قال أبو تمام:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا وكفى على رزئي بذاك شهيدا
دمنٌ كأن البين أصبح طالبًا دينا لدى آرامها وحقودا
قربت نازحة القلوب من الجوى وتركت شأو الدمع فيك بعيدا
خضلًا إذا العبرات لم تبرح لها وطنًا سرى قلق المحل طريدا
وقوله " وكفى على رزئي بذاك شهيدا " ليس بالجيد، وقد ذكرت معناه فيما تقدم من ذكر معانيه في باب الابتداءات عند ذكر البيت، وقوله قربت نازحة القلوب من الجوى " يريد القلوب التي بعد عهدها بمرض الحب فأدنيتها من ذلك عند الوقوف عليك، يخاطب الطلل والدمن، وقوله " وتركت شأو الدمع فيك بعيدًا " أي: دائمًا طويلا، وقوله " خضلا إذا العبرات لم تبرح لها وطنًا سرى قلق المحل طريدًا " أي: من كان إنما يبكي في وطنه على الحوادث التي تحدث عليه فيه سرى هذا الدمع قلق المحل طريدا، أي اعتسف المسير لطوله حتى يحل بهذه الدمن، وهذا نحو من قوله:
[ ١ / ٤٧٤ ]
فما وجدت على الأحشاء أبرد من دمعٍ على وطن لي في سوى وطني
فقوله " على وطن " يعني الرسوم والطلول التي يقف عليها، وهذا من جيد ألفاظه وصحيح معانيه، وغرضه فيما وصف من الدمع غرضٌ حسن، وأحسن منه وألطف وأغرب قوله:
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا فلا تكفن عن شانيك أو يكفا
لا عذر للصب أن يقنى السلو ولا للدمع بعد مضى الحي أن يقفا
حتى يظل بماء سافحٍ ودمٍ في الربع يحسب من عينيه قدر عفا
وهذا المعنى ليس له، وإنما أخذه من قول أبي وجزة السعدي:
عيونٌ ترامى بالرعاف كأنها من الشوق صردانٌ تدب وتلمع
قيل في تفسيره: شبه الدمع وقد عصفره الدم بالرعاف، وشبه العيون - وهي تفيض بالدمع تارة وتحبسه أخرى - بالصردان تنتفض تارة وتظهر قريبا من الأرض تارة، وبيت أب يتمام أجود لفظًا ونظمًا، ولا أظن البحتري ذهب إلى مثل هذا المعنى، ولا للمعنى الذي قبله
[ ١ / ٤٧٥ ]
في وصف الدمع، ولكنه يعتذر مرةً بقلة دمعه، ومرة يذكر كثرته ويفتخر بغزره، وفي كل ذلك يحسن ويجيد؛ فمن اعتذاره قوله في قصيدته التي أولها:
فيم ابتدار كما الملام ولوعا أبكيت إلا دمنةً وربوعا
يا دار غيرها الزمان وفرقت أيدي الحوادث شملها المجموعا
لو كان لي دمعٌ يحسن لوعتي خليته في عرصتيك خليعا
لاتخطبي دمعي إلى؛ فلم يدع في مقلتي جوى الفراق دموعا
قوله في ابتداء القصيدة " أبكيت إلا دمنةً وربوعا " قد أخبر أنه بكى ثم قال " لو كان لي دمع يحسن لوعتي " أي: لو كان ل يدمع غزير يليق بلوعتي وينبئ عنها، وكذلك قوله " فلم يدع في مقلتي جوى الفراق دموعا " أي: دموعا كافية أرضاها، أو دموعا تشفيني؛ لأنه استقل دمعه واستنزره، أو أن يكون انقطع دمعه وفنى، ولله در كثير إذ يقول:
وقضين ما قضين ثم تركنني بفيفا خريم واقفًا أتلدد
ولم أر مثل العين ضنت بمائها على، ولا مثلي على الدمع يحسد
[ ١ / ٤٧٦ ]
وقال أبو تمام:
أقشيب ربعهم أراك دريسًا تقرى ضيوفك لوعةً ورسيسا
ولئن حبست علىلبلى لقد اغتدى دمعى عليك إلى الممات حبيسا
وأرى رسومك موحشاتٍ بعدما قد كنت مألوف المحل أنيسا
وبلاقعًا حتى كأن قطينها حلفوا يمينًا أخلفتك غموسا
وهذا كلام رصينٌ، وقوله " حلفوا يمينا أخلفتك " أي: كأنهم حلفوا يمينا ألا يعودوا إليك، فأخلفتك هذه اليمين.
ومن حلو معانيه وجيد ألفاظه في البكاء على الديار قوله:
دمنٌ لوت عزم الفؤاد ومزقت فيها دموع العين كل ممزق
وقال أيضًا:
سقى عهد الحمى سبل العهاد وروض حاضرٌ منه وبادي
نزحت به ركى العين إني رأيت الدمع من خير العتاد
وهذا البيت في غاية الجودة لفظه ومعناه،
[ ١ / ٤٧٧ ]
يريد فيا حسن الرسوم ولم يمش إليها الدهر: أي لم يصبها الدهر ببعد أهلها عنها، فأخرجه هذا المخرج القبيح المستهجن.
ومن إحسان أبي عبادة المشهور في هذا قوله:
أمحلتى سلمى بكاظمة اسلما وتعلمًا أن الهوى ما هجتما
هل ترويان من الأحبة هائمًا أو تسعدان على الصبابة مغرما
أبكيكما دمعًا ولو أنى على قدر الجوى أبكى بكيتكما دما
ومن جيد شعر أبي تمام أيضا في هذا الباب قوله:
أرامة كنت مألف كل ريم لو استمتعت بالأنس القديم
أدار البؤس حسنك التصابي إلى فصرت جنات النعيم
لئن أصبحت ميدان السوافي لقد أًصبحت ميدان الهموم
ومما ضرم البرحاء أنى شكوت وما شكوت إلى رحيم
أظن الدمع في خدي سيبقى رسومًا من بكائي في الرسوم
[ ١ / ٤٧٨ ]
وهذا من أسهل كلامه وأسلس نظمه، ومن أبعد قولٍ من التكلف والتعسف، وأشبهه بكلام المطبوعين وأهل البلاغة، وقوله " فصرت جنات النعيم " معنىً حسنٌ، ولكن فيه إسراف أن يجعل دارًا خلت من أهلها وسماها دار بؤس وهو باكٍ فيها جنات النعيم.
وقد أتى البحتري بهذا المعنى متبعًا فيه أبا تمام، ولكنه جاء به على سبيل اقتصادٍ واعتدالٍ، واجتنب إفراطه، فقال:
يا مغاني الأحباب صرت رسومًا وغدا الدهر فيك عندي ملوما
ألف البؤس عرصتيك وقد كن ت بعيني جنةً ونعيمًا
فقال " ألف البؤس عرصتيك " ثم قال " وقد كنت بعيني جنة ونعيما " فجعلها جنة ونعيما فيما مضى، ومع هذا فإني أقول: إن بيت أبي تمام أحسن، وهو في سائر أبياته أشعر.
وقال البحتري:
لعمرك إن الدراسات لقد غدت بريا سعاد وهي طيبة العرف
بكينا فمن دمع يمازجه دم هناك، ومن دمع نجود به صرف
وهذا حسن جدًا، وإنما أخذ قوله «بريا سعدا وهي طيبا العرف) من قول الآخر، أنشده الأخفش عن المبرد:
وأستودعت نشرها الديار؛ فما تزداد إلا طيبا على القدم
وهذا أجود من بيت البحتري، لما فيه من الزيادة الحسنة، وهي قوله «فما تزداد إلا طيبا على القدم».
[ ١ / ٤٧٩ ]
وهذا أجود من بيت البحتري، لما فيه من الزيادة الحسنة، وهو قوله: "فما تزداد إلا طيبًا على القدم"
وقال البحتري:
ترى الليل يقضى عبقةً من هزيعه أو الصبح يجلو غرة من صديعه
أو المنزل العافي يرد أنيسه بكاء على أطلاله وربوعه
إذا ارتفق المشتاق كان سهاده أحق بجفني عينه من هجوعه
وهذا لفظ فحلٌ، ومعان في غاية الصحة والاستقامة.
وللبحتري في وصف الديار والبكاء عليها مذهب آخر، وهو حسنٌ جدًا، ومن ذلك قوله:
أبكاءً في الديار بعد الدار؟ وسلوًا بزينب عن نوار؟
لا هناك الشغل الجيد بحزوى عن رسوم برامتين قفار
ما ظننت الأهواء قبلت تحمى من صدور العشاق محو الديار
نظرةٌ ردت الهواء الشرق غربًا وأمالت نهج الدموع الجواري
وهذا غرض حلو، ومعنى لطيف،
[ ١ / ٤٨٠ ]
ومثله قوله، ولكن ليس فيه ذكر البكاء:
أبيت بأعلى الحزن والرمل دونه مغانٍ لها ومجفوةٌ وطلولُ
وقد كنت أرجو الريح غربًا مهبها فقد صرت أهوى الريح وهي قبول
وذلك لأن القبول هي الصبا، ومهبها من مطلع الشمس، ونحوه قوله:
كلفتني أريحيات الصبا طلقًا في الحب ممتد الرسن
نقلتني في هوى بعد هوى وابتغت لي سكنًا بعد سكن
وقوله:
ما ظننت الأهواء بعدك تمحى من صدور العشاق محو الديار
معنىً حسنٌ، وإنما أخذه من قول أبي تمام:
زعمت هواك عفا الغداة كما عفت منها طلولٌ باللوى ورسوم
وبيت البحتري أحلى وأبرع وقال البحتري في وجه آخر، وهو أيضًا حسن لطيف:
في كل يومٍ دمنةٌ من حبهم تقوى، وربعٌ بعدهم يتأبد
أوما كفانا أن بكينا غربا حتى شجتنا بالمنازل ثهمد
[ ١ / ٤٨١ ]
ومثله قوله:
هو الدمع موقوفًا على كل دمنةٍ تعرج فيها أو خليطٍ تزايله
تراد فهم خفض الزمان ولينه وجادهم طل الربيع ووابله
وإنما حذا البحتري هذا المعنى على حذو قول كثير:
وكنت امرأ بالغور مني صريمة وأخرى بنجدٍ، ما تعبد وما تبدى
فطورًا أكر الطرف نحو نهامةٍ وطورًا أكر الطرف كرًا إلى نجد
وأبكي إذا فارقت هندًا صبابةً وأبكي إذا فارقت دعدًا على دعد
وهذا ما لا مزيد فيه على حسنه وطلاوته، ومثله قول جرير:
أخالد قد علقتك بعد هندٍ فشيبني الخوالد والهنود
هوى بتهامة هوى بنجدٍ فقتلني التهائم والنجود
وقال جرير في نحو هذا:
إلى الله أشكو أن بالغور حاجةً وأخرى إذا أبصرت نجدًا بداليا
ومثله قوله أيضًا:
أحب ثرى نجدٍ، وبالغور حاجةٌ فغار الهوى يا عبد قيسٍ وأنجدا
[ ١ / ٤٨٢ ]