وأفتتح هذا الباب بما لهما من ابتداآت القصائد في نحو معانيه.
قال أبو تمام:
نسج المشيب له لفاعًا مغذفا يققًا فقنع مذوريه ونصفا (١)
قوله: «لفاعًا» يريد لباسًا، يقال: لفع المشيب رأسه: إذا شمله وعلاه.
والمغدوف: المسبل، يقال: أغدفت الستر إذا أسبلته، ومذرواه ها هنا: فودا، ومذروا كل شيء: ناحيتاه وقد استعملا كثيرًا في أطراف الأليتين حتى صارا كالاسم لهما.
وقوله: «نصفا» أي قنع جانبي رأسه حتى بلغ النصف منه.
وقد قيل: إنما أراد بقوله: «نصفا» النصيفا، وهو قناع لطيف؛ يكون مثل نصف القناع الكبير، وقد ذكره النابغة فقال:
* سقط النصيف ولم ترد إسقاطه (٢) *
فإن ذلك لا وجه له (٣) بعد ذكر القناع، وإنما أراد أبو تمام ما أراده الآخر بقوله:
/ أصبح الشيب في المفارق شاعا واكتسى الرأس من مشيب قناعا
فالمعنى مكتف بقوله: «قنع مذرويه»، وقوله: «نصفا» أي بلغ نصف رأسه.
[ ٢ / ١٩٠ ]
وقال أبو تمام:
يضحكن من أسف الشباب المدبر يبكين من ضحكات شيب مقمر (١)
وهذا بيت رديء، وما سمعت بضحك من الأسف إلا في هذا البيت، وكأنه أراد قول الآخر:
* وشر الشدائد ما يضحك *
فلم تهتد لمثل هذا الصواب.
وقوله: «من ضحكات شيب مقمر» ليس بالجيد أيضًا، ولو كان ذكر الليل على الاستعارة لحسن أن يقول مقمر؛ لأنه كان يجعل سواد الشعر ليلًا، وبياضه بالمشيب إقماره، لأن قائلًا لو قال: أقمر ليل رأسك، كان من أصح الكلام وأحسنه، وإن لم يذكر الليل أيضًا حتى يقول: قد أقمر عارضاك، أو فؤادك لكان حسنًا مستقيمًا، وهو دون الأول في الحسن؛ وذلك أنه قد علم أنهما كانا مظلمين فاستنارا (٢)
وسقى الله البحتري الغيث إذ يقول:
ليال سرقناها من الدهر بعد ما أضاء بإصباح من الشيب مفرق (٣)
وإنما أراد أبو تمام قول دعبل:
* ضحك المشيب برأسه فبكى (٤) *
فأفسد المعنى.
[ ٢ / ١٩١ ]
وقال:
أبدت أسى أن رأتني مخلس القصب وآل ما كان من عجب إلى عجب (١)
/ يقال: رأس مخلس، وخليس: إذا اختلط به الشيب، والقصب: هي خصلة الشعر.
«وآل ما كان من عجب إلى عجب»، أي عجب ومحبة، «وإلى عجب» أي عجب من شيء.
وقال في العزوف عن الصبا:
أبى: فلا شنبًا يهوى ولا فلجا ولا احورارًا يراعيه ولا دعجا (٢)
وهذان ابتداآن صالحان.
وللبحتري في هذا الباب ابتداآت كثيرة تصرف فيها أحسن تصرف، وافتن فيها أحلى افتنان، وذلك قوله:
أبعد المشيب المنتضى في الذوائب أحاول لطف الود عند الكواعب (٣)
وقال:
رأت وخط شيب في عذارى فصدت ولم تنظرني من جوى قد أجدت (٤)
وقوله:
غلس الشيب أو تعجل ورده واستعار الشباب من لا يرده (٥)
[ ٢ / ١٩٢ ]
وقوله:
أما الشباب فقد سبقت بغضه وحططت رحلك مسرعًا من نقضه (١)
وقوله:
ترك الشباب للابسيه وبيضا ونضا من الستين عنه ما نضا (٢)
/ وقوله:
لابس من شبيبة أم ناض ومليح من شيبة أم راض (٣)
وقوله:
شرخ الشباب أخو الصبا وأليفه والشيب تزجيه الهوى وخفوفه (٤)
وقوله:
ها هو الشيب لائمًا فأفيقي واتركيه إن كان غير مفيق (٥)
وقوله:
قالت الشيب أتى قلت أجل سبق الوقت ضرارًا وعجل (٦)
وقوله:
تقضى الصبا إلا تلوم راحل وأغنى المشيب عن ملام العواذل (٧)
[ ٢ / ١٩٣ ]
أكان الصبا إلا خبالًا مسلما أقام كرجع الطرف ثم تصرما (١)
وقوله:
لا جديد الصبا ولا ريعانه راجع بعدما تقضى زمانه (٢)
وقوله:
/ بان عهد الصبا وباقي جديده بين أعوان طالب ووجوده (٣)
وقوله:
خطته فلم تحفل به الأعين الوطف وكان الصبا إلفًا فودعه الإلف
وقال في العزوف عن الصبا:
إليك ما أنا عن لهو ولا طرب منيت مني بقلب غير منقلب (٤)
وقال:
أطاع عاذله في الحب إذ نصحا وكان نشوان من سكر الصبا فصحا (٥)
وقال:
في الشيب زجر له لو كان ينزجر وواعظ منه لولا أنه حجر (٦)
[ ٢ / ١٩٤ ]
وقال:
أنزاعًا في الحب بعد نزوع وذهابًا في الغي بعد رجوع (١)
وقال:
لأية حال أعلن الوجد كاتمه وأقصر عن داعي الصبابة لائمه (٢)
وقال:
إني تركت الصبا عمدًا فلم أكد من غير شيب ولا عذل ولا فند (٣)
/ وهذا باب أبر فيه البحتري على أبي تمام.
قوله: «أبعد المشيب المنتضى» (٤) ويقال: نضا الحناء عن اليد ينضو، ونضا ثوبه عنه ينضوه، أي نزعه، وانتضى السيف: انتزعه من غمده، فجعل الشيب منتضى في الذوائب أي مشهورًا فيها على الاستعارة، كأنه جعله سيفًا سل في رأسه.
وأجود من هذا قوله:
وددت بياض السيف يوم لقينني مكان بياضر الشيب كان لمفرقي (٥)
[ ٢ / ١٩٥ ]