ونعوتهن، وشدة الشوق، والتذكر، والوجد، والغرام
وافتتح هذا الباب بما جاء عنهما من الابتداآت في هذه المعاني، وأبوبها أبوابًا؛ لتصح الموازنة بينهما.
ذكر ابتداآتهما بتشبيه النساء بالظباء والبقر
قال أبو تمام:
نوار في صواحبها نوار كما فاجاك سرب أو صوار (١)
«نوار» اسم امرأة، «في صواحبها نوار» أي نفور، أي هي نفور في صواحبها، أي مع صواحبها، فجعلن جميعًا نوافر.
«كما فاجاك سرب أو صوار»، فالسرب: الجماعة من الظباء ههنا، والصوار: الجماعة من بقر الوحش، أي فيها وفي صواحبها نفار كما تفاجئك الظباء والبقر فتراهن نوافرعنك.
وإنما ذكر الظباء والبقر جميعًا لأن النساء يشبهن بهن في حسن عيونهن وفي قد تكون بمعنى مع، قال الجعدي:
ولوح ذراعين في بركة إلى جؤجؤ رهل المنكب (٢)
أي مع بركة.
[ ٢ / ٥٩ ]
وصدر هذا البيت ليس بجيد.
وقال:
مهاة النقا لولا الشوى والمآبض وإن محض الإعراض لي منك ماحض (١)
الشوى: يريد القوائم، والمآبض: الأرفاغ (٢)، والمهاة: البقر.
يقول: أنت مهاة النقا لولا قوائمها فإنها ليست كقوائمك، وكذلك المآبض.
وفي البقر أشياء أخر ليست في الناس منها القرون، والأذناب وسائر خلقها، وما هناك من الشبه غير العيون وإذا مشى النساء شبهن بالبقر.
فلم يمكنه أن يقول: مهاة النقا لولا الشوى، والمآبض، والأظلاف، والقرون، والشعر، والجلد، وغير ذلك مما ليس في الإنسان.
وإذا اقتصر الإنسان على بعض هذه الأشياء أجزأته، وإنما أخطر أبو تمام بباله قول الشاعر:
فعيناك عيناها، وجيدك جيدها سوى أن عظم الساق منك دقيق (٣)
فلذلك قال: الشوى.
وقوله: «والمآبض» عي منه ولكنه، وأراد القافية.
وقوله: «وإن محض الإعراض لي منك ماحض»، أي أنا أجعلك كمهاة النقا، وأشبهك بها وإن أعرضت عني، وهو معنى ضعيف جدًا.
[ ٢ / ٦٠ ]
وقد يجوز أن يكون أراد: لولا (١) الشوى والمآبض وأن محض الإعراض لي منك ماحض بفتح أن أي لولا أن محض الإعراض لي منك ماحض، يريد أن مهاة النقا لا تقصده بإعراض، ولا غير إعراض، وهذا أيضًا معنى ضعيف.
وقال البحتري:
دنا السرب إلا أن هجرا يباعده ولاحت لنا أفراده وفرائده (٢)
والسرب: القطيع من الظباء، والنساء، والقطا، وهو ههنا: النساء.
وقوله: «لاحت لنا أفراده» أي أفراده في الحسن، جمع فرد.
وفرائده درره، جمع فريدة، وهي الدرة، يريد نساء مفردات في الحسن ونساء كفرائد الدرر.
وبعضهم يجعل الفرائد ههنا: الثغور.
وقال أيضًا:
عارضننا أصلًا، فقلنا: الربرب حتى أضاء الأقحوان الأشنب (٣)
الربرب: القطيع من بقر الوحش، أي فحسبنا هن من البقر؛ لشبههن بهن من جهة عيونهن.
«حتى أضاء الأقحوان الأشنب» يريد ثغورهن، أي لما ابتسمن علمنا أن لسن بالبقر؛ لأن البقر لا يبسمن، ولا يبدو لهن سن إلا عند التثاؤب، أو الرعي.
[ ٢ / ٦١ ]
ونور الأقحوان من أشبه شيء بالثغر، والأشنب: البارد.
وهذا الابتداء أجود من جميع ما مضى.
وقد تصرف البحتري في الابتداآت بهذا المعنى تصرفًا حسنًا فقال (١):
إن الظباء غداة سفح محجر هيجن حر جوى، وفرط تذكر (٢)
وقال:
هل فيكم من واقف متفرس يعدي على نظر الظباء الأنس (٣)
وقال:
يشوقك تخويد الجمال القناعس بأمثال غزلان الصريم الكوانس (٤)
وقال:
ما لذا الريم لا يرام اقتناصه وهو للقرب بين إفراصه (٥)
وقال:
توهم ليلى وأظعانها ظباء الصريم وغزلانها (٦)
وقال:
عند ظباء الرمل أوعينه قلب مشوق القلب محزونه (٧)
[ ٢ / ٦٢ ]
وقال:
رنو ذاك الغزال أو غيده مولع ذي الوجد بالذي يجده (١)
وهذا كله من ذكر الظباء، غاية في حسنه، وصحته، وحلاوته، على اختلاف فنونه ومعانيه.
ولست أعرف لأبي تمام غير البيتين الأولين في ذكر البقر.
[ ٢ / ٦٣ ]