعًا " أو " دمعًا ولا شوقًا ولا قلقًا " لكان المعنى مستقيما، وظننته قد قال غير هذا، وأن غلطًا وقع في كتابة البيت عند النقل، حتى رجعت إلى أصل أبي سعيد السكري وغيره من الأصول القديمة فلم أجد إلا " دمعًا ولا صبرًا " وذلك غفلة منه عجيبة.
وقد لاح لي معنى أظنه - والله أعلم - إليه قصد، وهو أن يكون أراد إذا فقدت أخا فلم تفقد له دمعا - أي يواصل البكاء عليك - فلست بفاقده، على ما قدمت ذكره: أي فقد حصل لك وصار ذخرًا من ذخائرك، وإن غاب عنك وغبت عنه، وإن لم تفقد له صبرًا - أي وإن صبر عنك - فلست بفاقد؛ لأنه إن صبر وسلاك
[ ١ / ٢٢٨ ]
فليس ذاك بأخ يعول عليه، فلست أيضًا بفاقده؛ لأنك لا تعتد به موجودًا ولا مفقودًا، ولكن ذهب على أبي تمام أن هذا غير جائز؛ لأنه وصف رجلا واحدًا بالوصفين جميعًا، وهما متضادان، ولو كان جعلهما وصفين لرجلين فقال:
وإذا فقدت أخا لفقدك باكيا أو صابرًا جلدًا فلست بفاقد
أي: لست بفاقد هذا؛ لأنه محصل لك، أو لست بفاقد هذا؛ لأنه ناسٍ مودتك - لكان المعنى سائغًا حسنًا واضحًا، أو لو جعله شخصًا واحدًا وجعل له أحد الوصفين فقال:
وإذا فقدت أخًا فأسبل دمعه أو ظل مصطبرًا فلست بفاقد
لكان أيضًا سائغًا على هذا المذهب، أو لو كان استوى له في ذلك اللفظ بعينه أن يقول " فلم تفقد له دمعًا أو صبرًا " حتى لا يجعل له إلا أحدهما لساغ ذلك، لكنه نسق بالصبر على الدمع فجعلهما جميعا له، ففسد المعنى.
فهذا وأشباهه الذي قاله الشيوخ فيه، من إن يريد البديع فيخرج إلى المحل.
[ ١ / ٢٢٩ ]
٢٦ - وقال أبو تمام:
لما استحر الوداع المحض وانصرمت أواخر الصبر إلا كاظمًا وجما
رأيت أحسن مرشيً، وأقبحه مستجمعين لي التوديع والعنما
العنم: شجر له أغصان لطيفة غضة كأنها بنان جاريةٍ، الواحدة عنمة، كأنه استحسن أصبعها واستقبح إشارتها إليه بالوداع، وهذا خطأ في المعنى، أتراه ما سمع قول جرير:
أتنسى إذ تودعنا سليمى بفرع بشامةٍ؟ سقى البشام!
فدعا للبشام بالسقيا لأنها ودعنه به؛ فسر بتوديعها، وأبو تمام استحسن أصبعها واستقبح إشارتها، ولعمري إن منظر الفراق منظر قبيح، ولكن إشارة المحبوبة بالوداع لا يستقبحها إلا أجهل الناس بالحب، وأقلهم معرفة بالغزل، وأغلظهم طبعًا، وأبعدهم فهمًا.
٢٧ - ومن خطائه قوله:
فلويت بالمعروف أعناق المنى وحطمت بالإنجاز ظهر الموعد
[ ١ / ٢٣٠ ]
حطم ظهر الوعد بالإنجاز: استعارةٌ قبيحة جدًا، والمعنى أيضًا في غاية الرداءة؛ لأن إنجاز الموعد هو تصحيحه وتحقيقه، وبذلك جرت العادة أن يقال: قد صح وعد فلان، وتحقق ما قال، وذلك إذا أبحره، فجعل أبو تمام في موضع صحة الوعد حطم ظهره، وهذا إنما يكون إذا أخلف الوعد وكذب، ألا تراهم يقولون: قد مرض فلانٌ وعده، وعلله، ووعد وعدًا مريضًا، وإذا أخلف وعده فقد أماته؛ فالإخلاف هو الذي يحطم ظهر الموعد، لا الإنجاز، ولا خفاء بفساد ما ذهب إليه، وكان ينبغي أن يقول: وحطمت بالانجاز ظهر المال، لا الموعد، وحينئذ فالموعد كان يصح ويسلم، ويتلف المال.
٢٨ - وقال:
إذا وعد انهلت يداه فأهدتا لك النجح محمولًا على كاهل الوعد
كاهل الوعد إذا حمل النجح فمن سبيله أن يكون صحيحًا مسلمًا، لا أن يكون محطوما كما قال في البيت الأول؛ فهذه استعارة صحيحة على هذا البيت. وإن كان " كاهل الوعد " قبيحًا.
[ ١ / ٢٣١ ]
٢٩ - ومثل البيت الأول في الفساد أو قريب منه قوله:
إذا ما رحى دارت سماحة رحى كل إنجازٍ على كل موعد
وهذا إتلاف الموعد، وإبطاله؛ لأنه جعله مطحونًا بالرحى، وإنما ذهب إلى أن الإنجاز إذا وقع بطل الوعد، وليس الأمر كذلك؛ لأن الموعد ليس بضد للإنجاز، فإذا صح هذا بطل ذلك، بل الوعد الصادق طرفٌ من الإنجاز، وسببٌ من أسبابه، فإذا وقع الإنجاز فهو تمام الوعد، وتصحيح له، وتحقيق وتصديق، فهو في هذه الاستعارة غالطٌ، والمعنى الصحيح قوله:
أبلهم ريقًا وكفا لسائل وأنضرهم وعدًا إذا صوح الوعد
فتصويح الوعد هو أن يخلفه فيبطل، ولا يصح؛ لأنه من " صوح النبت " إذا جف، ومثله في الصحة قوله:
تزكو مواعده، إذا وعد امرأ أنساك أحلام الكرى الأضغاثا
فهذا هو المعنى الصحيح: أن يكون الوعد يزكو، لا أن يبطل ويذهب. ولله در أبي إسحاق إبراهيم بن هرمة إذ يقول:
يسبق بالفعل ظن سائله ويقتل الريث عنده العجل
[ ١ / ٢٣٢ ]
فهذه الاستعارة الصحيحة: أن يقتل العجل الإبطاء، لا أن يقتل الإنجاز الوعد، فأما قوله:
نؤم أبا الحسين، وكان قدمًا فتى أعمار موعده قصار
وقول البحتري:
وجعلت فعلك تلو قولك قاصرًا عمر العدو به وعمر الموعد
فإن عمر الموعد مدة وقته؛ فإذا أنجز صار مالا؛ فنفاد وقته ليس بمبطل له، بل ذلك نقله من حال إلى حال أخرى. ألا ترى إلى البحتري كيف كشف عن هذا المعنى، وجاء بالأمر من فصه؟ فقال:
يوليك صدر اليوم ما فيه الغنى بمواهب قد كن أمس مواعدا
فبطلان الموعد هو بطلان الشيء الذي الموعد واقعٌ به، وصحته هو صحة ذلك الشيء.
ثم أتبع البحتري هذا البيت بأن قال:
شيم السحائب: ما بأن بوارقًا في عارضٍ إلا انثنين رواعدا
فجعل البوارق مثالا للمواعد، وجعل الرواعد التي هي البوارق على الحقيقة وحالهما واحدة مثالا للغيث الذي هو العطايا؛ فالرواعد ليست بمبطلة للبوارق، بل هي هي؛ لأن تلك نور يحدثه ازدحام السحاب، والرعد صوت ذلك الازدحام؛ فالبرق يرى أولا، والرعد يسمع آخرًا، وهو هو، وذلك أن العين أسبق
[ ١ / ٢٣٣ ]
إلى الإبصار من الأذن للأستماع؛ لأن العين ترى الشيء في موضعه، والأذن لا تسمع الصوت إلا إذا وصل إليها، فشبهها بالموعد التي تجر المواهب، وهذا أحسن ما يكون من التمثيل وأصحه، وإنما أقام الرواعد مقام المواهب، لأنه قد يكون برقٌ ولا مطر فيه، ولا يكاد يكون رعد إلا ومعه مطر، ثم إن التشبيه صح بأن صار الرعد بعد البرق.
وما أحسن ما قال خلف بن خليفة الأقطع:
مواعدهم فعلٌ إذا ما تكلموا فتلك التي إن سميت وجب الفعل
يعني قول " نعم " فجعل الوعد هو الفعل نفسه لصحته وصدقه، وقد مثل البحتري أيضًا الموعد وكيف تحول عطاء تمثيلا آخر حسنًا، فقال:
وشكرت منك مواهبًا مشكورةً لو سرن في فلكٍ لكن نجومًا
ومواعدًا لو كن شيئًا ظاهرًا تفضى إليه العين كن غيومًا
وذلك لأن الغيم يصير مطرا، كما أن الموعد يصير عطاء، وأبو تمام - فيما يذهب إليه - غالط؛ لأنه وضع الاستعارة في غير موضعها.
[ ١ / ٢٣٤ ]
٣٠ - ومن خطائه قوله:
فلو ذهبت سنات الدهر عنه وألقى عن مناكبه الدثار
لعدل قسمة الأرزاق فينا ولكن دهرنا هذا حمار
قوله " وألقى عن مناكبه الدثار " لفظ ردئ، وليس من المعنى الذي قصده في شيء، وصدر البيت لائق بالمعنى؛ فلو كان أتبعه بما يكون مثله في معناه، بأن يقول: فلو ذهبت سنات الدهر عنه واستيقظ من رقدته أو انتبه من نومته أو انكشف الغطاء عن وجهه؛ لكان المعنى يمضي مستقيما؛ لأن من كان في سنةٍ أو نوم أو مغطى على وجهه أو عينيه فإنه لا يبصر الرشد، ولا يكاد يهتدى لصواب، وإنما هذه كلها استعارات، والمراد بها هداية القلب وإبصاره وفهمه، وقد جرت العادة باستعارتها في هذا المعنى، فأما دثار المناكب فليس من هذا الباب في شيء؛ إذ قد يبصر الإنسان رشده ويهتدي لصواب أمره وعلى مناكبه دثارٌ وعلى ظهره أيضًا حمل، ولا يكون ذلك مع النوم والرقاد والغطاء على العين؛ لأنه إنما يراد نوم القلب والتغطية عليه؛ لأن الإنسان إنما يقال له: " قد عمى قلبك " و" قد عميت عن الصواب عينك " و" قد غطى على فهمك " ولا يقال: " قد غطيت بالدثار عن الصواب مناكبك، ولا ظهرك "، ولفظة الدثار أيضًا إنما
[ ١ / ٢٣٥ ]
تستعمل لمنع الهواء والبرد، لا لمنع الفهم والرشد.
٣١ - ومن خطائه قوله:
وأرى الأمور المشكلات تمزقت ظلماتها عن رأيك المتوقد
عن مثل نصل السيف، إلا أنه مذ سل أول سلةٍ لم يغمد
فبسطت أزهرها بوجهٍ أزهرٍ وقبضت أربدها بوجهٍ أربد
فقال " الأمور المشكلات " وجعل لها ظلمات، فكيف يقول: فبسطت أزهرها، والزهر هي النيرات، والمشكلات لا يكون شيء منها نيرًا؟ وكأنه يريد أن الأمور المشكلة منها جيد قد أشكل الطريق إليه، ومنها ردئ قد جهلت أيضًا حاله؛ فهي كلها مظلمة، فيمزق ظلماتها برأيه، ويكشف عن الجيد منها ويبسطه: أي ستعمله، ويكشف عن رديئها ويقبضه: أي يكفه ويطرحه، ولكن ما كان ينبغي له أن يقول " بوجه أزهر " و" بوجه أربد "؛ لأنه لا صنع ههنا للوجه ولا تأثير؛ لأن الصنع إنما هو للرأي وللعقل؛ فإذا رأى ذو الرأي أمرًا استبان منه الأشياء المظلمة،
[ ١ / ٢٣٦ ]
وانفتحت المغلقة، أو رأى أن يغلق أمرًا مفتوحًا إذا كان الصواب موجبًا ذاك عنده؛ فالرأي على الأحوال كلها أزهر مسفر، والوجه على الأحوال كلها أبيض، وليس يريد أبيض في لونه.
والعاجز إذا ورد عليه الأمر يبهظه تبينت الكآبة في وجهه؛ ولله در منصور النمري حيث يقول:
ترى ساكن الأوصال باسط وجهه يريك الهوينا، والأمور تطير
فقال " ساكن الأوصال باسط وجهه " فدل على قلة اكتراثه بالأمور التي ترد عليه، وقول أبي تمام " بوجهٍ أربد " لا معنى له؛ لأنه من صفات الغضبان أو المكتئب من أمر ورد عليه، وو عندي في ذلك غالط، وفي ذلك مسيء.
٣٢ - ومن خطائه قوله يذكر سير الإبل:
كالأرحبى المذكى سيره المرطى والوخد والملع والتقريب والخبب
فالأرحبي من الإبل: منسوبٌ إلى أرحب، حي من همدان تنسب إليهم النجائب،
[ ١ / ٢٣٧ ]
والمذكى: الذي قد انتهى في سنه وقوته، والمرطى: من عدو الخيل فوق التقريب ودون الإهذاب، والوخد: الاهتزاز في السير مثل وخد النعام، والملع: من سير الإبل السريع، والتقريب: من عدو الخيل معروفٌ، والخبب: دونه، وليس التقريب من عدو الإبل، وهو في هذا الوصف مخطئ، وقد يكون التقريب لأجناسٍ من الحيوان، ولا يكون للإبل، وإنا ما رأينا بعيرًا قط يقرب تقريب الفرس، والمرطى أيضًا: من عدو الخيل، ولم أره في اوصاف الإبل ولا سيرها.
٣٣ - ومن خطائه قوله:
ومشهدٍ بين حكم الذل منقطعٌ صاليه، أو بحبال الموت متصل
جليت والموت مبدٍ حر صفحته وقد تفرعن في أفعاله الأجل
وقوله " بين حكم الذل " لو كان حكم الذل أشياء متفرقة لصحت فيها " بين "، غير أن حكم الذل والذل بمنزلة واحدة، وكذلك حكم العز والعز؛ فكما لا يقال بين العز فكذلك لا يقال بين حكم العز حتى يقال هذا؛ لأن " بين " إنما هي وسطٌ بين شيئين.
[ ١ / ٢٣٨ ]
فإن قال: إن حكم الذل مشتمل على مشهد الحرب ومن يصلاها؛ فكأنه ذهب بقوله " بين " إلى معنى وسطٍ: أي ومشهد وسط حكم الذل.
قيل: وسط لا يحل محل بين، وبين لا يحل محل وسط؛ لأنك تقول: البئر وسط الدار، ولا تقول: البئر بين الدار، وتقول: المال بيننا نصفين، ولا تقول: المال وسطنا، والمعنى الذي بنى أبو تمام البيت عليه سياقة لفظه أن يقول: ومشهدٍ بين حكم الذل وحكم العز: أي ومشهد بين الذل والعز، محجمٌ من يصلاه - وهو الذليل - أو مقدم - وهو العزيز - جليته وكشفته، يعني الممدوح؛ فخذف أحد القسمين الذي لا يصلح " بين " إلا به مع القسم الآخر، وجعل قوله " منقطع " في موضع محجم، و" متصل " في موضع مقدم، وليس هذا من مواضع متصل ولا منقطع، وقد أغراه الله بوضع الألفاظ في غير مواضعها من أجل الطباق والتجنيس اللذين بهما فسد شعره وشعر كل من اقتدى به، وقوله " وقد تفرعن في أفعاله الأجل " معنى في غاية الركاكة ولاسخافة، وهو من ألفاظ العامة.
وما زال الناس يعيبونه به، ويقولون: اشتق للأجل الذي هو مطلٌ على كل النفوس فعلًا من اسم فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون وعلى نفس كل فرعونٍ كان في الدنيا.
[ ١ / ٢٣٩ ]
٣٤ - ومن خطائه قوله:
سعى فاستنزل الشرف اقتسارًا ولولا السعي لم تكن المساعي
قوله " سعى فاستنزل الشرف اقتسارًا " ليس بالمعنى الجيد، بل هو عندي هجاء مصرح؛ لأنه إذا استنزل الشرف فقد صار غير شريف، وذلك أنك إذا ذممت رجلا شريفًا شريف الآباء كان أبلغ ما تذمه به أن تقول: قد حططت شرفك، ووضعت من شرفك، وقد وكده بقوله " اقتسارًا ".
وقوله " ولولا السعي لم تكن المساعي " فبئس السعي والله سعى؛ لأن الشرف لا يحط إلا بألأم ما يكون من الأفعال، وكأنه أراد سعى فحةى الشرف نفسه، فأفسد المعنى بذكر استنزاله إياه، كأنه لو لم يستنزله ما كان يكون حاويًا له، فهلا قال: ترقى إلى الشرف الأعلى فحواه، أو بلغ النجم، أو علا على الشمس، كما قال الآخر:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ قومٌ بسؤددهم أو مجدهم قعدوا
٣٥ - ومن خطائه قوله:
يقظٌ وهو أكثر الناس إغضا ء على نائل له مسروق
[ ١ / ٢٤٠ ]
قوله " على نائل له مسروق " خطأ؛ لأن نائله هو ما ينيله، فكيف يكون مسروقًا منه؟ وهل يكون الهجو إلا هكذا: أن يجعل نائله مأخوذًا منه على طريق السرقة؟ وإنما اعتمد المطابقة لما وصفه بالتيقظ جعله ممن يسرق منه؛ إذ كان من شأن المتيقظ أن لا غفل حتى يستتم عليه السرق، وقد كان يصح هذا المعنى لو قال: علىمال له مسروق، حتى يكون يعطى ما له اختيارًا لجوده ويغضى إذا سرق منه لكرمه.
٣٦ - ومن خطائه قوله:
لو يعلم العافون كم لك في الندى من لذةٍ وقريحةٍ لم تحمد
ويروى " من لذة أو فرحة " أي من لذة وفرح؛ أي ابتداع واستخراج وهذا عندي غلط؛ لأن هذا الوصف الذي وصفه داعيةٌ أن يتناهى الحامد له في الحمد، ويجتهد في الثناء بأن لا يدع حمده، وإنما ذهب إلى أن الإنسان إنما يحمد على الشيء الذي يتكلفه ويتجشمه ويتحمل المشقة فيه، لا على الشيء الذي له بواعث شهوة من نفسه وشدة صبابةٍ إليه ومحبة لفعله، ومن كان غرامه بالجود هذا الغرام فعلى ذلك يجب أن يحمد ويمدح.
[ ١ / ٢٤١ ]
أما قول البحتري:
ولقد أبدت الحمد، حتى لو بنت كفاك مجدًا ثانيًا لم تحمد
فمذهب صحيح، يريد أنك قد أفنيت الأوصاف والمحامد؛ فإن جئت بنوع من المكارم تبنى به مجدًا آخر لم يقدر من يحمدك ويثنى عليك على أكثر مما تقدم.
٣٧ - ومن خطائه قوله:
تناول الفوت أيدي الموت قادرةً إذا تناول سيفًا منهم بطل
قوله " تناول الفوت أيدي الموت " عويضٌ من عويصاته، وهذا أيضًا محال وإنما سمع قول سعد بن مالك:
هيهات حال الموت دو ن الفوت وانتضى السلاح
والفوت: هو النجاة، أي حال الموت دون النجاة، وهذا صحيح مستقيم، فقال هو " تناول الفوت أيدي الموت " وهذا محال؛ لأن النجاة لا تتناولها يد الموت، ولا تصل إليها، وإلا لم تكن نجاة، وهذا من عقيده الذي يخرجه إلى الخطأ، وإنما قصد إلى ازدواج الكلام في الفوت والموت، ولم يتأمل المعنى،
[ ١ / ٢٤٢ ]
والوجه الصحيح قول البحتري:
تتدانى الآجال ضربًا وطعنًا حين يدنو فيشهد الهيجاء
٣٨ - ومن خطائه:
واكتست ضمر الجياد المذاكي من لباس الهيجا دمًا وحميما
في مكرٍ تلوكها الحرب فيه وهي مقورةٌ تلوك الشكيما
فهذا مغى قبيح جدًا: أن جعل الحرب تكون الجيل من أجل قوله " تلوك الشكيما " و" تلوك الشكيما " أيضا ههنا خطأ؛ لأ ن الخيل لا تلوك الشكيم في المكر وحومة الحرب، وإنما تفعل ذلك واقفة لا مكر لها.
فإن قيل: إنما أراد أن الحرب تلوكها كما تلوك هي الشكيم.
قيل: هذا تشبيه، وليس في لفظ البيت عليه دليل، وألفاظ التشبيه معروفة، وإنما طرح أبا تمام في هذا قلة خبره بأمر الخيل، ألا ترى إلى قول النابغة:
خيلٌ صيامٌ، وخيلٌ غير صائمةٍ تحت العجاج، وخيلٌ تعلك اللجما
والصيام ههنا القيام؛ أي خيل واقفة مستغنى عنها لكثرة خيلهم فهي وقافة، وخيل تحت العجاج في الحرب، وخيل تعلك اللجما، قد أسرجت وألجمت، وأعدت للحرب.
[ ١ / ٢٤٣ ]
والشاعر الحصين كان أحذق من الطائي وأعلم بأمر الخيل قال:
وإذا احتبى قربوسه بعنانه علك الشكيم إلى انصراف الزائر
وإلا فمتى رأى يجري وهو يلوك شكيمه؟ فأما قول أنس بن الريان:
أقود الجياد إلى عامرٍ عوالك لجمٍ تمج الدماء
فإن القود قد يكون في خلاله تلبث وتوقف تلوك فيه الخيل لجمها، والمكر لا يستقيم ذلك فيه؛ فأما قول أبي حزابة التميمي:
خاض الردى في العدى قدما بمنصله والخيل تعلك ثنى الموت باللجم
فإنما جعل ثنى الموت مثلًا، والثنى: حطام النبات اليابس، ولم يرد أن الخيل تعلك اللجم على الحقيقة.
٣٩ - ومن خطائه قوله:
والحرب تركب رأسها في مشهدٍ عدل السفيه به بألف حليم
في ساعةٍ لو أن لقمانًا بها وهو الحكيم لكان غير حكيم
جثمت طيور الموت في أوكارها فتركن طير العقل غير جثوم
[ ١ / ٢٤٤ ]
فالبيتان الأولان جيدان، وقوله جثت طيور الموت في أوكارها بيت ردئ في القسمة، ردئ في المعنى؛ لأنه جعل طير الموت في أوكارها جاثمةً: أي ساكنة لا ينفرها شيء، وطير العقل غير جثومٍ، يعني أنها قد نفرت فطارت، يريد طيران عقولهم من شدة الروع، وما كان ينبغي أن يجعل طير الموت جثوما في أوكارها، وإنما كان الوجه أن يجعلها جاثمة على رؤوسهم، أو واقعة عليهم، فأما أن تكون جائمة في أوكارها فإنها في السلم أو في الأمن جاثمة في أوكارها أيضًا، وطير العقل ليست بضد لطير الموت، وإنما هي ضد لطير الجهل، وطير الحياة هي الضد لطير الموت، ولو كان قال:
جثمت طيور الموت فوق رؤوسهم فتركن أطيار الحياة تحوم
لكان أشبه وأليق، أو لو قال:
سقطت طيور الروع فوق رؤوسهم فتركن أطيار العقول تحوم
لكان أيضًا قريبًا من الصواب؛ لأنهم يقولون: طار عقله من الروع، فإذا ثاب إليه عقله وسكن قيل: قد أفرخ روعه، وهذا مثل، وذلك أن الطائر إذا أفرخ لزم عشه وفراخه، وقد يجوز أن يكون " أفرخ روعه " أي: ذهب؛ لأن الطائر إذا أفرخ فطارت فراخه انتقل عن ذلك العش، وقولهم " جثم الطائر " إنما هو أن يلصق جثمانه بالأرض، يذهب إلى أن طيور الموت ساكنة، وطيور العقل منزعجة طائرة،
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقوله " غير جثوم " لا ينوب مناب طائرة ولا منزعجة؛ لأن الطائر قد لا يكون جاثمًا وقد يكون قائمًا على رجليه ساكنًا مطمئنًا، وهذه حاله في أكثر أوقاته؛ فقد حمل المعنى على لفظ لا يليق به، ولا يؤدي التأدية الصحيحة عنه.
٤٠ - ومن خطائه قوله في وصف الفرس:
ما مقربٌ يختال في أشطانه ملآن من صلف به وتلهوق
قوله " ملآن من صلف " يريد التيه والكبر، وهذا مذهب العامة في هذه اللفظة؛ فأما العرب فإنها لا تستعملها على هذا المعنى، وإنما تقول: قد صلفت المرأة عند زوجها، إذا لم تحظ عنده، وصلف الرجل كذلك؛ إذا كانت زوجته تكرهه، وقال جرير:
إني أواصل من أردت وصاله بحبال لا صلف ولا لوام
والصلف: الذي لا خير عنده، ومثل يضرب " رب صلفٍ تحت الراعدة " يعنون الرعد بغير مطر: فهذا معنى الصلف في كلامهم، وعلى هذا قد ذم أبو تمام الفرس من حيث أراد أن يمدحه.
والتلهوق: هو لطف المداراة والحيلة بالقول وغيره حتى يبلغ الحاجة، ومنه قول الأغلب العجلي يصف مداراة رجل له ارمأةٌ نال منها مراده:
[ ١ / ٢٤٦ ]
فلم يزل بالحلف النجي لها وبالتلهوق الخفي
أن قد خلونا بفضاءٍ قي وغاب كل نفسٍ مخش
وقد ذكر أبو عبيدة القاسم بن سلام في الغريب المصنف في أول نوادر الأسماء التلهوق، وقال: وهو مثل التملق، وما أرى أبا تمام في وضع هاتين اللفظتين إلا غالطًا.
٤١ - وقال أبو تمام:
عطفوا الخدور على البدور، ووكلوا ظلم الستور بنور حورٍ خرد
وثنوا على وشى الخدود صيانةً وشى البرود بمسجفٍ وممهد
والبيت الأول حسنٌ حلو، وأخذ قوله " وثنوا على وشى الخدود صيانةوشى البرود " من قول الكميت.
وأرخين البرود على خدودٍ يزين الفداغم بالأسيل
وقوله " بمسجفٍ وممهد " فالمسجف يريد ستر باب الحجلة، وكل باب مشقوق فكل شق منها سجقٌ، وكذلك سجف الخباء، والمسجف: المرخى، والتسجيف: إرخاء السجفين، وقوله " بمسجف " أي من مسجف وممهد؛ فجعل الباء في موضع " من " كما قال عنترة:
[ ١ / ٢٤٧ ]
شربت بماء الدحرضين فأصبحت زوراء تنفر عن حياض الديلم
أي: من ماء الدحرضين، والممهد: الوطاء الذي يوطأ تحت المرأة، فكيف يكون ذلك منسوقًا على المسجف الذي ذكر أنهم ثنوه على وشي الخدود؟ والممهد ليس هذه حاله فيعطفه عليه.
فإن قيل: كيف لا يكون محمولا على قول الشاعر:
ورأيت زوجك في الوغى متقلدًا سيفًا ورمحًا
والرمح لا يتقلد، وقول الآخر:
ورججن الحواجب والعيونا
والعيون لا تزجج، وإنما أراد ذلك متقلدًا سيفًا وحاملًا رمحًا، وأراد هذا وزججن الحواجب وكحلن العيونا.
[ ١ / ٢٤٨ ]
قيل: متقلد السيف هو حامله أيضًا؛ فحسن أن يعطف الرمح على السيف؛ لأنهما جميعًا محمولان، وكذلك زججن وكحلن هما جميعًا زينةٌ؛ فحسن أن يعطف أحدهما على الآخر، والممهد لا يشرك الستر في شيء من تغطية الوجه ولا صيانته، ولا بنيت ألفاظ البيت إلا على ستر الخدود بالستور، ولا يتعلق الممهد بالمعنى بإضمار لفظٍ ولا تأولٍ.
٤٢ - ومن خطائه قوله:
بقاعيةٌ تجري علينا كؤوسها فتبدى الذي مخفي، وتخفى الذي نبدى
ذهب في هذا إلى أن الخمر تخفى الذي نبديه ف يحال الصحو من الحلم والوقار والكف عن الهزل والللعب، وتبدى الذي نخفي أي: الذي نعتقده ونكتمه من ضد ذلك كله؛ لأنه في الطبيعة والغريزة.
والذي كنا نظهره إنما هو تصنع وتكلف، ويدخل ف يهذا ما يبوح به المحب من الحب الذي كان يكتمه في صحوه ويظهر ضده، أو ما يبوح به من بغض زيد وكان يظهر في صحوه مودته وينافقه.
وكذلك ما يظهره السكر من بخل البخيل
[ ١ / ٢٤٩ ]
فيمنع ما كان يتجمل من بذله في الصحو، أو ما يظهره من السماحة التي كان لا يسمح بمثلها في صحوه خوف العاقبة، ونحو هذا.
وما سقط من قول الحكماء " إن الشراب يثير كل ما وجد " أي: يظهر كل ما في النفس من خير وشر وحسن وقبيح؛ فكل شيء يظهره الإنسان وليس في اعتقاده ولا نيته فإن الذي يضمره ويكتمه في نفسه فهو ضده، فإذا أظهر السكر اعتقاد المعتقد الذي هو الصحيح فإن ضده مما كان يتجمل بإظهاره يبطل ويتلاشى؛ لأن الشراب يخفيه ويطويه في الضمير حتى يكون مكتومًا كما كانت الحقيقة مكتومة، هذا محال؛ لأن القلب هو محل المعتقدات؛ فلا يجوز أن يجتمع فيها الشيء وضده، والاعتقادات لا تكون باللسان؛ لأن اللسان يكذب، والقلب لا يتضمن إلا الحقيقة.
وقول أب يتمام: " فتبدى الذي نخفي " قولٌ صحيحٌ، وقوله " وتخفي الذي نبدي " اللفظ فاسد؛ لأن تخفي معناه تكتم وتستر، والذي قد أبطلته وأزلته لا يجوز أن يعبر عنه بأنك أخفيته ولا كتمته.
فإن قيل: ولم لا يكون هذا توسعًا ومجازًا؟
[ ١ / ٢٥٠ ]
قيل: المجاز في مثل هذا لا يكون؛ لأن الشيء الذي تكتمه وتطويه إنما أنت خازنٌ له وحافظٌ؛ فهو ضد للشيء الذي تزيله وتبطله، والأضداد لا يتسعمل أحدها في موضع الآخر على سبيل المجاز.
٤٣ - ومن خطائه قوله في وصف فرس:
وبشعلةٍ نبذٍ كأن فليلها في صهوتيه بدء شيب المفرق
قوله: " فليلها " يريد ما تفرق منها في صهوتيه، والصهوة: موضع اللبد، وهو مقعد الفارس من الفرس، وذلك الموضع أبدًا ينحت شعره لغمز السرج إياه فينبت أبيض؛ لأن الجلد ههنا يرق، وأنت تراه في الخيل كلها على اختلاف شياتها، وليس بالبياض المحمود ولا الحسن ولا الجميل؛ فهذا خطأ من هذا الوجه.
وهو خطأ من وجه آخر، وهو أن جعله شعلى، والشعلة لا تكون إلا في الناصية أو الذنب، وهو أن يبيض عرضها وناحية منها، فيقال: فرس أشعل وشعلاء، وذلك عيبٌ من عيوب الخيل، فإن كان ظهر الفرس أبيض خلقةً فهو أرحل، ولا يقال أشعل.
وقد أخذ البحتري قوله " بدء شيب المفرق " فجاء به حسنًا جدًا، ثم ما سلم أيضا من العيب، فقال:
[ ١ / ٢٥١ ]
وبشعلةٍ كالشيب مر بمفرقي غزلٍ لها عن شيبه بغرامه
فقال " بشعلة " ولم ينص على موضعها، ومعلوم أنه أراد بياضًا في الناصية، وقال " مر بمفرقي غزل " فأوضح أنه ذلك الموضع أراد، وقال " لها عن شبيه بغرامه " فأتى بشيء يفوق كل حسن، إلا أن البياض في الناصية من عيوب الخيل وكذلك البياض في الذنب، ليس بين الناس في ذلك اختلاف، ويقال لبياض الناصية أيضًا السعف.
وأيضًا؛ فإن البحتري وصف فرسًا أدهم فقال:
جذلان تلطمه جوانب غرةٍ جاءت مجيء البدر عند تمامه
فأي حسن يكون لبياض ناصية على بياض غرة؟ ومن قبيح وصف شيات الخيل قول أبي تمام ف يهذا الفرس أيضًا:
مسود شطرٍ مثل ما اسود الدجى مبيض شطرٍ كابيضاض المهرق
شطر الشيء: جانبه وناحيته، قال الله ﷿: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " أي ناحيته، وقد يراد بالشطر نصف الشيء، يقال: قد شاطرتك مالي، أي: ناصفتك؛ فهذا هو الأكثر الأعم فيما يستعملون، وذلك من أقبح شيات الأبلق على ظاهر هذا المعنى، ولم يرده أبو تمام، وإنما أراد بالشطر ههنا
[ ١ / ٢٥٢ ]
البعض أو الجزء: أي مسود جزء مبيض جزء، فجاء بالشطر لأنها لفظة أحسن من الجزء ومن البعض في هذا الموضع.
والجيد النادر قول البحتري:
أو أبلقٍ يلقى العيون إذا بدا من كل لون معجبٍ بنموذج
وقد جعله أبوتمام في أول الأبيات أشعل بقوله " بشعلة " ثم جعله هنا أبلق؛ فهذا الفرس هو الأشعل الأبلق على مذهبه في هذا التشبيه، ولا ينكر مثل هذا من ابتداعاته.
[ ومن خطأه قوله:
فكم دية تم غدوت تسوقها لها أثر في تالدي غير تالد
وليست ديات من دماء هرقتها حرامًا ولكن من دماء القصائد
قوله: «فكم دية تم» أي تامة، يعني عشرات الألوف التي كان يصله بها.
وقوله: «لها أثر في تالدي» أي في مالي الذي ورثته عن آبائي «غير تالد» أي غير ميراث، يقول: هي زائدة في ميراثي الذي ورثته عن آبائي ومقوية له، وهي غير ميراث منك، بل صلة وتفضل، وإنما لم يذكر أنه]
[ ١ / ٢٥٣ ]
أراد أنها قوت أصل ماله الذي عليه يعول، وزادت فيه، وإذا قوت أصل المال القديم فهي للطريف أيضًا مقوية، ثم قال:
وليست ديات من دماء هرقتها حرامًا ولكن من دماء القصائد
فأتى في هذا بأقبح ما يكون من الخطأ وأشنعه، وهجا ممدوحه، وهذا أبو الحسن بن الهيثم بن شبابة ظن أنه مادحه، فكيف يكون الممدوح قاتلًا لمدائحه التي فيها وصف مفاخره ومناقبه، وهي مشيدة بذكر معاليه وشرف آبائه وفيها إحياء ذكرهم؟ فإذا سفك دماءها فقد محا ذلك كله وهدمه وأبطله وأماته، وجازى القصائد بضد ما تستحقه من تدوينها وروايتها وحفظها وإدامة إنشادها، ثم لم يقنع حتى جعل سفك دمائها حلالًا بقوله:
وليست ديات من دماء هرقتها حرامًا ولكن من دماء القصائد
وحسبه بهذا خطأ وجهلًا وتخليطًا، وخروجًا عن العادات في المجازات والاستعارات.
وقال في آخر هذه القصيدة:
بسباحة تنساق من غير سائق وتنقاد في الآفاق من غير قائد
جلامد تخطوها الليالي وإن سرت لها موضحات في رؤوس الجلامد
فكيف تكون مقتولة مسفوكة الدم، وهي تنساق من غير سائق وتنقاد في الآفاق من غير قائد؟ وكيف تكون كالجلامد تخطوها الليالي ولا تؤثر فيها، وهي أميتت وأبطلت؟
[ ١ / ٢٥٤ ]
فإن قيل: هذا كله إنما جاء به على الاستعارة لا على الحقيقة.
قيل: الاستعارة لا تستعمل إلا فيما يليق بالمعاني، ولا تكون المعاني به متضادة متنافية، ولهذا حدود إذا خرجت عنها صارت إلى الخطأ والفساد.
ومن خطأه قوله:
وقد ظللت أعناق أعلامه ضحى بعقبان طير في الدماء نواهل
نواهل من النهل، وهو الشرب الأول، والعلل: الشرب بعد الشرب.
والعقبان وسائر جوارح الطير لا تشرب الدماء، وإنما تأكل اللحوم.
[ ١ / ٢٥٥ ]
صفحة فارغة
[ ١ / ٢٥٦ ]
الجزء الثالث
[ ١ / ٢٥٧ ]
صفحة فارغة
[ ١ / ٢٥٨ ]
قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي: قد ذكرت في الجزء الثاني الموازنة بين شعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي وشعر أبي عبادة الوليد بن عبيدٍ البحتري، وخطأ أبي تمام في الألفاظ ولامعانين وبيضت آخر الجزء لألحق به ما يمر من ذلك في شعره، وأستدركه من بعد في قصائده.
وأنا أذكر في هذا الجزء الرذل من ألفاظه، والساقط من معانيه، والقبيح من استعاراته، والمستكره المتعقد من نسجه ونظمه، على ما رأيت المتأخرين يتذاكرونه، وينعونه عليه ويعيبونه، وعلى أنى وجدت لبعض ذلك نظائر في أشعار المتقدمين؛ فعلمت أنه بذلك اغتر، وعليه في العذر اعتمد؛ طلبًا منه للاغراق والإبداع، وميلا إلى وحشي المعاني والألفاظ، وإنما كان يندر من هذه الأنواع المستكرهة على لسان الشاعر المحسن البيت أو البيتان يتجاوز له عن ذلك؛ لأن الأعرابي لا يقول إلا على قريحته، ولا يعتصم إلا بخاطره، ولا يستقي إلا من قلبه، وأما المتأخر الذي يطبع على قوالب، ويحذو على أمثلة، ويتعلم الشعر تعلمًا، ويأخذه تلقنًا؛ فمن شأنه أن يتجنب المذموم، ولا يتبع من
[ ١ / ٢٥٩ ]
تقدمه إلا فيما استحسن منهم، واستجيد لهم، واختير من كلامهم، أو في المتوسط السالم إذا لم يقدر على الجيد البارع، ولا يوقع الاحتطاب والاستكثار مما جاء عنهم نادرًا ومن معانيهم شاذًا، ويجعله حجة له وعذرًا؛ فإن الشاعر قد يعاب أشد العيب إذا قصد بالصنعة سائر شعره، وبالإبداع جميع فنونه؛ فإن مجاهدة الطبع ومغالبة القريحة مخرجةٌ سهل التأليف إلى سوء التكلف وشدة النعمل، كما عيب صالح بن عبد القدوس وغيره ممن سلك هذه الطريقة حتى سقط شعره؛ لأن لكل شيء حدًا: إذا تجتوزه سمى مفرطًا، وما وقع الإفراط في شيء إلا شانه، وأعاد إلى الفساد صحته، وإلى القبح حسنه وبهاءه، فكيف إذا تتبع الشاعر مالا طائل فيه: من لفظة شنيعة لمتقدم، أو معنى وحشي فجعله إمامًا، واستكثر من أشباهه، ووشح شعره بنظائره؟ إن هذا لعين الخطأ، وغايةٌ في سوء الاختيار.
[ ١ / ٢٦٠ ]
باب ما في شعر أبي تمام من قبيح الاستعارات
١ - فمن ذول ألفاظه وقبيح استعاراته قوله:
يا دهر قوم من أخدعيك؛ فقد أضججت هذا الأنام من خرقك
٢ - وقال:
سأشكر فرجة الليت الرخى ولين أخادع الدهر الأبى
٣ - وقال:
فضربت الشتاء في أخدعيه ضربةً غادرته عودًا ركوبا
٤ - وقال:
تروح علينا كل يوم وتغتدي خطوبٌ كأن الدهر منهن يصرع
٥ - وقال:
ألا لا يمد الدهر كفا بسيء إلى مجتدى نصرٍ؛ فيقطع للزند
[ ١ / ٢٦١ ]
٦ - وقال:
والدهر ألأم من شرقت بلؤمه إلا إذا أشرقته بكريم
٧ - وقال:
تحملت ما لو حمل الدهر شطره لفكر دهرًا أي عبأيه أثقل
٨ - وقوله يصف قصيدة:
تحل يفاع المجد حتى كأنها على كل رأس من يد المجد مغفر
لها بين أبواب الملوك مزامرٌ من الذكر لم تنفخ ولا هي تزمر
٩ - وقوله:
به أسلم المعروف بالشام بعدما ثوى منذ أودى خالدٌ وهو مرتد
أما وأبي أحداثه إن حادثًا حدا بي عنك العيس للحادث الوغد
١٠ - وقوله:
جذبت نداه غدوة السبت جذبةً فخر صريعًا بين أيدي القصائد
[ ١ / ٢٦٢ ]
١١ - وقوله:
لو لم تفت مسن المجد مذ زمنٍ بالجود ولابأس كان الجود قد خرفا
١٢ - وقوله:
لدى ملكٍ من أيكة الجود لم يزل على كبد المعروف من فعله برد
١٣ - وقوله:
في غلةٍ أوقدت على كبد ال نائل نارًا أخنت على كبده
١٤ - وقوله:
حتى إذا اسود الزمان توضحوا فيه؛ فغودر وهو منهم أبلق
١٥ - وقوله:
إيثار شزر القوى رأى جسد ال معروف أولى بالطب من جسده
١٦ - وقوله:
وما ذكر الدهر العبوس بأنه له ابنٌ كيوم السبت إلا تبسما
[ ١ / ٢٦٣ ]
١٧ - وقوله:
وكم أحرزت منكم على قبح قدها صروف النوى من مرهفٍ حسن القد
١٨ - وقوله يصف الأرض:
إذا الغيث غادى نسجها خلت أنه مضت حقبةٌ حرسٌ له وهو حائك
١٩ - وقوله:
ولا جتذبت فرشٌ من الأمن تحتكم هي المثل في لين بها والأرائك
٢٠ - وقوله:
إذًا للبستم عار دهرٍ كأنما لياليه من بين الليالي عوارك
٢١ - وقوله يرثي غالبًا:
أنزلته الأيام عن ظهرها من بعد إثبات رجله في الركاب
[ ١ / ٢٦٤ ]
٢٢ - وقوله:
كأنني حين جردت الرجاء له غضا صببت لها ماءً على الزمن
٢٣ - وقوله يصف فرسًا:
فكأن فارسه يصرف إذ بدا في متنه ابنًا للصباح الأبلق
وأشباه هذا مما إذا تتبعته في شعره وجدته؛ فجعل كما ترى - مع غثاثة هذه الألفاظ - للدهر أخدعا، ويدًا تقطع من الزند، وكأنه يصرع، ويحل، ويشرق بالكرام، ويتبسم، وأن الأيام تنزله، والزمان أبلق، وجعل للمدح يدًا، ولقصائده مزامر إلا أنها لا تنفخ ولا تزمر، وجعل المعروف مسلمًا تارةً ومرتدًا أخرى، والحادث وغدًا، وجذب ندى الممدوح بزعمه جذبةً حتى خر صريعا بين يدي قصائده، وجعل المجد مما يحقد عليه الخوف، وأن له جسدًا وكبدًا، وجعل لصروف النوى قدا، وللأمن فرشًا، وظن أن الغيث كان دهرًا حائكا، وجعل للأيام ظهرًا يركب، والليالي كأنها عوارك، والزمان كأنه صب عليه ماء، والفرس كأنه ابن الزمان الأبلق؛ وهذه استعارات في غاية القباحة والهجانة والبعد من الصواب.
[ ١ / ٢٦٥ ]
وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس له إذا كان يقار به أو يدانيه، أو يشبهه في بعض أحواله، أو كان سببًا من أسبابه؛ فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه، نحو قول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بجوزه وأردف أعجازًا وناء بكلكل
وقد عاب امرأ القيس بهذا المعنى من لم يعرف موضوعات المعاني ولا المجازات وهو في غاية الحسن والجودة والصحة، وهو إنما قصد وصف أجزاء الليل الطويل فذكر امتداد وسطه، وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث، وترادف أعجازه وأواخره شيئًا فشيئًا، وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئته، وذلك أشد ما يكون على من يثراعيه ويترقب تصرمه؛ فلما جعل له وسطًا يمتد وأعجازًا رادفة للوسط وصدرًا متثاقلا في نهوضه حسن أن يتسعير للوسط اسم الصلب، وجعله متمطيًا من أجل امتداده؛ لأن تمطى وتمدد بمنزلة واحدة، وصلح أن يتسعير للصدر اسم الكلكل من أجل نهوضه، وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة، وأسد ملاءمةً لمعناها لما استعيرت له.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وكذلك قول زهير: ِوعرى أفراس الصبا ورواحله لما كان من شأن ذى الصبا أن يوصف أبدًا بأن يقال: ركب هواه، وجرى في ميدانه، وجمح في عنانه، ونحو هذا، حسن أن يستعار للصبا اسم الأفراس، وأن يجعل النزوع أن تعرى أفراسه ورواحله، وكانت هذه الاستعارة أيضًا من أليق شيء لما استعيرت له.
ونحو ذلك قول طفيل الغنوى:
وجعلت كورى فوق ناجيةٍ يقتات شحم سنامها الرحل
لما كان شحم السنام من الأشياء التي تقتات، وكان الرحل أبدًا يتخوفه ويتنقص منه، ويذيبه - كان جعله إياه قوتًا للرحل من أحسن الاستعارات، وأليقها بالمعنى.
وكذلك قول عمرو بن كلثوم:
ألا أبلغ النعمان عني رسالةً فمجدك حوليٌ ولؤمك قارح
لما جعل مجده حديثًا غير قديم حسن أن يقول " حولي "؛ لأن العرب إذا نسبت الشيء إلى الصغر وقصر المدة قالوا: حوليٌ؛ لأن أقل عدد الأحوال - وهي السنون - حول واحد، ولهذا قال حسان:
[ ١ / ٢٦٧ ]
لو يدب الحولي من ولد ال ذر عليها لأندبتها الكلوم
لم يرد بالحولى من ولد الذر ما أتى عليه الحول، ولكنه أراد بالحولي أصغر ما يكون من الذر، وإنما أخذ ذلك من قول امرئ القيس:
من القاصرات الطرف لو دب محولٌ من الذر فوق الإتب منها لأثرا
ومما يدل على صحة المعنى وأن الحولي إنما يراد به الصغر دون معنى الحول قول الراجز:
واستبقت تحذف حولي الحصى
فأراد بحولي الحصى أصغره، وقول الآخر أنشده ثعلب:
تلقط حولي الحصى في منازلٍ من الحي أضحت باللحيين بلقعا
ولما جعل لؤمه قديمًا حسن أن يقول " قارح ".
ونحو ذلك قول أبي ذؤيب:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع
لما كانت المنية - إذا نزلت بالإنسان خالطته - صح أن يقال: نشبت فيه، وصح أن يستعار لها اسم الأظفار؛ لأن النشوب قد يكون بالظفر.
وعلى هذا جاءت الاستعارات في كتاب الله تعالى اسمه، نحو قوله
[ ١ / ٢٦٨ ]
عزة وجل: واشتعل الرأس شيبًا لما كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئًا فشيئًا حتى يحيله إلى غير حالة الأولى كالنار التى تشتعل في الجسم من الأجسام فتحيله إلى النقصان والاحتراق، وكذالك قوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار لما كان انسلاخ الشئ من الشيء وهو أن يتبرأ منه ويتزيل منه حالا فحالا كالجد من الحم وما شا كلهم انفصال النهار عن الليل شيئًا فشيئًا حتى يتكامل الظلام انسلاخ، وكذلك قوله ﷿: فصب عليهم ربك سوط عذاب لما كان الضرب بالسقوط من العذاب استعير للعذاب سوط.
فهذا مجرى الاستعارات في كلام العرب.
وأما قول أبي تمام ولين أخداع الزمان الأبى فأى حاجة إلى الأخداع حتى يستعيرها للزمن؟ وكان يمكنه أن يقول: ولين معاطف الدهر الأبى، أو لين جوانب الدهر، أو خلائق الدهر، كما تقول: فلان سهل الخلائق، ولين الجوانب، وموطأ الأكتاف، ولأن الدهر
[ ١ / ٢٦٩ ]
يكون سلًا وحزينًا ولينًا وصعبا على قدر تصرف الأحوال فيه؛ لأن هذه الألفاظ كانت أولى بالاستعمال في هذا الوضع، وطانت تنوب عن المعنى الذى قصده، ويتخلص من قبح الأخداع؛ فإن الكلام متسعًا، ألا ترى إلى قوله ما أحسنه وما أو ضحه:
ليالى نحن في وسنلت عيش كأن الدهر عنا في وثاق
وأيامًا لنا وله لدانا غنينا في حواشيها الرقاق
فاستعار للأيام الحواشى، وقوله:
أيامنا مصقولةٌ أطرافها بك، والليالى كلها أسحار
وأبلغ من هذا وأبعد من التكلف وأشبه بكلام العرب قوله:
سكن الزمان فلا يد مذمومة للحادثات ولا سوام تذعر
فقد تراه كيف يخلط الحسن بالقبيح، والجيد بالردى، وإنما قبح الأخداع لما جاء به مستعارًا للدهر، ولو جاء في غير هذا الموضع أو أتى به حقيقة ووضعه في موضعه ما قبح، نحو قول البحترى:
[ ١ / ٢٧٠ ]
وأعتقت من ذلك المطامع أخدعى
ونحو قوله:
ولا مالت بأخدعك الضياع
ومما يزيد على كل جيدٍ قول الفرزدق:
وكنا إذا الجبار صعر خده ضربناه حتى تستقيم الأخادع
فأما قوله: " فضربت الشتاء في أخدعيه " فإن ذكر الأخدعين - على قبحهما - أسوغ؛ لأنه قال " ضربةً غادرته عودًا كوبًا " وذلك أن العود المسن من الإبل يضرب على صفحتي عنقه فيذل؛ فقربت الاستعارة ههنا من الصواب قليلا، ومن القبيح في هذا قوله:
يا دهر قوم من أخدعيك فقد أضججت هذا الأنام من خرقك
أي ضرورةٍ دعته إلى الأخدعين؟ وكان يمكنه أن يقول " من اعوجاجك " أو " قوم ما تعوج من صنعك " أي: يا دهر أحسن بنا الصنيع؛ لأن الأخرق هو الذي لا يحسن العمل، وضده الصنع، وكذلك قوله:
تحملت ما لو حمل الدهر شطره لفكر دهرًا أي عبأيه أثقل
[ ١ / ٢٧١ ]
فجعل للدهر عقلا، وجعله مفكرًا في أي العبأين أثقل، وما معنى أبعد من الصواب من هذه الاستعارة، وكان الأشبه والأليق بهذا المعنى لما قال " تحملت ما لو حمل الدهر شطره " أن يقول: لتضعضع، أو لا نهد، أو لأمن الناس صروفه ونوازله، ونحو هذا مما يعتمده أهل المعاني في البلاغة والإفراط.
وإنما رأى أبو تمام أشياء يسيرةً من بعيد الاستعارات متفرقةً في أشعار القدماء كما عرفتك لا تنتهي في البعد إلى هذه المنزلة، فاحتذاها، وأحب الإبداع، وأغرق في إيراد أمثالها، واحتطب، واستكثر منها: فمن ذلك قول ذى الرمة:
تيممن يا فوخ الدجى فصدعنه وجوز الفلا صدع السيوف القواطع
فجعل للدجى يافوخا، وقول تأبط شرًا:
نحز رقابهم حتى نزعنا وأنف الموت منخره رثيم
فجعل للموت أنفا، وقول ذى الرمة:
يعز ضعاف القوم عزة نفسه ويقطع أنف الكبرياء عن الكبر
[ ١ / ٢٧٢ ]
فجعل للكبرياء أنفًا، وقال معقل بن خويلد الهذلي، أو غيره:
تخاصم قومًا لا تلقى جوابهم وقد أخذت من أنف لحيتك اليد
فجعل للحية أنفًا: أي قبضت بيدك على طرف لحيتك كما يفعل النادم أو المموم، وما أظن ذا الرمة أراد بالأنف إلا أول الشيء والمتقدم منه، كما قال يصف الحمار:
إذا شم أنف الضيف ألحق بطنه مراس الأواصي وامتحان الكرائم
وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتاب الشعراء: وهذا البيت غر الطائي حتى أتى به وإنما أراد ذو الرمة بقوله (أنف الضيف) أول الضيف كقولهم أنف النهار: أي أوله ورعينا أنف النهار أي أوله قال أمروء القيس:
قد غدا يحملني في أنفه لاحق لاحق الإطلين محبوك ممر
وقوله في أنفه أي في أول جريه وأشده ويقال في أنفه في أنف
[ ١ / ٢٧٣ ]
الغيث الذي ذكره، أي في أوله، يقول: لم يطأ هذا الغيث أحدٌ قبلي، ولم يذهب هذا الشاعر حيث ذهب أبو العباس، وكذلك قول أعرابي يصف البرق:
إذا شم أنف الليل أومض وسطه سنًا كابتسام العامرية شاغف
إنما أراد إذا اشتم أول الليل، وقال آخر أنشدناه الأخفش عن ثعلب يذم رجلا:
ما زال مجنوبًا على است الدهر ذا جسدٍ ينمى وعقلٍ يحرى
فجعل للدهر استًا، وقول شاتم الدهر أحد شعراء عبد القيس:
ولما رأيت الدهر وعرًا سبيله وأبدى لنا ظهرًا أجب مسلعا
ومعرفةً حصاء غير مفاضةٍ عليه ولونًا ذا عثانين أجدعا
[ ١ / ٢٧٤ ]
وجبهة قردٍ كالشراك ضئيلةً وصعر خديه وأنفًا مجدعا
فجعل للدهر ظهرًا أجب، ومعرفةً حصاء، ولونًا ذا عثانين، وشبه جبهته بجبهة قرد، وجعل أنفه أنفًا مجدعا، وهذا الأعرابي إنما تملح بهذه الاستعارات في هجائه للدهر، وجاء بها هازئًا، ومثل هذا في كلامهم قليل جدًا، وليس مما يعتمد ويجعل أصلا يحتذى عليه ويستكثر منه.
٢٤ - ومن ردئ استعاراته وقبيحها وفاسدها قوله:
لم تسق بعد الهوى ماء أقل قذى من ماء قافيةٍ يسقيكه فهم
فجعل للقافية ماء على الاستعارة؛ فلو أراد الرونق لصلح، ولكنه قال " يسقيكه " ففسد معنى الرونق؛ لأنك إذا قلت " هذا ثوب له ماء " لم تجعل الماء مشروبًا فتقول: ما
[ ١ / ٢٧٥ ]
شربت ماء أعذب من ماء أعذب من ماء ثوب شربته عند فلان، أورأيته على فلان الملك؛ وكذلك لا تقول: ما شربت ماء أعذب من ماء " قفا نبك " أو أعذب من ماء قصيدة كذا؛ لأن للستعارة حدًا تصلح فيه، فإذا جاوزته فسدت وقبحت.
فأما قولهم " فلان حلو الكلام " و" عذب المنطق " أو " كأن ألفاظه فتات السكر " فهذا كلام الناس على هذه السياقة، وليس يريدون حلاوة على اللسان، ولا عذوبة في الفم، وإنما يريدون عذبًا في النفوس، وحلوًا في القلوب، كما قال هو، أعني أبا تمام:
يستنبط الروح اللطيف نسيمها أرجًا، وتؤكل بالضمير وتشرب
وكذلك قولهم " حلو المنظر " إنما يريدون حلوا في العين، ولا تقول: ما ذقت أحلى من كلام فلان، ولا ما شربت أعذب من ألفاظ عمرو؛ لأن هذا القول صيغة الحقيقة، لا الاستعارة، ولا تقل: ما شر بت أعذب من عمرو، ولا ما أكلت أحلى من عبسد الله، فاعلم هذا؛ فإن حدود الاستعارة معلومة.
[ ١ / ٢٧٦ ]
فأما قوله:
لمكاسر الحسن بن وهب أطيب وأمر في حنك الحسود وأعذب
فالمكاسر: الأخلاق، وإنما أراد أمر في حنك العدو إذا نطق بها، أو أمر في حنكه أن يذكرها، أو يخبر بها، وأعذب في حنك وليه ووديده إذا نشرها، وكما قال زهير:
تلجلج مضغةً فيها أنيضٌ أصلت فهي تحت الكشح داء
لأنه أراد كلمةً فصلح أن يقول أنيض: أي لم تنضج، وأصلت: تغيرت وأنتنت، وذلك لما جعلها مضغة أي لقمة في فيه؛ فهذا طريق الاستعارة فيما يصلح وبفسد؛ فتفهمه فإنه واضح.
وأما قوله:
لا تسقني ماء الملام فإنني صبٌ قد استعذبت ماء بكائي
فقد عيب، وليس بعيب عندي؛ لأنه لما أراد أن يقول " قداستعذلت ماء بكائي " جعل للملام ماء؛ ليقابل ماء بماءٍ وإن لم يكن للملام ماء على الحقيقة، كما قال الله ﷿: " وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها " ومعلوم أن الثانية ليست بسيئة، وإنما هي جزاء السيئة؛ وكذلك: " إن
[ ١ / ٢٧٧ ]
تسخروا منا فإنا نسخر منكم " والفعل الثاني ليس بسخريةٍ، ومثل هذا في الشعر والكلام كثير مستعمل.
فلما كان مجرى العادة أن يقول القائل: أغلظت لفلان القول، وجرعته منه كأسًا مرة، وسقيته منه أمر من العلقم، وكان الملام مما يستعمل فيه التجرع على الاستعارة - جعل له ماء على الاستعارة، ومثل هذا كثير موجود.
وقد احتج محتج لأبي تمام في هذا بقول ذى الرمة:
أدارًا بحزوى هجت للعين عبرةً فماء الهوى يرفض أو يترقرق
وقول الآخر:
وكأسٍ سباها التجر من أرض بابلٍ كرقة ماء البين في الأعين النجل
وهذا لا يشبه ماء الملام؛ لأن ماء الملام استعارة، وماء الهوى ليس باستعارة؛ لأن الهوى يبكى؛ فتلك الدموع هي ماء الهوى في الحقيقة، وكذلك البين يبكي؛ فتلك الدموع هي ماء البين على الحقيقة.
فإن قيل: فإن أبا تمام أبكاه الملام، والملام قد يبكي على الحقيقة؛ فتلك الدموع هي ماء الملام على الحقيقة.
قيل: لو أراد أبو تمام ذلك لما قال " قد استعذبت ماء بكائي " لأنه لو بكى من الملام لكان ماء الملام هو ماء بكاء أيضًا، ولم يكن يستعفى منه
[ ١ / ٢٧٨ ]
٢٥ - ومن ردئ استعارته وقبيحها قوله:
مقصرٌ خطوات البث في بدني علمًا بأني ما قصرت في الطلب
فجعل للبث - وهو أشد الحزن - خطواتٍ في بدنه، وأنه قد قصرها؛ لأنه ما قصر في الطلب، وهذا من وساوسه المحكمة، وإنما أراد به قد سهل أمر الحزن عليه أنه ما قصر في الطلب؛ لأنه لو قصر كان يأسف ويشتد حزنه، فجعل للحزن خطى في بدنه قصيرةً لما جعله سهلا خفيفًا، وهذا ضد المعنى الذي أراد؛ لأن الخطى إذا طالت أخذت من الشيء الذي تمر عليه أقل مما تأخذه الخطى القصيرة؛ فعلى هذا يجوز أن يقع قلبه أو كبده بين تلك الخطى الطويلة فلا يمسها من البث - وهو الحزن - قليلٌ ولا كثير.
فإن قيل: إنما أراد أن الحزن هو في قلبه خاصة، وأن قوله " في بدني " أي في قلبي؛ لأن قلبه في بدنه.
قيل: الأمر واحد في أن الخطى إذا طالت على الشيء - قلبه كان أو ما سواه - أخذت منه أقل مما تأخذ إذا قصرت.
فإن قيل: أراد بطول الخطى الكثرة وبقصرها القلة.
قيل: هذا غلط من التأويل، وليس العمل على إرادته، وإنما العمل على توجيه معاني ألفاظه.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وبعد، فإن من أعجب الوسواس خطوات البث في البدن.
٢٦ - ومن ردئ استعاراته وقبيحها قوله:
جارى إليه البين وصل خريدةٍ ماشت إليه المطل مشى الأكبد
الهاء في " إليه " راجعةٌ إلى المحب، يريد أن البين " ووصل الخريدة تجاريا إليه، فكأنه أراد أن يقول: إن البين " حال بينه وبين وصلها، واقتطعها عن أن تصله، وأشباه هذا من اللفظ المستعمل الجاري، فعدل إلى أن جعل البين والوصل تجاريا إليه، وأن الوصل في تقديره جرى إليه يريده فجرى البين ليمنعه، فجعلهما متجاريين، ثم أتى في المصراع الثاني بنحو من هذا التخليط، فقال: ماشت إليه المطل مشى الأكبد، فالهاء هنا راجعة إلى الوصل: أي لما عزمت على أن تصله عزمت عزم متثاقلٍ مماطل فجعل عزمها مشيا، وجعل المطل مماشيا لها، فيا معشر الشعراء والبلغاء ويا أهل اللغة العربية: خبرونا كيف يجاري البين وصلها؟ وكيف تماشي هي مطلها؟ ألا تسمعون؟ ألا تضحكون؟ وأنشد أبو العباس ابن المعتز في كتاب سرقات الشعراء لسلم الخاسر يعيبه بردئ الاستعارة في قوله يري موسى الهادي:
[ ١ / ٢٨٠ ]
لولا المقابر ما حط الزمان به لا، بل تولى بأنفٍ كلمه دامي
وقال: هذا ردئ كأنه من شعر أبي تمام الطائي! وليت لم يكن لأبي تمام من ردئ الاستعارة إلا مثل استعارة سلم هذه أو نحوها، ونعوذ بالله من حرمان التوفيق.
[ ١ / ٢٨١ ]